القمص ميخائيل متي 1910- 1999

 

مدرس العهد القديم بالكلية الاكليريكية بدير المحرق العامر

 

العظماء والمفكرون والفلاسفة وأصحاب الرسالات بعد انتقالهم تظل سيرتهم على الألسنة ، وفى الضمائر، وفى عيون التاريخ ، ذلك بفكرهم ومواقفهم ورسالاتهم التي أخذوها على عاتقهم مبشرين بها وداعين لها .
لقد كان قداسة الأب الموقر القمص ميخائيل متى ضمن هؤلاء العظماء .ذلك من خلال فكره المتوهج الناضج ، وعلمه الغزير المتدفق ، ومواقفه التى تنم عن إيمان الرجل وشجاعته ، وأيضا منهجه الفكري على المستوى النظري ، والذي جسّده قداسته فى صورة حياة معاشة من اجل أبنائه ومن اجل البشر جميعاً .
فإن خير بداية أبدأ بها الحديث عن حياة المتنيح القمص ميخائيل متى هي الشهادة التي شهد بها عنه آباؤنا الأساقفة :
فقد قال عنه صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا ساويرس أسقف ورئيس دير السيدة العذراء بالمحرق العامر ومدير الكلية الإكليريكية : " عرفت القمص ميخائيل متى وتقاربت منه وناقشته كثيراً فوجده موسوعة علمية "
كما قال عنه نيافة الأنبا توماس أسقف القوصية ومير : " انه صمام أمان" وقال أيضا عنه " ابونا ميخائيل متى كان رجلا قويا ، عالما حكيما . محبا متواضعا يجبر الجميع على احترامه وتوقيره "
وقال عن قداسته أيضاً نيافة الأنبا بيمن أسقف نقادة وقوص :" انه صخرة روحية وأستاذ عظيم قدير ومعلم الأجيال الكثيرة أنه أب حاني وحكيم "
وقال نيافة الأنبا تيموثاوس الأسقف العام : " شجره مثمرة علمتك كلمة الله الصراحة والوضوح فعشت دائما مع كلمة الحق خادما أمينا محبا مخلصا وفيا مضحيا باذلا رابحا الكثيرين للمسيح "
ميلاده
في ليلة عيد الميلاد 25 ديسمبر 1910 م والملائكة تتهلل فى السماء بمناسبة عيد الفادى يسوع المسيح كانت العناية الالهية تزف لــ (القمص ميخائيل القس حنا ) بشرى مولد حفيده (وسميه فيما بعد ) .. فكانت فرحة الوالد متى كبيرة فدعاه " كامل " وتمنى أن تكون خلوته في وسط المعلمين ويكون كاملا فى فضائله وعلمه . فى هذا الجو العائلي الروحي نشأ " كامل " وتفتحت عيناه على البيت الذي تُصلى فيه صلوات السواعى (الاجبية ) فى موعدها من جده على سطح المنزل فى حجرة خشبية خاص (عُلية) ، وهو يقرا الكتاب المقدس وحوله بعض الرجال يستمعون إليه ويفسرون كلمه الله
ولما كبر كامل أرسله والده إلى مدرسة (ميخائيل فلتس) فى صنبو . ومضت سنوات الدراسة وفيما كان يؤدى امتحان الشهادة الابتدائية وصله خبر انتقال والدته وباقي على نهاية الامتحان مادة واحدة ، فتحمل على نفسه كاتماً إحزانه إلى أن انهي امتحان هذه المادة ، وعاد إلى بلدته، ورغم الظروف التى مر بها إلاَّ أنه قد نجح بتفوق في تلك السنة
كان يرغب أن يكمل تعليمه العام إلى أخر مراحله فيتخرج محامياً . ولكن اجبره والده على الدخول إلى الاكليريكية لتهيئه نفسه لخدمة الكنيسة ومن ذلك الحين وضع فى نفسه آلا يتخرج كخريج عادى، ولكن يجتهد لكى يكون مدرساً فيها ومديراً لها فيما بعد .
تلمذته :
وصل كامل أفندى متى إلى الاكليريكية عام 1926م، وهناك تتلمذ على يد الأساتذة الأجلاء المتنيح الأرشيدياكون حبيب جرجس ، القمص ابراهيم لوقا ، والقمص إبراهيم عطية ، والأستاذ سمعان سليدس، وهكذا كانت شعلة العلم الديني تنتقل من يد جيل الرواد إلى جيل العمالقة . وتخرج الطالب كامل افندى متى فى الكلية الاكليريكية عام 1932م، وكان الأول فى دفعته طوال سنين دراسته . لذا عُين مدرساً فيها حيث أسندوا إليه تدريس الكتاب المقدس بعهديه
متى كامل مدرساً للكتاب المقدس :
كانت هذه المادة - بالرغم من كونها مادة أساسية- لا تُدرس كما يجب ، حيث كان الطالب في كل دراسته لا يدرس إلا كتاب الكنز الأنفس للمتنيح الأستاذ حبيب جرجس، وهو عبارة عن دروس لمدارس التربية الكنسية . فوجد كامل متى أن هذا الكتاب لا يكفي لتأهيل خدمه الكهنوت في الكنيسة القبطية . فقام بعمل مذكرات جديدة، تشمل مقدمات لأسفار الكتاب المقدس من التكوين إلى الرؤيا ، ثم طبعها وتوزيعها على الطلبة لدراستها إلى جوار الكتب الأخرى، هذا العمل الجليل أخذ منه سنوات، وقام بتدريس هذه المادة لفصلين، ثم أضيف إليه فصل كل عام حتى أكمل المذكرات لجميع الفصول من الصف الأول إلى السادس، وجاء وقت كان يقوم فيه بتدريس هذه المادة لكل فصول الكلية.
ثم نبتت فكرة مادة جديدة، هى مادة جغرافية الكتاب المقدس، فقام باعداد مذكراتها، وأصبح أستاذاً لماده العهد القديم والجديد وجغرافية الكتاب المقدس. وفى نفس الوقت كان أميناً لمكتبه الكلية . كما كان يقوم بتدريس علم المنطق في حالة غياب مدرسه .

تلاميذه :
تتلمذ كثيرون على يديه منهم قداسة البابا شنودة الثالث (أطال الله حياة قداسته) والمتنيح الأنبا باسيلوس مطران القدس، والمتنيح الأنبا غريغوريوس أسقف البحث العلمى، والمتنيح الأنبا صموئيل، والمتنيح الأنبا اثناسيوس مطران بنى سويف، والمتنيح القمص صليب سوريال بالجيزة ،والمتنيح القمص بولس بولس بدمنهور، والمتنيح القمص يوسف خليل بملوى ، والقمص عبد المسيح النخيلى، والقمص بولس باسيلى، وغيرهم من إباء الكنيسة الإجلاء
سيامته كاهناً :
وهكذا خدم جيلاً بالكلمة منذ عام 1932 حتى عام 1952 ، كان القمص ميخائيل محباً للتدريس جداً ويهرب من كرامة ومسئولية الكهنوت ، ولكن شاءت عناية السماء أن يرسم قسا فى 25/ 8/ 1953 بيد المتنيح الأنبا اغابيوس الأول مطران كرسى ديروط وصنبو وقسقام، بناءاً على رغبة ملحة، وتزكية كاملة من شعبه كنيسته ، ثم سيم قمصاً عام م1954 م
ومنذ سيامته أهتم بالعمل الرعوى ، كما أهتم أيضاً بكنيسته ، فكانت كنيسة مار يوحنا المعمدان بالقوصية، فى الماضي مبنية تحت الأرض مثل كثير من الكنائس فى ذلك الزمان ، ولما سيم القمص ميخائيل الكبير 1875 (جد القمص ميخائيل متى)، قام هو وشعب الكنيسة ببنائها على طراز حديث، كذلك بنوا لها منارة عظيمة . ولكن كانت الكنيسة صغيرة. ومرت الأيام وتسلم القمص ميخائيل متى الكنيسة بعد نياحة عمه القس مرقس عام 1953 ، وعمل الرب معه عملاً عجيباً فاتسعت الكنيسة اتساعاً كبيرا ، كما بني فيها المدرسة ( مدرسة ابتدائية تابعة لجمعية السيدات القبطية )
وفى عام1975 قام ببناء مذبحاً باسم القديس الأنبا ابرام،وكان يصلى فيه قداسات يوم الجمعة من كل أسبوع . وقد صارت كنيسة مار يوحنا المعمدان كاتدرائية عظيمة عام 1993 ومقراً لكرسي الايبارشية ، وكأنه كان يتنبأ بأن تصير القوصية ايبارشية مستقلة كغيرها من الإيبارشيات ، وشاءت عناية الله أن يرى بعينيه الحبر الجليل الأنبا توماس أسقف القوصية ومير منذ عام 1988 م ونشأة الكاتدرائية فاخذ يردد قول سمعان الشيخ " الآن تطلق عبدك بسلام " .
مدرساً باكليريكية الدير المحرق :
فى عام 1973 افتتح قداسة البابا شنودة الثالث(أطال الله حياة قداسته) فرع الاكليريكية فى الدير المحرق العامر، وكلف القمص ميخائيل متى بتدريس مادة العهد القديم وجغرافية الكتاب المقدس، فقام بالمهمة خير قيام، وظل يقوم بالتدريس فيها حتى أخر لحظة من حياته.
وكان يشارك أولاده الطلبة وهيئة التدريس في كل الرحلات الدينية والعلمية في كل عام دراسي للإطلاع علي معالم الأديرة الأثرية .
أستاذ الأجيال
كان القمص ميخائيل متى كاتباً قديراً بليغاً، فقد شارك فى الكتابة فى عدد من المجلات الدينية مثل مجلة مدارس الأحد واليقظة والمحبة ، وقد قاد قداسته معارك صحفية فى عقد الأربعينات ضد المجلس الملي العام . دفاعاً عن قضايا كنسية هامة . لقد كان قداسة القمص ميخائيل رجل علم وتعليم. وقد نذر نفسه للعلم منذ أن أصبح أستاذاً بالكلية الاكليريكية بالقاهرة عام 1932 .
علاقته بالكنائس الأخرى :
كان القمص ميخائيل متى أستاذا منقبا ودارسا فقهيا للكتاب المقدس، مما جعله شخصية متقدة الفكر متسعة الأفق، فكان يدير كثيراً من الحوارات مع أقطاب الكنائس الغير أرثوذكسية حول كثير من القضايا العقيدية، مدعما أرائه بنصوص وآيات من الكتاب . الأمر الذي جعله موضع ثقة وتقدير واحترام من الجميع . لأنه كان ملتزماً بالكتاب المقدس دون تطاول او تجريح للآخرين.
الإيمان بالمشاركة السياسية :
كان قداسة القمص ميخائيل شخصيه متكاملة فمع دوره الرعوي والتعليمي لم يغفل الدور الوطني وكان يقدر المشاركة السياسية وقد تجلت مظاهر تلك المشاركة فى حث شعبه دائما ودعوته للقيد فى جداول الانتخابات العامة وحثهم على الذهاب للإدلاء بأصواتهم فيها . وقد كان قدوة لهم فى ذلك
الثقافة فى حياته :
كان القمص ميخائيل متى مقتنعا اشد الاقتناع بالنشاط الثقافي بكل فروعه ( مسرح – ندوات – مكتبات ) وقد تم عقد ندوة ثقافيه خلال عقد السبعينات باسم ندوة الأربعاء حاضر فيها رموز من الشخصيات الدينية والثقافية . وقد شارك قداسته بإلقاء محاضرة كل عام طوال عمر الندوة فى مختلف الموضوعات ، التى نذكر منها -على سبيل المثال لا الحصر- : ( أصل الإنسان- التثليث والكتاب المقدس – موسى والمسيح- رحله بني اسرئيل ) . ولما عادت ندوة الأربعاء مرة أخرى أول كل شهر عام 1998 م كان قداسته أول المحاضرين وبدون انقطاع . وقد كان القمص ميخائيل متى مؤمناً بالاطلاع ، فقد ظل قارئاً متعمقا حتى أخر لحظات عمره . ولذلك اهتم وأسس مكتبة بكنيسة المعمدان للاستعارة إيماناً منه بدور المكتبة، وقد أهدى إلى المكتبة مجموعة من كتبه الخاصة والنادرة.
الكاهن القدوة :
سُئل قداسته عن صفات الكاهن الناجح ، فأجاب بدقته المعهودة :
اولا : الكهنوت خدمة فارتبط برعيتك . لابد أن تكون قريباً في بيت الفرح ... قم بتعزية الحزين عاود المريض . شارك أبناءك أفراحهم .
ثانيا : اجعل الكنيسة مشغوليتك اليوم كله ، اجعل قلبك (حامى) فى الخدمة .
ثالثا : أعط الكرامة لمن له الكرامة، احترم قادتك الروحيين وإخوتك وأبناءك .
رابعا: الالتزام في كل شي فى الطقس والتعليم بقوانين الكنيسة .
خامسا : تسلح بالعلم، اجعل الكتاب المقدس هو رأس الكتب ليكن لك في كل يوم لقاء معه، واقرأ فى جميع مناحي العلم .
سادسا: لا تجامل احد على حساب الحق ( بوداعة وقوة )
سابعا : الكاهن قدوة في كل شي .
علاقته برابطة الكليات والمعاهد اللاهوتية لكنائس الشرق الأوسط :
قد لا يعرف الكثير شيئاً عن رابطة مجلس كنائس الشرق الاوسط ، ، وهذه الرابطة تضم جميع مديري وأعضاء هيئة التدريس بكافة الكليات والمعاهد الدينية واللاهوتية التابعة لجميع كنائس الشرق الأوسط بكافة طوائفها وجنسياتها .
والقمص ميخائيل متي كان عضواً بارزاً ومؤثراً في الحوارات اللاهوتية والكتابية التي كانت تدور بين أرجاء هذه الرابطة، وخاصة في المؤتمرات المسكونية التي كانت تعقد بصفة دورية في مقر معظم الكليات والمعاهد اللاهوتية لكنائس الشرق الأوسط .
وكانت كل الوفود المشاركة تقدّر ملاحظاته وأرائه كل التقدير والاعتبار كأستاذ مخضرم وله خبرته الخاصة والمتميزة في مهمة التدريس والبحث والإطلاع . وهكذا شهد له الجميع من أعضاء هذه الرابطة المسكونية ، شهادة سيظل التاريخ يذكرها ...
نياحته :
بعد حياة حافلة مليئة بالعطاء الفكري المميز والجهاد الروحي القويم والعمل الأبوي المتكامل بغير ملل ولا كلل ولا تراخى ، فى الساعه الحادية عشر من صباح الاحد الموافق 22 توت 1716ش، هدأ القلب الذي لم يهدا أبداً وسكن العقل الذي أعطى فكراً وتجربة وممارسة تصل إلى حد الانبهار . ونقل الجثمان الطاهر من مستشفى الزهراء بأسيوط الى منزله بشارع الجلاء بالقوصية . وبدون إعلان او ترتيب سابق ولمجرد أن تطاير الخبر هرعت الآلاف من الناس الى المنزل لكى يكونوا فى مشهد الوداع الأخير لهذا الأب الجليل. ومنذ اللحظات الأولى قدم إلى المنزل نيافة الأنبا تيموثاوس ومعه لفيف من الإباء الكهنة . وكان الجميع مع صدمة الخير وهول المفاجأة يريدون أن يفعلوا شيئاً، وفى هذا الإثناء اذ بأجراس المعمدان وكل كنائس القوصية بجميع طوائفها تدق في نغمات حزينة لتعلن حزنها على فقدان راعيها الذي افني حياته فى خدمتها  ووصل الموكب المهيب إلى كنيسة المعمدان ثم أقيمت صلاة رفع البخور بعد وضع الجثمان إمام الهيكل، وقد ضاقت الكنيسة وفناءها بجموع المودعين ثم تم إلقاء نظرة الوداع الأخيرة من أبناءه وبناته طوال الليل حتى الصباح الذي أقيم فيه القداس الإلهي برئاسة نيافة الأنبا توماس الذي قدم من القاهرة خصيصاً ، كما اشترك فى القداس الإلهى نيافة الأنبا تيموثاوس. ثم بدأت صلاة التجنيز والتي شارك فيها كل من أصحاب النيافة : نيافة الأنبا ساويرس أسقف ورئيس دير المحرق، ونيافة الأنبا برسوم أسقف ديروط ، ونيافة الأنبا بيمن أسقف نقادة وقوص، وقد حضرت وفود من الإباء الكهنة من باقي الابيارشيات المجاورة.

طلباته لأجلنا جميعا

 
 

Almuharraqseminar.com  © 2008. All Rights Reserved    |    By : Peter Malak