|
استعمال هذا السر فى الكنيسة
قد نشأت
الكنيسة منذ العصر الرسولى وهى تستعمل وتمارس هذا السر
، وقد حفظه وعلم به جميع آباء الكنيسة بكل تدقيق . فقد
ورد فى قوانين الرسل هكذا أن كل أسقف أو قسيس لا يقبل
من يرجع عن خطيته بل يطرده لأنه يحزن المسيح القائل ((
يصير فى السماء فرح بخاطىء يتوب )) ( قانون 52) وورد
أيضا فى أوامر الرسل تذكير لمتقدمى الكنيسة بأنهم
أؤتمنوا على سلطان الحل والربط ، وأشارة الى الوجوه
التى بها يفحصون الخطاة ويرشدون التائبين ، وفى الوقت
نفسه أوصت المؤمنين بأن (( وقروهم ( الآباء الروحيين )
وأكرموهم وقدموا لهم جميع أنواع الكرامة ، لأنهم اخذوا
من الله سلطان الحياة والموت بأن يحاكموا الخطاة
ويحكموا بموت نار أبدى ، وأن يحلوا الراجعين عن
خطاياهم )) ( راجع كتاب 2: 11 و12 و15 و16 وفصل 36-10:
48) وقد مارس الرسل أنفسهم هذا السلطان كما يتضح مما
جاء فى سفر أعمال الرسل ( 19: 18) (( وكان كثيرون من
الذين آمنوا يأتون مقرين ومخبرين بأفعالهم )) .
وقد استعمل
بولس الرسول هذا السلطان مع المختلط بالدم فى كورنثوس
حيث حرمه وفرزه من الكنيسة ، ولما أثمر فيه العلاج عاد
وحله فى قصاصه وأعاده الى الكنيسة (راجع 2كو2: 5-11).
وقد اعترف
جميع آباء الكنيسة صراحة بهذا التعليم فقد قال القديس
كبريانوس (( أن هؤلاء قبل أن يتوبوا عن خطاياهم
بانسحاق قلب وبساطة وقبل ان يعترفوا أمام كهنة الله
العلى ويطهروا ضمائرهم ، ويطلبوا من الكهنة علاجات
خلاصية لجراحهم الروحية ، ويستعطفوا الرب على الاهانة
التى أهانوا بها ايمانه العديم العيب كانوا يتجاسرون
بلا حياء أن يشتركوا بجسد الرب ودمه .. فأطلب اليكم
أيها الاحباء أن تعترفوا بخطاياكم مادمتم فى الحياة
الحاضرة ، حيث الصفح عن الخطايا الممنوح من الكهنة
مقبول ومرضى عند الله أيضا )) ( فى الساقطين 28 و29)
وقال القديس أثناسيوس (( كما أن المعمد يستنير بنعمة
الروح القدس ، هكذا بواسطة الكاهن ينال التائب الغفران
بنعمة المسيح )) ( ضد الناواتيين ) وقال القديس
باسيليوس الكبير (( ان الاعتراف بالخطايا للمؤتمنين
على تدبير أسرار الله ضرورى ، لأن الذين كانوا يندمون
قديما نرى أنهم هكذا صنعوا نحو القديسين وقد كتب فى
الانجيل أنهم كانوا يعترفون بخطاياهم ليوحنا المعمدان
. وفى أعمال الرسل أنهم كانوا يعترفون للرسل الذين
كانوا يعمدون منهم )) ( قوانينه المختصرة جواب على
سؤال 288) وقال القديس يوحنا ذهبى الفم (( لأن ساكنى
الأرض والقاطنين فيها قد سمح لهم أن يسوسوا ما فى
السموات ، وأخذوا سلطانا لم يعطه الله لا للملائكة ولا
لرؤساء الملائكة ، لأنه لم يقل لأولئك كل ما تربطونه
على الارض يكون مربوطا فى السماء ، وكل ما تحلونه على
الارض يكون محلولا فى السماء .. ثم أن للمتسلطين
سلطانا فى الارض أن يربطوا ولكنهم يربطون أجسادا فقط ،
وأما هذا الرباط فانه يمس النفس عينها ، ويجتاز
السموات ، وما يعمله الكهنة تحت يثبته الله فوق ،
ويؤيد السيد رأى العبيد )) ( فى الكهنوت خطاب 3: 4 و5)
وقال أيضا (( أى سلطان يمكن أن يكون أعظم من هذا
السلطان ؟ ان الآب أعطى الحكم كله للابن وأرى أن هؤلاء
تسلموه كله من الابن .. وقد كان لكهنة اليهود سلطان أن
يطهروا برص الجسد ، وبالاحرى لم يكونوا يطهرونه بل
يفحصون المعتوقين منه ، وأنت تعلم كم كان سلطانهم
وقتئذ مشتهى . ولكن هؤلاء قد نالوا سلطانا لا على برص
جسدانى بل على الدنس النفسانى ، ولا أن يفحصوه بعد
التطهير بل أن يطهروه تماما )) ( الكهنوت خطاب 3: 5و6)
وقال القديس امبروسيوس )) من يستطيع أن يترك خطايا الا
الله وحده والذين أعطاهم هو هذا السلطان )) ( جزء 5:
13) وقال (( ان هذا الحق أعطى للكهنة وحدهم )) (
التوبة 1: 2) وقال (( أن البشر يتممون سر التوبة
لغفران الخطايا من دون أن يكون لهم سلطان فى ذلك
باسمهم ، وانما يتممونه بالاسم الممجد اسم الآب والابن
والروح القدس ، فهم يطلبون والله يعطى وعلى البشر
الطاعة هنا ومن الله الهبة العظيمة )) ( فى الروح
القدس 3: 8) وقال القديس كيرلس الاسكندرى (( ان
المتوشحين بالروح القدس يتركون الخطايا أو يمسكونها
على نوعين كما أرى : أما بأنهم يدعون الى المعمودية
الذين اقتضى نوالهم اياها حسن سلوكهم وخبرتهم فى
الايمان ، وأما بأنهم يمنعون البعض ويحجبونهم عن
النعمة الالهية ، لأنهم لم يصيروا بعد مستحقين لها .
أو على وجه آخر أيضا يتركون الخطايا ويمسكونها ، وذلك
أما بقصاصهم أبناء الكنيسة عندما يخطئون واما
بمسامحتهم اياهم عندما يندمون )) ( تفسير يوحنا 20:
23) وقال القديس أغسطينوس (( ان الخطية اذا فعلها
موعوظ تغسل بالمعمودية ، واذا فعلها معتمد تترك
بالتوبة )) .
ويقول
أخيرا أن هذا التعليم قد أجمعت عليه جميع الكنائس
الرسولية شرقا وغربا ، وهذا الاتفاق العام دليل على
أنه تعليم رسولى مارسته الكنيسة الرسولية منذ انشائها
، والتاريخ يشهد أيضا بهذه الحقيقة . أضف الى
ذلك أن الكنيسة البروتستانتية التى أنكرت هذا التعليم
تسلم به فى كتبها ، فقد جاء فى كتاب نظام التعليم فى
علم اللاهوت القويم ما نصه : (( الكنائس اللوثرية
والاسقفية تستحسن الاعتراف السرى للراعى فى بعض
الاحوال . وجميع الانجيليين يرفضون الحلة الكهنوتية
الا نظير تصريح قانونى للتائبين برحمة الله الغافرة ))
( جزء 1 صحيفة 117) وجاء فى كتاب الصلاة العامة
للكنيسة الاسقفية ما نصه (( وهنا يحث القس ( الانسان )
المريض على الاقرار بخطاياه وبعد الاقرار يحله القس
على هذا الوجه : ربنا يسوع المسيح الذى ترك لكنيسته
سلطانا على أن يحلوا جميع التائبين المؤمنين به حقا ،
ليغفر لك خطاياك برحمته العظيمة ، وأنا بسلطانه الذى
فوض الى أجلك من جميع خطاياك باسم الآب والابن والروح
القدس آمين )) (صحيفة 279) .
الفصل
الثالث -
شروط
التوبة
للتوبة اربعة
شروط :
+ انسحقاق القلب وندامته
على الخطايا السالفة .
+ عزم ثابت على اصلاح
السيرة .
+ ايمان وطيد بالمسيح
يسوع ورجاء فى تحننه .
+ اعتراف شفوى بالخطايا
أمام الاب الروحى .
فالشرط الاول : وهو
انسحقاق القلب ضرورى جدا ، وهو شرط جوهرى لازم للتوبة
الحقيقية . فان على التائب حقيقة أن يشعر بثقل خطاياه
ويعترف بنتائجها المهلكة ، ويعترف أنه اقترف أمام الله
جريمة استحق بها ابتعاد الله عنه . وعليه أن يحزن
ويتوجع لأنه أغضب الله وتعدى على شريعته واذا فقد هذا
الانسحاق وهذه الندامة فليست هناك توبة حقيقية بل رياء
ظاهرى . ولهذا لما طلب الله من الاسرائيليين أن يرجعوا
اليه بالتوبة قال لهم (( ارجعوا الى بكل قلوبكم
وبالصوم والبكاء والنوح . ومزقوا قلوبكم لا ثيابكم
وارجعوا الى الرب الهكم لأنه رؤوف رحيم بطىء الغضب
وكثير الرأفة ويندم على البشر )) ( يوئيل 2: 12و13)
وقال المرنم (( ذبائح الله هى روح منكسرة القلب
المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره )) ( مز51: 17).
ولما أراد المخلص أن يبين فى العهد الجديد علامات
التوبة الحقيقية فى الراجعين ، أوضح ذلك فى مثل الابن
الشاطر الذى حكم على نفسه بأنه غير مستحق أن يكون ابنا
ورجع الى أبيه متخشعا منسحقا قائلا (( أخطات الى
السماء وقدامك . ولست مستحقا بعد أن ادعى لك ابنا .
اجعلنى كأحد أجراك )) ( لو15: 18و19) ومثل العشار الذى
تواضع بحزن شديد وتنهدات عميقة طالبا رحمة الله قائلا
(( اللهم ارحمنى أنا الخاطىء )) ( 18: 13) وكما قال
بولس الرسول (( لأن الحزن الذى بحسب مشيئة الله ينشىء
توبة لخلاص بلا ندامة )) ( 2كو7: 10) . وبناء على هذا
التعليم اعترف جميع آباء الكنيسة بأن الانسحقاق
والندامة على الخطية خاصة جوهرية للتوبة . وكتب القديس
كبريانوس هكذا : (( اخوتى الاحباء : هلموا الى
الندامة والتخشع بنفس منسحقة وافحصوا خطاياكم واعرفوا
ثقل الاوزار بضمير حسن وافتحوا عين قلوبكم لتدركوا
نقائصكم . وبقدر ما نكثر من الخطايا نحن مديونون أن
ننوح على الخطايا )) ( فى الساقطين 25) وقال القديس
يوحنا ذهبى الفم (( ان كان بكاء بطرس محا خطية عظيمة
جدا ، فأنت اذا بكيت كيف لا يمحو الله خطيتك ؟ لأن
انكار ذاك لسيده لم يكن جريمة صغيرة بل عظيمة وقوية .
ومع ذلك فقد محت الدموع الخطية . فأبك اذن أنت أيضا
على خطيتك ، ولكن لا يكونن بكاؤك على حسب العادة وفى
الظاهر فقط بل أبك بمرارة مثل بطرس وقدم ينابيع دموعك
من داخل العمق حتى يتحنن عليك السيد ويصفح عن ذنبك ))
( فى التوبة 3:3 ) وقال القديس باسيليوس (( يجب على
التائبين أن يبكوا بمرارة وأن يظهروا من قلوبهم سائر
علامات التوبة )) ( فى أدبياته 1: 3) وقال أيضا (( ان
التوبة تدعو الانسان أولا أن يصرخ فى نفسه ويسحق قلبه
ثم أن يصير قدوة صالحة للاخرين ويجعل طريقة توبته
مسموعة ويشهرها )) ( شرح أشعياء 15) .
ولا
يجب أن يكون هذا الانسحاق ناتجا عن الخوف من العقاب ،
بل ينبغى أن يكون انسحاق القلب ناشئا عن شعور بأنه
أغضب الله المحسن اليه . لأن الحزن الأول هو حزن
العبيد ، أما النوع الثانى فهو شعور الأبناء . قال
القديس يوحنا ذهبى الفم (( تنهد عندما تخطىء لا لأنك
مزمع أن تعذب لأن هذا ليس شيئا ، بل لأنك خالفت سيدك
الوديع الذى يود وصبر الى خلاصك حتى أنه أعطى ابنه عنك
، فلهذا تنهد واصنع هكذا دائما لأن هذا هو اعتراف )) (
مقالة 7: 5على 2كو ) .
والشرط الثانى : الذى هو
العزم الثابت على اصلاح السيرة هو نتيجة ضرورية
للانسحاق على الخطية . ولا فائدة للتوبة ولا معنى لها
بدون هذا الشرط . ولذلك لما نادى يوحنا المعمدان
بالتوبة ورأى كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون
الى معموديته قال لهم (( يا أولاد الافاعى من أراكم أن
تهربوا من الغضب الآتى . فاصنعوا أثمارا تليق بالتوبة
)) ( مت 3: 7و8) وقال السيد للمخلع الذى شفاه (( ها
أنت قد برئت . فلا تخطى أيضا لئلا يكون لك أشر)) (
يو5: 14) وقال للخاطئة (( ولا أنا ادينك . اذهبى ولا
تخطئى أيضا )) ( يو8: 11) وقال بطرس الرسول (( توبوا
وأرجعوا لتمحى خطاياكم لكى تأتى أوقات الفرج من وجه
الرب )) ( أع 3: 19) وفى سفر الرؤيا وجه السيد الخطاب
الى ملاك كنيسة افسس قائلا (( فأذكر من أين سقطت وتب
وأعمل الاعمال الاولى والا فانى آتيك عن قريب وازحزح
منارتك من مكانها ان لم تتب )) ( رؤ2: 5) وقال القديس
باسيليوس (( لأن ليس الذى يقول أخطأت ويلبث مصرا على
الخطية يعترف . لا. بل الذى يجد خطيته ويبغضها كما قال
الزبور. فما الفائدة للضعيف من اجتهاد الطبيب اذا كان
هو يجلب ما يفسد حياته ؟ هكذا لا فائدة من الصفح عن
الظالم أن لم يكف عن ظلمه ، ولا فائدة لمن يقول أنه
ترك الرجاسة ويبقى فى نجاسته . فبدون المسامحة من الله
لا يمكن للانسان أن يبتدىء بالحياة الفاضلة . ولهذا قد
أراد مدبر حياتنا الحكيم من الذى امتحن ببعض الخطايا
وعزم على السلوك بالسيرة المعافاة أن يضع حدا للامور
الماضية يحددها به ، ويجعل لنفسه بدءا جديدا بعد
الخطايا كان حياته قد تجددت بالتوبة . وأما الذى يعترف
بخطاياه مرارا ثم يسقط فيها بتواتر فانه يغلق عنه باب
تعطفه ويتركه فى اليأس )) ( على اشعياء 1: 5: 14) وقال
ايضا (( انه لا يكفى للتائبين غفران الخطايا وحده
للحصول على الخلاص بل من الضرورى أن تكون لهم أثمار
لائقة بالتوبة )) ( أدبيات 1: 4) .
والشرط الثالث : هو الايمان الثابت بالمسيح
والرجاء الوطيد فى تحننه لأن (( ليس بأحد غيره الخلاص
. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به
ينبغى أن نخلص )) ( أع 4: 12) و(( له يشهد جميع
الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا
)) ( أع 10: 43) وقال بولس الرسول (( فاذ قد تبررنا
بالايمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح الذى به
أيضا قد صار لنا الدخول بالايمان الى هذه النعمة التى
نحن فيها مقيمون ونفتخر على رجاء مجد الله )) ( رو5:
1و2) (( فمن ثم يقدر أن يخلص أيضا الى التمام الذين
يتقدمون به الى الله اذ هو حى فى كل حين ليشفع فيهم ))
( عب7: 25) .
والشرط الرابع : هو
الاعتراف الشفوى بالخطايا أمام الاب الروحى وهو نتيجة
طبيعية تقتضيها وظيفة الكاهن المعطى له من السيد
المسيح سلطان حل الخطايا وربطها فى هذا السر. لأن
السيد قال صريحا (( أقبلوا الروح القدس . من غفرتم
خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أمسكت )) فكيف يمكن
للكهنة أن يغفروا الخطايا أو يمسكوها دون أن يعلموها
ويفصحوها ؟ وكيف يعرفونها بدون الاعتراف بها ؟ وكيف
يتأتى للقاضى أن يحكم فى قضية لم تعرض عليه ولم يعرفها
؟ فالسلطان المعطى من السيد المسيح لتلاميذه ولخلفائهم
يقتضى ضرورة اعتراف التائب واظهار خطيته لينال الصفح
عنها . وبناء على ذلك يعتر الاعتراف بالخطايا لرعاة
الكنيسة مؤسسا من السيد المسيح ، كما أن سلطان الحل
والربط ممنوح منه له المجد . حتى أن من ينكر الاعتراف
يضطر أن ينكر سلطان الحل والربط ، وهذا مخالف لتعليم
الانجيل الواضح .
الفصل الرابع -
الاعتراف
الاعتراف فى اللغة هو الاقرار بالشىء والتصريح به علنا
. وفى اصطلاح الكنيسة هو اقرار الخاطىء بخطاياه أمام
كاهن الله اقرارا مصحوبا بالندامة والتأسف والعزم
الثابت على ترك الخطية وعدم الرجوع اليها ، لينال الحل
منه بالسلطان المعطى له من الله القائل (( من غفرتم
خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أمسكت )) .
فالاعتراف اذن جزء من سر التوبة . ومن المعلوم أن
الاسرار هى بركات ومنح بها ننال نعما غير منظورة .
فالعمل المنظور فى سر التوبة هو توبة الخاطىء وندامته
واعترافه وسماعه الحل من الكاهن . أما النعمة غير
المنظورة فهى غفران خطاياه وسلامه مع الله وانعتافه من
عقاب الخطية ونيله الرجاء بالحياة الابدية .
أما وجوب
الاعتراف واثباته فيظهر من الادلة الآتية :
أولا : من الطبيعة . فان
الانسان فى كل أدوار حياته يحتاج الى من يواسيه فى
أموره ، فتراه يشكو همومه وأتعابه وما يضايق نفسه الى
صديق أو حبيب له ، طلبا لمشورة أو تنفسيا لكرب ، أو
تخفيفا لألم ، أو مشاطرة له فيما يشعر به . وما أحسن
أن يكون للانسان أب روحى ومعلم مرشد يرجع اليه فى
أموره الروحية لارشاده وهدايته . أضف الى ذلك أن
الإنسان اذا أخطأ ضد انسان آخر واعترف له بخطأه وطلب
سماحه استراح ضميره وتصالح مع خصمه ، وكانت النتيجة
سلاما وهدوءا فى الخارج وفى الداخل . واذا تأملنا فى
التوراة نجد أن آدم لما أخطأ مهد الله له طريق
الاعتراف بخطأه وسأله (( هل أكلت من الشجرة التى
أوصيتك أن لا تأكل منها )) ( تك 3: 11) قال القديس
غريغوريوس والقديس أغسطينوس (( أن الله تعالى سأل
الانسان الأول والمرأة الأولى قبل أن يحكم عليهما لما
خالفا ناموسه ، وذلك ليقدم لهما سببا للاقرار بذنبهما
فينالا الغفران باعترافهما الذليل الوضيع (( وهكذا قل
عن سؤال الله لقايين (( أين هابيل أخوك )) فلو أنه
اعترف بذنبه وتاب واستغفر لنال الصفح من الله .
ثانيا : من ناموس موسى .
ففى شريعة موسى كان الاعتراف جزءا ضروريا من توبة
الخاطىء حسب قول الرب (( اذا أخطأ أحد أو اذا مس أحد
شيئا نجسا أو اذا حلف . فان كان يذنب فى شىء من هذه
يقر بما قد أخطأ به ويأتى الى الرب بذبيحة لاثمه ..
فيكفر عنه الكاهن من خطيته الخ )) ( لا 5: 1-6) وقوله
(( يفنون بذنوبهم .. وبذنوب آبائهم معهم يفنون . لكن
أن أقروا بذنوبهم .. اذكر ميثاقى مع يعقوب . الخ )) (
لا 26: 39-45) (( وقل لبنى اسرائيل اذا عمل رجل أو
امرأة شيئا من جميع خطايا الانسان وخان خيانة بالرب
فقد أذنبت تلك النفس . وتقول له اعترف اليوم للرب الهك
)) ( تث 26: 3) و(( من يكتم خطاياه لا ينجح ومن يقر
بها ويتركها يرحم )) ( أم 28: 23) وقد قال أيوب مبينا
اعترافه (( ان كنت قد كتمت كالناس ذنبى لاخفاء اثمى فى
حضنى )) ( 31: 23) راجع أيضا ( لا 16: 21 ، 1مل 8: 38
، عز9: نح 1: 6، 9: 2، مز32: 5 ، أش 38: 17، 59: 12،
64: 6، ار14: 10، دا 9: 4و20) حيث تجد أدلة واضحة على
الاعتراف . ألا ترى أن يشوع بن نون قال لعخان (( اعترف
للرب وأخبرنى )) ( يش 7: 19) وهذا دليل على أن
الاعتراف لله يجب أن يكون على يد رجاله ، كما اعترف
داود الملك امام ناثان النبى وقال (( قد اخطات الى
الرب . فقال ناثان لداود . الرب أيضا قد نقل عنك خطيتك
. لا تموت )) ( 2صم 12: 13) فهنا اعتراف للرب على يد
نبيه يعقبه تصريح واعلان بنقل خطيته .
وقد
كان الاعتراف عند بنى اسرائيل يقرن مع الذبيحة وصلاة
الكاهن عن الخطية . قال الربى ابن عزرا (( ان الاعتراف
لازم وانهم عندما يقدمون الذبيحة اذا لم يتوجعوا
ويعترفوا اعترافا مرتبا مبينا الخطايا لا تكون للذبائح
قوة وفائدة لهم ، وجاء فى التلمود (( انه يظهر من
التقليد أن الخاطىء يلزمه أن يوضح فى الاعتراف جميع
أعماله )) .
ولهذا السبب لما جاء يوحنا المعمدان مناديا ببشارة
التوبة لاقتراب ملكوت الله والاستعداد له ، جاء اليه
كثيرون واعتمدوا منه فى الاردن معترفين بخطاياهم ( مت
3: 5) .
ثالثا : من العهد الجديد
: فان الرب يسوع قبل أن يؤسس سر التوبة وعد به عندما
قال للقديس بطرس (( وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات . فكل
ما تربطه على الارض يكون مربوطا فى السموات . وكل ما
تحله على الارض يكون محلولا فى السموات )) ( مت 16:
19) وكذلك لما أعطى كنيسته هذا السلطان بقوله (( وان
لم يسمع منهم فقل للكنيسة . وأن لم يسمع من الكنيسة
فليكن عندك كالوثنى والعشار. الحق أقول لكم كل ما
تربطونه على الأرض يكون مربوطا فى السماء . وكل ما
تحلونه على الأرض يكون محلولا فى السماء )) ( مت 18:
17و18) وبعد قيامته ثبت هذا السر بقوله لتلاميذه بعد
ما نفخ فى وجوههم (( أقبلوا الروح القدس من غفرتم
خطاياه تغفر له . ومن أمسكتم خطاياه أمسكت )) ( يو20:
22و23) ومن هذا القول يتضح أن السيد له المجد أعطى
تلاميذه وخلفاءهم سلطان الحل والربط لأعلان غفران
الخطايا أو مسكها . وكيف يمكنهم أن يربطوا الخطايا أو
يحلوها ويعلنوا غفرانها الا بعد الاقرار والاعتراف بها
علنا ؟ فان الخطايا فى الغالب خفية سرية فكيف يغفرونها
وهى مكتومة ؟ هل أرسل السيد تلاميذه ليكونوا جواسيس
يتجسسون على خطايا الناس ويغفرونها دون علمهم ؟ حاشا .
بل جعلهم قضاة وأطباء للنفوس ، والقاضى لا يقدر أن
يحكم فى دعوى لم يسمعها وينظر فيها ويفحصها ، كما أن
الطبيب لا يستطيع أن يعالج مريضا لم يعرض عليه ويفحصه
فحصا دقيقا . ولذلك نرى أن الذين كانوا يتوبون ويؤمنون
كانوا يأتون للرسل مقرين ومخبرين بأفعالهم ( أع 19:
18) وقد فسر القديسان باسيليوس ويوحنا ذهبى الفم هذا
النص بأنه الاقرار بالخطايا أمام الكاهن وجاء فى رسالة
يعقوب الرسول عند كلامه عن سر مسحة المرضى قول ((
أمريض أحد بينكم فليدع قسوس الكنيسة فيصلوا عليه
ويدهنوه بزيت باسم الرب وصلاة الايمان تشفى المريض
والرب يقيمه وان كان قد فعل خطية تغفر له . اعترفوا
بعضكم لبعض بالزلات وصلوا بعضكم لأجل بعض لكى تشفوا ))
( يع 5: 14-16) . قال القديس أغسطينوس فى تفسير هذه
الآية (( ليس المقصود أن يعترف الكهنة على العلمانيين
كما يعترف هؤلاء لهم فان هذه الجملة لا توجب دائما
حصول المشاركة بين كل من الطرفين ــ أى لا يلزم منها
اعتراف الكهنة للشعب . بل هى على حد قولك علموا بعضكم
بعض وعالجوا أحدكم الآخر وليسعف الواحد منكم صاحبه .
بمعنى أن العالم يعلم الجاهل والطبيب يعالج المريض
والقوى يشدد الضعيف وقس على ذلك )) ومن هذا يتضح أن
البعض الذى نعترف له هو كهنة الله الامناء ، الذين
يدعوهم المريض لدهنه بالزيت والدعاء له من الله . قال
يوحنا الرسول (( أن قلنا انه ليس لنا خطية نضل أنفسنا
وليس الحق فينا . ان اعترفنا بخطايانا فهو آمين وعادل
حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل أثم . ان قلنا
اننا لم نخطىء نجعله كاذبا وكلمته ليست فينا )) ( يو1:
8-10) .
رابعا : من نظام الكنيسة
وقوانينها ، فانك اذا راجعت قوانين الكنيسة وجدتها
ملآنة بالادلة الصريحة على وجوب الاعتراف مع التوبة
وقبل تناول الاسرار المقدسة . وجاء فى القوانين
المنسوبة للرسل القواعد التى تذكر متقدمى الكنائس
بأنهم أؤتمنوا على سلطان الحل والربط ، وتبين لهم
الوجه الذى به يفحصون الخطايا وكيف يرشدون التائبين ،
وتوصى المؤمنين أن يكرموا آباءهم الروحيين حيث تقول ((
وقروهم وأكرموهم وقدموا لهم جميع انواع الكرامة لأنهم
أخذوا من الله سلطان الحياة والموت بأن يحاكموا الخطاة
ويحلوا الراجعين من الخطايا وغير ذلك )) . ولا يسعنا
المقام أن نأتى بما جاء فى قوانين المجامع فان الشواهد
على ذلك أكثر من أن تحصى .
خامسا : شهادة الكتب
الطقسية : فان لدينا كتبا قديمة يرجع تاريخها الى أكثر
من ألف سنة فضلا عن الكتب الاكثر قدمية من هذه ولا
تزال محفوظة بالمتاحف ناطقة بنظام الكنيسة فى شرح سر
التوبة والاعتراف ، وهى دليل صادق على من ما كان جاريا
فى الكنيسة منذ العصورألاولى .
سادسا : شهادة التاريخ :
فان التاريخ الكنسى يشهد بأن الاعتراف كان جاريا على
وجهين : أحدهما علنى والآخر سرى ، وعلى كلا الوجهين
كان غفران الخطايا يعطى من الكهنة وحدهم الذين لهم
الحق فى التصريح به . ومع الزمان تنازلت الكنيسة عن
الاعتراف العلنى رفقا بأبنائها وحصرته فى الاعتراف
السرى .
وقد شهد
أوسابيوس المؤرخ الكنسى ان الاعتراف كان دارجا فى
الكنيسة فى عصر الرسل بقوله (( كان تلاميذ مخلصنا
أشداء يتركون فى نفوس سامعيهم مناخس تدخل تعاليمهم فى
صميم أفئدتهم حتى يبرزوا الخفايا من مطاميرها ويعترفوا
جهارا بقبائح سيرتهم الماضية )) . وروى أن الثلاثة
الذين اتهموا القديس نرسيس ، مات اثنان منهم بتعاسة ،
والثالث اعترف بكل ما جرى فى التهمة وصنع توبة صارمة ،
وروى أن القديس فانيانوس منع فيلبس القيصرى عن التقدم
الى الاسرار قبل أن يعترف بآثامه وينضم الى من سقطوا
ودخلوا مصاف التائبين . وروى أيضا أن سرابيون لما غلبه
الاضطهاد ودنا من الموت دعا قسا ليمنحه احسان المصالحة
. وذكر سقواط المؤرخ أن امرأة شريفة تقدمت الى الكاهن
المعرف واعترفت بما ارتكبت من الخطايا بعد المعمودية
بالتفصيل . وقد مدح الشماس بولينوس القديس أمبروسيوس
وغيرته فى سماع الاعترافات . وغير ذلك مما لا يحصى من
الاخبار التاريخية الدالة على وجوب الاعتراف فى سر
التوبة ، وبالاخص قبل تناول الاسرار المقدسة . وقد
أثبت ذلك موسهيم المؤرخ البروتستانتى فى تاريخه ( كتاب
1قرن 2فصل4).
سابعا : شهادة آباء
الكنيسة : فان جميع الآباء منذ الجيل الأول يشهدون
شهادة حقة للاعتراف ، ومن أقوالهم وتعاليمهم يتضح لنا
أن الاعتراف كان جاريا فى أيامهم ، وكان قاعدة من
قواعد ايمان الكنيسة واليك بعض أقوال اشهرهم فى العصور
الاولى :
ففى الجيل الاول :
قال القديس ديوناسيوس الاريوباغى تلميذ بولس الرسول فى
ميمره على الراقدين (( ان صلوات القديسين تنفع جدا ،
وكذا من تقدم الى رجل بار واعترف له بآثامه فانه ينال
صفحا كأنه من الله . وتتمحص خطاياه وينال المواهب
الالهية التى يحتاجها ، لأن ذلك شرع فى الاحكام
الالهية أن يمنح الله المواهب ويعطيها بتوسط الآباء ))
وقال القديس برنابا فى مؤلف آخر فى الرسالة المشهورة
التى كانت فى الاجيال الاولى كثيرة الاعتبار ما نصه ((
اعترف بخطاياك ولا تقدم على الصلاة وأنت فى سوء الضمير
فهذا طريق الخلاص )) وقال القديس اكليمنضس الرومانى
تلميذ بطرس الرسول فى رسالته الاولى الى أهل كورنثوس
(( الاولى بالناس أن يعترفوا بآثامهم وخطاياهم من أن
تتصلب قلوبهم ، وقال فى رسالته الثانية (( ما دمنا فى
هذا العالم فلنرعو بكل قلبنا عن الشرور التى وصفناها
فى الجسد ليخلصنا الرب ما دام لنا زمان التوبة . فاذا
خرجنا من العالم لم يبق لنا أن نعترف هناك أو نتوب ))
.
وفى الجيل الثانى :
روى القديس ايريناوس أن بعض أتباع فالنتينوس أفسدوا
النساء اللواتى كن يتعلمن منهم هذا التعليم ... وبعد
ارتداد النساء الى بيعة الله اعترفن بهذا الاثم مع
باقى ضلالهن . وروى أيضا أن مرقس الساحر مكر بامرأة
شماس فارتدت فبقيت مدة حياتها لا تكف عن الاعتراف
بالاثم الذى اقترفته ماحية بدموعها الوصمة التى أنزلها
بها الساحر.
وفى الجيل الثالث :
قال العلامة ترتوليانوس (( أن كثيرين ينتبهون الى
الخجل أكثر من الخلاص فيهربون من هذا العمل ( أى
الاعتراف ) سترة لهم أو يؤخرونه من يوم الى يوم كمن
أصابه مرض فى الاعضاء المستحى منها فأخفى على الاطباء
مرضه فيباد بخجله ... فاذا أخفينا نفوسنا عن معرفة
الناس فهل تخفى على الله . وهل الاولى لنا أن نهلك
وذنوبنا مخفية من أن نحل وهى مكشوفة فى التوبة )) وقال
(( واذا لم يخجل الخاطىء من أن يبين خطيته لكاهن الرب
ويستمد العلاج بحسب قوله . قلت اعترف للرب باثمى وأنت
تغفر شر قلبى )) وقال (( كما أن من بقى فيهم الطعام
غير مهضوم أو تثقلت معدتهم بخلط أو بلغم ، فاذا تقيأوا
استراحوا . كذلك من أخطأوا وأخفوا الاثم فيهم تضايقوا
داخلا وخنقهم بلغم الخطية وخلطها . ولكن أن شكا أحد
نفسه فبشكايته واعترافه يتقيأ الاثم وتزول علة المرض
كلها فلا خطر يحرز من يلزمك أن تعترف بخطيتك وامتحن
أولا الطبيب الذى تعرض عليه مرضك )) . وقال القديس
كبريانوس (( كم يكون أعظم ايمانا وأحسن خوفا من
يعترفون بتوجع وبساطة أمام كهنة الله بما افتكروا به
من الاثم منقين ضميرهم .... الى أن قال .... فليعترف
كل منكم أيها الاحباء باثمه ما دام الذى اثم ( أى
الاثيم ) فى هذا العالم ، وما دام ممكنا قبول اعترافه
وما دامت المغفرة بواسطة الكهنة مقبولة عند الله )) .
وقال العلامة
أوريجانوس المصرى (( يوجد ترك آخر للخطايا مكرب جدا
وصعب وممكن الحصول عليه بالتوبة وذلك عندما يبل
الخاطىء فراشه بدموعه وعندما تصير دموعه له خبزا نهارا
وليلا وعندما لا يخجل بأن يكشف خطيته أمام كاهن الله
طالبا منه الشفاء . أو عندما يقول بعد الخطية قد عرفت
خطيتى ولم أخف اثمى . قلت اعترف للرب بذنبى . فاذا
عملنا هكذا أو كشفنا خطايانا ليس لله فقط بل للذين
يستطيعون أيضا أن يشفوا جراحنا ومآثمنا تمحى جهالاتنا
من الله الذى قال : قد محوت كغيم ذنوبك وكسحابة خطاياك
)) .
وفى الجيلين الرابع والخامس :
قال القديس أثناسيوس الرسولى بابا الاسكندرية (( كما
أن المعتمد من الكاهن يستنير بنعمة الروح القدس هكذا
من يعترف بخطاياه بواسطة الكاهن يحظى بالغفران بنعمة
المسيح )) وقال القديس كيرلس الاورشليمى (( ان الزمان
الحاضر زمان الاعتراف فاعترف بما ارتكبت قولا وفعلا
ليلا ونهارا )) وقال القديس باسيليوس (( من اللازم
الاعتراف بالخطايا لمن سلم اليهم توزيع أسرار الله))
وقال القديس يوحنا ذهبى الفم (( لأن ساكنى الأرض
والقاطنين فيها قد سمح لهم أن يسوسوا ما فى السموات
وأخذوا سلطانا لم يعطه الله لا للملائكة ولا لرؤساء
الملائكة . لأنه لم يقل لأولئك كل ما تربطونه على
الأرض يكون مربوطا فى السماء ، وكل ما تحلونه على
الأرض يكون محلولا فى السماء ، ثم ان للمتسلطين فى
الأرض سلطانا أن يربطوا ولكنهم يربطون أجسادا فقط وأما
هذا الرباط فانه يمس النفس عينها ويجتاز السموات . وما
يعمله الكهنة تحت يثبته الله فوق ويؤيد السيد رأى
العبيد )) ( يقصد الكهنة ) .
ثامنا : شهادة الاتفاق
العام . فان جميع الكنائس الشرقية والغربية فضلا عن
افتراقها واختلافها بعضها عن بعض فى أمور كثيرة فانها
متفقة تمام الاتفاق على جوهر الاسرار السبعة ومن
جملتها سر التوبة والاعتراف وهذا الاتفاق دليل صادق
على صحة هذا التعليم وقدميته منذ العصر الرسولى .
تاسعا : شهادة الخارجين
عن الكنيسة . ونختم بحثنا هذا بشهادة الذين أنكروا
الاعتراف وكيف أنهم يستحسنونه . قال لوثيروس فى كتابه
سبى بابل (( ان الاعتراف السرى يعجبنى كثيراً وهو نافع
بل لازم )) وقال كلفن فى ( كتابه الرسومات ك 3 رأس 3)
(( من كان ضميره معرقلا فى شىء جنى من الاعتراف أحسن
ثمرة . وفى قانون الايمان الذى سنه البروتستانت فى
أغوسطا قالوا (( ان الاعتراف فى الكنائس لم يبطل عندنا
)) وجاء فى كتاب الصلوات العامة للكنيسة الاسقفية ما
نصه (( ان كان أحد غير قادر على أن يطمئن باله بهذه
الوسيلة فليأت الى أحد خدام كلمة الله ... ثم يفحصه
القس هل تاب حقا من خطاياه ... وهنا يحث المريض على
الاقرار بخطاياه اقرارا خصوصيا ان لم يكن شعر بأن
ضميره قلق لأمر باهظ وبعد الاقرار يحله القس على هذا
الوجه . الخ )) ( صحيفة 279) وجاء فى ( كتاب نظام
التعليم فى علم اللاهوت القويم الجزء الاول صحيفة 117)
(( ان الكنائس اللوثرية والاسقفية تستحسن الاعتراف
السرى للراعى فى بعض الاحوال .
الفصل
الخامس - نتائج سر التوبة
نتائج سر التوبة هى :
+
مسامحة الخاطىء ونيله غفران خطاياه ( مز32: 5، أش 55:
7، يو20: 23 ، 1يو1: 9) .
+
محوها وعدم ذكر الله لها ( اش 44: 22، حز18: 21 و22) .
+
التبرر من الخطية ( مز51: 2 ، لو18: 14) .
+
نيل الخلاص والحصول على رجاء الحياة الابدية ( لو19:
9، 1كو5: 5) .
+
الانعتاق من عقاب الخطية ( مت 3: 7و10، لو13: 3، 23:
42و43).
+
المصحة
مع الله ونوال سلامه ( رو5: 1، أف2: 4، 2كو5: 15-21).
+
الحصول على رتبة البنوة التى فقدها الخاطىء بخطيته (
لو15: 17-24).
قال
القديس يوحنا ذهبى الفم (( ان الآباء الطبيعيين اذا
خالف أولادهم أحدا من الرؤساء أو ذوى القدرة فى هذه
الحياة لا يستطيعون أن ينفعوهم شيئا . وأما الكهنة
فانهم كثيرا ما استعطفوا وصالحوا لا رؤساء وملوكا بل
الله نفسه )) ( فى الكهنوت 3: 6) وقال أيضا (( ان
اخطئت ؟ فأدخل الكنيسة وامح خطيتك . وكما أنك بقدر ما
تقع فى الشارع وتنهض ، هكذا كلما خطئت تب عن الخطية
ولا تيأسن من ذاتك . وان خطئت ثانية فتب توبة ثانية
أيضا ولا تسقطن من الرجاء بالخيرات الموعود بها سقوطا
كاملا بسبب اهمال . وان كنت فى غاية الشيب وخطئت فادخل
واندم . لأن هذا المكان هو مستشفى وليس محكمة وهو لا
يطلب مجازاة على الخطايا بل يهب صفح الخطايا )) ( فى
التوبة 3: 4) .
الفصل السادس -
التأديبات الكنسية
اعتادت الكنيسة منذ
ابتدائها أن تفرض على التائب بعض قصاصات تأديبية ،
القصد منها تأديب الخاطىء واصلاح حاله وتقويم سيرته ،
وفقا لقول الرسول (( لأن الذى يحبه الرب يؤدبه ويجلد
كل ابن يقبله . ان كنتم تحتملون التأديب يعاملكم الله
كالبنين فأى ابن لا يؤدبه أبوه )) ( عب 12: 6و7) وقوله
ولكن اذ قد حكم علينا أن نؤدب من الرب لكى لا ندان مع
العالم ( 1كو11: 32) وأشهر هذه القوانين هى الصوم
الخصوصى علاوة على الاصوام المفروضة على جميع المؤمنين
، وصلوات يقدمها الخاطىء فى مخدعه مع عدد من الركعات ،
وتوزيع جزء من ماله صدقة على الفقراء ، وتأخير التناول
من الاسرار المقدسة وقتا مناسبا لثقل خطيته .
وهذه
القوانين ما هى الا بمثابة عقاقير روحية تعالج بها
أمراض النفس للتهذيب والتقويم ، وذلك طبقا لما فعله
الرسول بولس مع المختلط بالدم فى كورنثوس فانه حكم
عليه أولا بالفرز من الكنيسة ، فلما أنتجت هذه
التأديبات الغرض المقصود منها أرجعه بقوله (( مثل هذا
يكفيه هذا القصاص الذى من الأكثرين . حتى تكونوا
بالعكس تسامحونه بالحرى وتعزونه لئلا يبتلع مثل هذا من
الحزن المفرط . لذلك أطلب أن تمكنوا له المحبة )) . (
2كو2: 6-8)
وقد
ورد ذكر هذه القوانين فى الاوامر الرسولية وأقوال
المجامع وشهد عنها الآباء بالأخص القديس ايريناوس
والقديس كبريانوس والعلامة ترتوليانوس . وهذا ظاهر
أيضا من الترتيب الذى كانت الكنيسة القديمة جارية عليه
من حيث تقسيم التائبين الى :
1-
رتبة الباكين الذين لم يكن لهم حق فى حضور الخدم
الشريفة بل كانوا يقفون خارج الكنيسة ويتضرعون بدموع
الى الداخلين فى الهيكل ليصلوا من أجلهم .
2-
رتبة السامعين الذين كان مسموحا لهم أن يدخلوا الكنيسة
ويقفوا فى موضع خاص بهم ويسمعوا التعليم كلام الله
والصلوات .
3-
رتبة الراكعين الذين كانوا يقفون مدة أكثر من الاولين
ركوعا أمام باب الهيكل .
4-
رتبة المشتركين الذين كانوا مع المؤمنين فى الصلاة دون
أن يتناولوا من الاسرار المقدسة .
فهذه التأديبات كان الغرض منها اصلاح حال الخاطىء ليس
الا. ولكن كنيسة رومية خالفت هذه الحقيقة اذ تعتبر هذه
التأديبات قصاصات حقيقية ، الغاية منها وفاء العدل
الالهى الذى اهانه الخاطىء بخطاياه . واليك البراهين
التى تثبت تعاليم الكنيسة الارثوذكسية وبطلان تعليم
كنيسة رومية :
أولا : ان بولس الرسول لما وضع التأديب على المختلط
بالدم فى كورنثوس قال (( يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك
الجسد لكى تخلص الروح )) لكن لما رجع وتاب ارجعه الى
الكنيسة ، وظاهر من ذلك أن الغاية من القصاص كانت
تأديبه واصلاح نفسه . لا وفاء عدل الله .
ثانيا : يظهر من جميع أقوال الآباء أن الغرض من هذا
التأديب هو الاصلاح ولذلك سموه علاجا وقصاصا للتقويم
وشفاء للخطاة وحفظهم من خطايا جديدة .
ثالثا : لو كانت الغاية من هذه القوانين وفاء العدل
الالهى لكان من الواجب على التائب اتمام قانونه كله
بلا نقص . ولكن الآباء لم يكونوا ينتظرون الخاطىء حتى
يتمم كل ما فرض عليه من القانون ، بل كثيرا ما كانوا
يختصرون وقت التوبة ويعفونه من القانون متى رأوا أن
التأديب أنتج نتيجته المطلوبة .
رابعا : لو كان الغرض من القانون وفاء العدل الالهى
لوجب أن تفرض هذه القوانين على جميع الخطايا بلا
استثناء بحسب جرم الخطية ، اذ كل خطية هى مخالفة
ومضادة لعدل الله ، والحال أن هذه القوانين لم تفرض
الا على الخطايا الثقيلة وهذا مما يدل على أن الآباء
لم يقصدوا بها الا تهذيب واصلاح نفس الخاطىء وكسر
عجرفته لخلاص نفسه . ( راجع قانون 12 من المجمع
المسكونى الاول وقانون 5 من مجمع أنقره . وقانون 22 من
مجمع قرطاجنة ) ومؤداها (( ان الذى يتعاطى الطب الروحى
عليه ملاحظة أخلاق الخاطىء وتصرفه وسلوكه ومدة معالجته
حتى اذا كان لا يقاوم الطبيب ولا يزيد قروح النفس
بالعقاقير التى تعطى له يعامله بالرحمة التى يستحقها
)) . (( وان تمام الكلام عند الله وعند من اؤتمن على
الرئاسة الرعوية هو أن يرد الخروف الضال ويشفيه من
الجرح الذى جرحه اياه الثعبان ولا يدفعه فى مهواة
اليأس لئلا يهلك ولا يرخى له العنان لئلا يزدرى
وتسترخى عيشته . وعلى كل حال يجب على الراعى أن يحارب
المرضى كيفما كان ، أما بالادوية الحارة والقابضة وأما
باللينة واللطيفة ، وأن يجاهد فى ختم الفرح باختباره
أثمار التوبة ومداراته بحكمة ذلك الانسان المدعو الى
الاستنارة العلوية )) وقد قال القديس غوريغوريوس
النيسى (( كما أن غاية صناعة الطب فى معالجة الجسد
واحدة وهى صحة المريض وأوجه المعالجة كثيرة ومتنوعة .
هكذا بما أن الآلام فى المرض النفسانى متنوعة فمن
الضرورى أن تتنوع أوجه المعالجة الطبية أيضا فى
أشكالها ، فتأتى بالشفاء متى جرت على مقتضى الالم ...
ولذا يجب على المزمع أن يعطى العلاج المناسب لقسم
النفس السقيم أن يفحص قبل كل شىء أين الالم ثم يقدم
للضعيف علاجا ملائما ، حتى لا يكون الطبيب بجهله ،
سببا لأن يصل العلاج الى قسم آخر غير القسم الذى فيه
المرض )) ( قانون 1) .
ويظهر مما تقدم أن هذه التأديبات نافعة ومفيدة :
1-
انها تلين قساوة قلب الخاطىء وتحركه الى الشعور بذنبه
والاعتراف به وتولد فيه البغض للخطية والشوق لاصلاح
النفس .
2-
انها رياضات روحية وفروض تقوية ضد أهواء وأميال النفس
فانها تفرض مثلا على الانسان الشره الصوم ، وعلى محب
المال والسارق فعل الرحمة والصدقة ، وعلى البعيد عن
محبة الكنيسة المواظبة على الحضور فيها وقراءة الكتب
المقدسة ، وقس على ذلك .
3-
ان هذه القوانين مفيدة لحفظ الآخرين من السقوط ومساعدة
فى تهذيب اعضاء الكنيسة . أما بطلان تعليم كنيسة رومية
فى هذه التأديبات فيظهر مما يأتى :
أولا : ان هذا
المبدأ يخالف تعاليم الكتاب فى الكفارة التى قدمها
الفادى ربنا يسوع المسيح عنا حيث سفك دمه كفارة عن
خطايانا و وفى العدل الالهى حقه وصالحنا مع الله أبيه
. ويجعل تلك الذبيحة التى قدمها مخلصنا على الصليب لا
قوة لها . والكتاب يعلمنا أن مخلصنا قدم نفسه ذبيحة عن
خطايانا ، وأن هذه الذبيحة كفارة عن خطايا العالم كله
، وأننا بغير هذه الكفارة لا يمكننا أن نتقدم الى الله
. وهذا جوهر الديانة المسيحية وأساس الخلاص . قال
أشيعاء النبى (( لكن أحزاننا حملها واوجاعنا تحملها ،
ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا . وهو مجروح
لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا ، تأديب سلامنا عليه
وبحبره شفينا . كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد الى
طريقه والرب وضع عليه اثم جميعنا الخ )) ( اش 53:
4-10) وقال بولس الرسول الذى (( قدمه الله كفارة
بالايمان بدمه لاظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا
السالفة بامهال الله )) ( رو3: 25) (( فمن ثم يقدر أن
يخلص أيضا الى التمام الذين يتقدمون به الى الله اذ هو
حى فى كل حين ليشفع فيهم )) ( عب 7: 25) (( ودم يسوع
المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية )) ( 1يو1: 7) (( وان
أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو
كفارة لخطايانا . ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل
العالم أيضا )) ( 1يو2: 1و2) .
ويعلمنا الكتاب
ان الانسان الخاطىء لا يتبرر وينال الخلاص بالمسيح
يسوع الا بشرطين أحدهما التوبة والايمان والثانى
الاعمال الصالحة . فعن الاول قال (( توبوا وآمنوا
بالانجيل )) ( مر1: 15) وعن الثانى فلأن الاعمال
الصالحة هى ثمرة التوبة والايمان . قال يعقوب (( ترون
اذا أنه بالاعمال يتبرر الانسان لا بالايمان لا
بالايمان وحده . ( يع 2: 24) فعندما يتمم الخاطىء هذين
الشرطين أى الايمان والاعمال الصالحة ينال استحقاق
الخلاص بالمسيح ، لا لأن الايمان والتوبة والاعمال
الصالحة لها فى حد ذاتها قوة ذبيحة وتكفير عن الخطية
وتفى عدل الله وتبرر الخاطىء . بل لأن الخاطىء ينال
بها استحقاق الفادى الذى وفى بذاته العدل الالهى وفاء
كاملا ، وقدم نفسه كفارة خلاصية أبدية ، فالعدل الالهى
قد وفى ولم يبق على الانسان الا أن يناله بالتوبة
والايمان . أما قول كنيسة رومية بأن الخطاه فضلا عن
الايمان والتوبة يجب أن يتكبدوا قصاصات يوفون بها عدل
الله عن خطاياهم . فهذا تعليم غريب ولا ينتج الا احدى
نتيجتين . الاولى أن دم المسيح لا يخلص الخطاة ،
والفداء الذى قدمه للآب ليس كاملا ، فيجب أن يتمم
بالقصاصات التى تفرض على الخاطىء والثانية أن التوبة
والايمان والاعمال الصالحة ليست كافية لأن ينال
الانسان بها استحقاقات المخلص . وليس من يقول بهذا
التعليم لأنه يهدم اساس الدين والايمان المسيحى .
ثانيا : ان هذا
التعليم يضاد عدل الله فالباباويون يسلمون معنا بأن
الرب يسوع قدم الله ضحية كاملة ووفاء تاما عن خطايا
العالم ليشترى من لعنة الناموس والخطية جميع الخطاة ،
فمن يقول ان الله لا يرتضى من الخطاة بالايمان بالمخلص
الذى به تمحى خطايانا ( رو3: 25و26) وبالاثمار اللائقة
بالتوبة والايمان بل يطلب منهم احتمال قصاصات أخرى
وفاء لعدل الله ، يضطر أن يقول بأن الله تعالى يطلب
منهم وفاء ، عدله مرتين ، الوفاء الذى قدمه المسيح ،
ووفاء آخر يقدمه الانسان ، وهذا باطل وتجديف .
ثالثا : من
المعلوم ان الله تعالى غير محدود فى صفاته وكل خطية
تفعل ضد الله غير المحدود تستحق عقابا غير محدود ، فمن
ذا الذى يقدر أن يخلصنا ويفى العدل الالهى . هل دم
يسوع المسيح الذى صار كفارة لخطايا العالم ويطهر من كل
خطية ؟ أم تلك القصاصات ؟ لا لعمرى فانه لو سفك جميع
العالم دماءهم لما أمكنهم وفاء جزء من عدل الله ، والا
كانت الكفارة التى قدمها المسيح عنا باطلة ، لأن كل
انسان يمكنه أن يقوم بتلك القصاصات ويفى بها عن خطاياه
وحينئذ لا تبقى حاجة الى موت المسيح عنا ، وبذلك يكون
استحقاق الانسان مساويا لاستحقاق الله ، وهذا كفر محض
.
رابعا : ان هذا
التعليم يصغر جسامة الخطية ويجعلها كل شىء ما دام
الانسان قادرا على وفاء الحقوق التى يستلزمها عدل الله
، ويهون على مرتكبها فعلها فيتمادى فى فعلها نظير بعض
قصاصات تفرض عليه فيصبح مبررا باتمامها ، وهذا مخالف
لروح الكتاب القائل (( من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين
أو ثلاثة شهود يموت بدون رافة . فكم عقابا أشر تظنون
أنه يحسب مستحقا من داس ابن الله وحسب دم العهد الذى
قدس به دنسا وازدرى بروح النعمة )) ( عب 10: 28و29) .
وباطلا يستشهد
الباباويون بقول يوحنا : اصنعوا أثمار تليق بالتوبة (
مت 3: 8) فلا يقصد بأثمار التوبة قصاصات تفرض على
التائب لوفاء عدل الله ، بل يقصد بها الاعمال الصالحة
التى هى علامة قوية وشاهد على رجوع الخاطىء الى الله ،
رجوعا حقيقيا ، وهذا ظاهر من قول يوحنا نفسه فانه لم
يكن يفرض على الخطاة الذين أقبلوا اليه الا الاعتراف
بخطاياهم وتوبتهم وعمل أثمار للتوبة ، وهى الاعمال
الصالحة الدالة على حياة جديدة لله . كذلك باطلا
يستشهدون بما ورد فى الكتاب عن أهل نينوى بأنهم نالوا
المسامحة بصومهم وصدق توبتهم ( يو3: 10) ولا يقصد من
التوبة والدموع والبكاء والصوم والرحمة وكل أفعال
التوبة ، أنها أوجه مختلفة تفى عدل الله ، بل انها
علامات وبراهين دالة على انسحاق الخاطىء أمام الله
ورجوعه عن خطاياه ، وما هى الا نتائج الايمان بالله
لأنها دلائل الندامة ، وهذا ظاهر من قول الله (( ولكن
الآن يقول الرب ارجعوا الى بكل قلوبكم بالصوم والبكاء
والنوح ، ومزقوا قلوبكم لا ثيابكم وأرجعوا الى الرب
الهكم لأنه رؤوف رحيم بطىء الغضب وكثير الرأفة ويندم
على الشر )) ( يوئيل 2: 12و13) فالتوبة والندامة
والصوم وأعمال الرحمة ليست لوفاء عدل الله غير المحدود
، ولا هى ثمن صفحه وغفرانه، بل هى دلائل توبتنا التى
تجعله أن يصفح عنا . ولا يمكن أن ننال الغفران بثمن
زهيد كهذا . قال القديس يوحنا ذهبى الفم (( ما الذى
نفع أولئك القوم ( أى أهل نينوى ) فانهم ضمدوا جراحهم
بالصوم ، وكان ذلك الصوم شديدا . وضمدوها بالجلوس على
الأرض ولبس المسوح والرماد والانتحاب ، ضمدوها أيضا
بتغيير سيرتهم الرديئة . فلننظر الآن أى علاج من هذه
العلاجات جعلهم أصحاء . فقد قال الكتاب أن الله رأى ان
كل واحد منهم رجع عن طريقه الشريرة وندم على الشر الذى
نوى أن يصنعه بهم . فلم يقل اذن أنه رأى الصوم والمسح
والرماد . وأنا لا أعنى أنه يقصد بذلك أن يلغى الصوم .
حاشا . بل يحث أن نجعل صومنا أفضل بالابتعاد عن الشىء
( مقالة 4: 5 و6 على 2كو)
الفصل السابع -
الخطايا التى يشملها سر التوبة وماهية الخطية التى
لاتغفر
نتعلم من
الكتاب المقدس أنه لا توجد خطية مهما كانت ثقيلة الا
وهى قابلة للغفران والمسامحة ، متى تقدمتها توبة صحيحة
واعتراف بندامة وايمان تام بالمسيح ورجاء باستحقاقة .
وقد صرح سيدنا له المجد قائلا (( لأنى لم آت لأدعو
أبرارا بل خطاة الى التوبة )) ( مت 9: 13) (( لأن ابن
الانسان قد جاء لكى يخلص ما قد هلك )) ( 18: 11) ((
هكذا ليست مشيئة أمام أبيكم الذى فى السموات أن يهلك
أحد هؤلاء الصغار )) ( مت 18: 14) وقد غفر له المجد
لبطرس الذى أنكره وقبل الزانية والعشار واللص . قال
بطرس الرسول (( وهو لا يشاء أن يهلك اناس بل أن يقبل
الجميع الى التوبة )) ( 2بط 3: 9) وقال يوحنا الرسول
(( أن خطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار
وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل
العالم أيضا )) ( 1يو 2: 1و2) وقال أيضا (( ودم يسوع
ابنه يطهرنا من كل خطية . ان قلنا أنه ليس لنا خطية
نضل أنفسنا وليس الحق فينا . أن اعترفنا بخطايانا فهو
أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل اثم ))
( 1يو1:7-9) وبطرس الرسول دعا اليهود الذين صلبوا
المسيح قائلا (( توبوا كل واحد منكم على اسم يسوع
المسيح لغفران الخطايا )) ( أع 2: 38) ودعا سيمون
الساحر المضل الى التوبة قائلا (( تب من شرك هذا واطلب
الى الله عسى أن يغفر لك فكر قلبك )) ( أع 8: 22)
وبولس الرسول صفح للمختلط بالدم فى كورنثوس بعد ما وضع
عليه القصاص الخ )) ( 2كو 2: 6- 8)
أما قول السيد
(( كل خطية وتجديف يغفر للناس . وأما التجديف على
الروح فلن يغفر للناس . ومن قال كلمة على ابن الانسان
يغفر له . وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا
فى هذا العالم ولا فى الآتى )) ( مت 12: 31و32) وقول
يوحنا الرسول (( ان رأى أحد أخاه يخطىء خطية ليست
للموت يطلب فيعطيه حياة للذين يخطئون ليس للموت . توجد
خطية للموت . ليس لأجل هذه أقول أن يطلب . كل أثم هو
خطية وتوجد خطية ليست للموت )) ( 1يو5: 16و17) فالمراد
بالتجديف على الروح القدس المقاومة لحقيقة الله
الظاهرة والسقوط فى الكفر التام ، ونسبة معجزات المسيح
الى الشيطان . والخطية التى للموت التى أشار اليها
يوحنا الرسول هى رفض الحياة الأبدية التى أتى بها
المسيح وعناد القلب القاسى الذى لم يبق قادرا على قبول
الحق وهى مثل خطية التجديف على الروح القدس ، لأن الذى
يرتكبها يكون قد رفض الروح القدس الذى به وحده يمكن
الخاطىء أن يرجع الى الله لينال المغفرة منه ، وتشبه
خطية المرتدين التى أشار اليها بولس الرسول فى ( عب 6:
4- 6) لأنهم رفضوا كفارة المسيح وعلى ذلك يكون فى كلتا
الحالتين عدم امكان ترك الخطايا أدبيا ليس من قبل الله
ونعمته ، بل من قبل الخاطىء غير التائب . أما الله
تعالى فهو مستعد لأن يغفر كل خطية عندما يرجع الخاطىء
عن خطيته ويتوب . وقد قال القديس يوحنا ذهبى الفم فى
هذا الصدد (( ما معنى هذا القول ؟ معناه أن هذه الخطية
خصت بعدم المغفرة خلافا لسائر الخطايا . ولماذا ذلك ؟
لأنهم كانوا يجهلون المسيح من هو . ولكن الروح القدس
كانوا يعرفونه معرفة كافية . لأن الأنبياء انما به
نطقوا ما نطقوا . وكل أصحاب العهد القديم كانوا
يعرفونه معرفة عظيمة جدا . فما يقوله هذا معناه : أنم
تقاوموننى وتشكون فى نظرا للجسد الذى أنا لابسه . ولكن
لعلكم تقدرون أن تقولوا فى الروح أنكم تجهلونه ولهذا
فتجديفكم غير مغفور وسوف تقاصون عنه هنا وهناك ...
ومثال لخطية التجديف على الروح القدس هو يهوذا
الاسخريوطى الذى انقطع منه كل رجاء توبة ، وما كانت
ندامته سوى زيادة خطية على خطية فانه ذهب وشنق نفسه
وارتكب اثما فوق اثمه . فعلى ذلك طالما يرجى من
الخاطىء ندامة فلا تكون خطيته تجديفا على الروح القدس
، ولكن متى صمت صوت ضميره وتأصل فى قلبه بغض شيطانى ضد
نعمة الله التى كان ذاقها ، وصارت حالته شبيهة بحالة
الشيطان وبحالة يهوذا الاسخريوطى ولم يبق له رجاء توبة
. حينئذ تكون خطيته تجديفا على الروح القدس ، ولا يمكن
أن يحصل على غفران نظرا للحالة الشنيعة التى وصل اليها
وقانا الله من مثل هذا التخلى الفظيع )) ( تفسير متى
مقالة 41: 3)
الفصل الثامن - فساد تعليم
كنيسة رومية فى أوراق الغفرانات
أثبتنا فى الفصل السادس صفحة 117 أن القصد من
التأديبات الكنسية هو تهذيب الخاطىء واصلاح حاله
وتقويم سيرته . وأوضحنا بطلان تعليم كنيسة رومية التى
تزعم أن الغرض من هذه التأديبات وفاء العدل الالهى .
ونذكر بالأسف أن كنيسة رومية بناء على ذلك التعليم
الباطل اخترعت تعليما آخر منافيا للمبادىء المسيحية .
وهو الغفرانات . وأساسه عندهم أن تلك القصاصات التى
تفرض على التائب القصد منها كما قلنا وفاء عدل الله
الذى أهانه الخاطىء بخطاياه ، وحيث أن الانسان لا
تساعده قواه على القيام بالاعمال التى يوفى بها عدل
الله ، وكثيرا ما يهمل تلك القصاصات فينبغى أن يعوض عن
العدل الالهى من كنز الكنيسة المؤلف من استحقاق ربنا
يسوع المسيح ، ومن فضائل القديسين . وبناء على هذه
النظرية الفاسدة يصدرون أوراق غفرانات يوزعها البابا
وتباع وتشترى كالسلع متضمنة الصفح والغفران ليس عن
الخطايا الماضية فقط بل والمستقبلية أيضا . وترى فى
تلك الاوراق أن من تلا صلاة صغيرة لمار يوسف يصير له
غفران 300 يوم ، وغفران 100 سنة سلفا لمن تلا الوردية
الباباوية وقس على ذلك
ويظهر فساد
وبطلان هذا التعليم من الأدلة الآتية :
أولا : ان هذا التعليم لا اساس له مطلقا فى الكتاب
المقدس الذى يعلمنا أن الغفران هو لله وحده . وهو
استحقاق الآم ربنا يسوع المسيح الذى ليس بأحد غيره
الخلاص . ولا يوجد فى الكتاب ما يشير الى استحقاقات
للقديسين والملائكة ، يمكن توزيعها على البشر ، كما أن
لا أساس له فى التقليد الكنسى ، ولا فى تعاليم آباء
الكنيسة . وكل تعليم لا أساس له فى الكتب المقدسة
والتقليد الرسولى هو باطل واختراع ترفضه الكنيسة
ثانيا : فساد المبدأ الذى بنى عليه هذا التعليم فقد
علمنا مما سبق فساد رأيهم بشأن التأديبات الكنسية ،
وانه مضاد كل المضادة للمبدأ المسيحى
ثالثا : ان استحقاقات ربنا يسوع المسيح حقا هى كنز غير
محدود لا يفرغ لنعمة التبرير . ولكن هذه الاستحقاقات
لم توهب للبابا ليوزع منها كيف يشاء بغير حساب ، وانما
ينالها الناس وتمنح لهم بشروط أخصها الايمان والتوبة
والعزم الثابت على اصلاح السيرة وأثمار التوبة التى هى
الاعمال الصالحة . وأما منح الخطاة استحقاقات يسوع
المسيح قبل أن يتمموا شروط التوبة وعتقهم من القصاصات
التى تستلزمها خطاياهم للعدل الالهى ومنحهم أوراق
غفرانات فهو تعد ظالم خارج عن حدود كلمة الله
رابعا : ان فضائل القديسين مهما كانت عظيمة لا يمكن أن
تكون زائدة عما يجب ويفضل عنها حتى يوزع منها على
الغير. فان هذا التعليم غريب عن تعاليم المسيح
1- لأن
اعمال القديسين مهما كانت فاضلة فانها لا تصير كاملة
ومقبولة بذاتها بل بقوة النعمة الالهية ، ولها
مكافأتها أمام الله بناء على استحقاق مخلصنا يسوع
2- ان
الشريعة الانجيلية التى نسلك بموجبها طريق الحياة
الابدية ليست محدودة كما قال المرنم (( لكل كمال رأيت
حدا . أما وصيتك فواسعة جدا )) ( مز119: 96) فمهما عمل
الانسان من الفضائل لا يمكنه أن يصل الى المطلوب
بالوصية القائلة (( فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم
الذى فى السموات هو كامل )) ( مت 5: 48) وهذا الكمال
هو المطلوب من القديسين، ومهما تقدم المؤمنون فى هكذا
الكمال فانهم لا يصلون الى نهايته حتى قال بولس الرسول
(( ليس أنى قد نلت أو صرت كاملا ولكنى أسعى لعلى أدرك
الذى لأجله أدركنى أيضا المسيح يسوع . أيها الاخوة أنا
لست أحسب أنى قد أدركت . ولكنى أفعل شيئا واحدا اذا
أنا أنسى ما هو وراء وامتد الى ما هو قدام . أسعى نحو
الغرض لاجل جعالة دعوة الله العليا فى المسيح يسوع .
فليفتكر هذا جميع الكاملين منا وان افتكرتم ثم شيئا
بخلافه فالله سيعلن لكم هذا أيضا . وأما ما قد أدركناه
فلنسلك بحسب ذلك القانون عينه ونفتكر ذلك عينه )) ( فى
3: 12-16) وكفى قول الرب يسوع الذى قال (( من منكم له
عبد يحرث أو يرعى يقول له اذا دخل من الحقل تقدم سريعا
واتكىء . بل الا يقول له أعدد ما أتعشى به وتمنطق
وأخدمنى حتى آكل واشرب وبعد ذلك تأكل وتشرب أنت . فهل
لذلك العبد فضل لانه فعل ما أمر به . لا أظن . كذلك
أنتم أيضا متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا اننا عبيد
بطالون . لأننا انما عملنا ما كان يجب علينا )) (
لو17: 7-9)
3- يتضح من قول الرب
يسوع (( فى بيت أبى منازل كثيرة )) ( لو14: 2) أن لكل
قديس منزلة خاصة من الغبطة وجائزة خاصة . ومهما كانت
أعمال الانسان فانه ينال عنها الجائزة المناسبة لها .
ولا يمكن أن تزيد أعماله عما هو واجب عليه ومطلوب منه
أو تفضل عنه لينتفع بها غيره كأنها غير نافعة لصانعها
. فأين اذن تلك الفضائل الزائدة التى يمكن التوزيع
منها على الخطاة ؟
خامسا : ان هذا التعليم مضر بالناس لأنه يحرم الخطاة
من الوسائط الضرورية لعلاج أمراضهم الروحية . ويغش
الشعب ويضله ضلالا فظيعا اذا يصور لهم سهولة المصالحة
مع الله ومع الكنيسة .. ويفتح بابا للأغنياء للتمادى
فى الخطايا ما داموا يستطيعون أن يشتروا أوراق غفرانات
تصفح عن خطاياهم وتبررهم أمام الله ، وتبيح لهم
الخطايا المستأنفة . كما أنه يملأ الفقراء يأسا اذ لا
قدرة لهم على شراء تلك الاوراق . والخلاصة أن هذا
التعليم سبب فسادا عظيما فى الآداب العمومية كما يشهد
بذلك التاريخ .
سادسا
: هذا التعليم ينكره كثيرون من آباء وعلماء الكنيسة
الرومانية أنفسهم . ويعترفون بأنه تعليم حديث . قال
القديس أنطونين رئيس الاساقفة فى فيرنزا (( بخصوص
الغفرانات ليس لها قول مخصوص فى الكنيسة المقدسة . ولا
يوجد ذكر للغفرانات أصلا فى كتب المعلمين القدماء )) (
فصل 1 قضية 1و3 عن الغفرانات ) وقال الكاردينال
كايتانوس (( أنه لو كان لنا خبر محقق عن كيف دخلت عادة
الغفرانات فى الكنيسة لكان ذلك يعيننا فى الفحص عن
المطهر ولكن لا يوجد ذكر هذه الاشياء أصلا فى الكتب
المقدسة ولا فى كتب المعلمين أن كانوا رومانيين او
لاتينين )) ( عن الغفرانات رأس 2) وقال الكاردينال نيش
(( أنه ما دام الناس لم يكن لهم فكر عن المطهر لم
يفتشوا عن الغفرانات لأن كل اعتبار الغفرانات هو
المطهر . وحيث أن المطهر لم يكن معروفا عند الكنيسة
الجامعة الا فى أجيالنا الاخيرة فليس بعجب اذا كان فى
أول الكنيسة لم تكن الغفرانات موجودة فالمطهر ربما لم
يوجد ذكره قط فى كتب الآباء الاقدمين ، والروم حتى
يومنا هذا لا يؤمنون به ، واللاتينيون قبلوه ليس فى
وقت واحد بل رويدا رويدا )) ( نقض لوثيروس قضية 18)
والعالم وأسالوس النمساوى الذى يسمى نور العالم لسمو
علمه ، وكان صديقا حميما للبابا سكستوس الرابع ، قال
فى احدى رسائله (( ان البابا ليس له سلطان أن يعطى
غفرانا ولا ساعة واحدة وانه أمر مزح وهزوء انه بعض
الاوقات يعطى غفرانا على سبع سنين لأجل خطية . وبعض
أوقات على سبعمائة سنة أو الى الابد بالغفران الكامل ،
وقال أيضا (( أنه لا يوجد أصلا ذلك التمييز بين غفران
الخطية وقصاصها المبنى عليه تعليم الغفرانات وان هذا
التعليم هو من قبيل الطمع بالمال . وان كان الله ذاته
لا يعطى غفرانا كاملا للقلب المنسحق التائب فكم يكون
البابا أقل منه . وأما اذا كان الله يغفر فكيف للبابا
سلطان أن يربط !! وان كان لا يوجد للخاطىء قصاص بعد ما
يغفر الله فالبابا ماذا يحله !! )) . وقال فى جوابه
لخصمه انكولاريس (( ان الغفرانات قبل زمان البرتوس
وتوماس اكويناس كانت محسوبة كأنها كذبة تقوية وانه الى
يومنا هذا يبقى كثير من المعلمين مضادين عادة دولة
رومية فى هذا الشأن . وقال المؤرخ ثوانوس أحد كبار
العلماء الشرفاء بين الرومانيين . ان فى سنة 1515 كان
البابا لاون العاشر رجلا مسلماً ذاته لكل نوع من
العيشة المتراخية النجسة ، لكى يجمع مالا من كل جانب
لأجل مصاريفه الجزيلة ، وكان يرسل أوراق الغفرانات
التى فيها الثمن الذى يجب على كل واحد أن يعطيه بمقدار
خطيته . واختار البابا له جباة وخزنة يحفظون الاموال
فى جميع الاماكن ومبشرين يطوفون حيثما يكون لهم منفعة
كثيرة من هذه الغفرانات . وهؤلاء المبشرين قد عظموها
جدا وعظموا قوتها فى خلاص الأنفس الشقية المطهر )) (
تاريخ كتاب 1 وجه 3) وقالت القديسة بريجيتا التى كانت
فى الجيل الرابع عشر (( ان البابا قد جمع الوصايا
العشر كلها فى واحدة وهى (( قدم لى مالا ))
والخلاصة ان هذا التعليم ليس غريبا فقط عن المبادىء
المسيحية ولكنه يجلب على المسيحية عارا كبيرا !! .
|