|
لماذا عين
الرب الماء للمعمودية :
بما
أننا مؤلفون من جسد وروح ، لذلك عين الله تعالى أن
تكون وسائط خلاصنا وأسرار النعمة التى يفيضها علينا
الروح القدس ، تحت علامات حسية واشارات منظورة كما
قلنا سابقا . ففى سر المعمودية عين الرب لميلادنا
الثانى الماء . وذلك :
1- لأن الماء يغسل
الاقذار ، والمعمودية تنقى من جميع الخطايا .
2- الماء يجدد وينعش
الجسم ، والمعمودية تحيى خواص النفس .
3- لأن
بالماء قوام الحياة ، والمعمودية تمنح الخلاص .
4- لأن
المعمودية مثال موت المسيح ودفنه ولابد أن نماثله
فى الدفـن . فأين الدفن ؟ أفى الهـــواء ونحن
محاطون بـه من كل جهة ؟ أم فى النار وهى محرقة لا تصلح
لذلك؟ أم فى التراب،والدفن فيه يقتضى الموت حقيقة لا
مجازا ؟
فلا سبيل اذن
الا بالدفن فى الماء فى جرن المعمودية ولذلك قال
الرسول : ((
اعتمدنا لموته فدفنا معه بالمعمودية للموت ، حتى كما
أقيم المسيح من الاموات بمجد الآب ، هكذا نسلك نحن
أيضا فى جدة الحياة ، لانه ان كنا قد صرنا متحدين معه
بشبه موته نصير أيضا بقيامته ))
(
رو6: 4و5 ) .
رموز
المعمودية فى العهد القديم وانواع المعموديات :
وقد رمز الى
المعمودية فى العهد القديم بأمور كثيرة ، منها أن روح
الله كان يرف على وجه المياه فى بدء الخليقة اشارة الى
بث روح الحياة فى المادة ( تك 1: 2 ) والطوفان الذى
قال عنه بطرس ((
كانت أناة الله تنتظر مرة فى أيام نوح . اذ كان الفلك
يبنى . الذى قال قليلون أى ثمانى أنفس بالماء . الذى
مثاله يخلصنا نحن الآن أى المعمودية . لا ازالة وسخ
الجسد بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح
)) ( 1بط 3:
20 و21) وعبور بنى اسرائيل فى البحر الاحمر وغرق فرعون
مع مركباته ( خر14: 19- 29 ) فان البحر كان رمزا الى
ماء المعمودية . والسحابة اشارة الى الروح القدس ،
وفرعون كان رمزا الى الشيطان الذى ينسحق فى مياه
المعمودية . ولذلك قال بولس الرسول (( ولست اريد ايها
الاخوة ان تجهلوا أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة
وجميعهم اجتازوا فى البحر وجميعهم اعتمدوا لموسى فى
السحابة وفى البحر ))
(
1كو 10: 1و2 ) ولم يعط الرب الكهنوت لهرون الا بعد أن
غسل جسده أولا بالماء ( خر29: 4) وكذلك امر الكهنة عند
دخولهم خيمة الاجتماع أن يغتسلوا أولا فى المرحضه
المقدسة التى بين خيمة الاجتماع وبين المذبح ( خر30:
18) وذبيحة ايليا لم تنزل عليها النار من السماء الا
بعد أن اهرق عليها الماء ثلاث دفعات ( 1مل18: 33- 35 )
ولم يصعد ايليا الى السماء الا بعد أن عبر نهر الاردن
( 2مل 2: 2-8) وأشعياء النبى ينادى قائلا ((
تستقون مياها بفرح من ينابيع الخلاص )) ( أش 12:
3) ((
ايها العطاش جميعا هلموا الى المياه ))
(
أش 55: 1) ويوحنا المعمدان لما ابتدأ يكرز عن قرب
ملكوت الله ، كان يعمد بمعمودية التوبة قائلا : ((
أنا اعمدكم بماء للتوبة ولكن الذى يأتى بعدى هو أقوى
منى ... هو سيعمدكم بالروح القدس ونار ))
(
مت 3: 11) والتلاميذ فى حياة المسيح كانوا يعمدون ( يو
4: 2)
وهذه
المعموديات المذكورة لم تكن سوى رموز الى معمودية
المسيح . ورسوم ومقدمات سابقة لظهور سر المعمودية
المسيحية . وفرق كبير بين معمودية يوحنا ومعمودية
المسيح . لأن الأولى كانت للتوبة والاستعداد ، وأما
هذه فلغفران الخطايا . ولذلك قال بولس الرسول لتلاميذ
أفسس لما سألهم : ((
وهل قبلتم الروح القدس لما آمنتم . قالوا له ولا سمعنا
أنه يوجد الروح القدس . فقال لهم فبماذا اعتمدتم .
فقالوا بمعمودية يوحنا . فقال بولس أن يوحنا عمد
بمعمودية التوبة قائلا للشعب أن يؤمنوا بالذى يأتى
بعده أى بالمسيح يسوع . فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب
يسوع . ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس عليهم
الخ ))
( أع 19: 1-6) . قال القديس يوحنا ذهبى الفم عن ذلك :
لأنه لم تكن الذبيحة قدمت بعد . ولا انحدر الروح القدس
. ولا انحلت الخطية . ولا ارتفعت العداوة . ولا محيت
اللعنة . فكيف ازمع الغفران أن يكون . وانظر كيف حرر
ذلك بكل تدقيق لانه لما قال انه أتى لينذر بمعمودية
التوبة فى برية اليهودية . اضاف الى ذلك قوله . لمغفرة
الخطايا )) ( مر1: 4) . كان
يقول لهذا السبب كان يقنعهم أن يعترفوا بخطاياهم
ويتويوا عنها . لا لكى يعذبوا بل لكى يقبلوا الغفران
بعد ذلك بأكثر سهولة . لأنهم لو لم يدينوا أنفسهم لما
كانوا طلبوا النعمة . ولو لم يطلبوا لما نالوا الغفران
. فكانت من ثم هذه المعمودية ( اى معمودية يوحنا )
تفتح طريقا لتلك المعمودية ( أى معمودية المسيح ) (
تفسير انجيل متى . مقالة 10: 1و2)
لذلك لا فرق
بين معمودية التلاميذ وبين معمودية يوحنا . لأنها كانت
للتوبة والاستعداد ايضا لان المعمودية لم تأخذ قوتها
الا بعد موت المسيح وقيامته من بيت الاموات وحلول
الروح القدس ، لانها مثال موت المسيح ودفنه وقيامته ،
ولم تكن تلك المعمودية الا لاعداد اليهود لقبول المسيح
.
تأسيس سر
المعمودية :
اما سر
المعمودية المسيحية فقد اسسه السيد المسيح بعد قيامته
، اذ كان قد تمم فداءنا واشترانا بدمه الكريم . وبهذا
حق توزيع نعمة روحه القدوس علينا ( 1بط 1: 3 / 1كو1:
4) وقد قال لتلاميذه علنا بعد قيامته ((
دفع الى كل سلطان فى السماء وعلى الارض فاذهبوا
وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح
القدس ))
(
مت28: 18و19) . ((
من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن ))
(
مر16:16). فمن ذلك يتضح
:
1- ان المعمودية سر
عام لجميع البشر على السواء .
2- انها سر سيتمم
الى انقضاء الدهور ، غير محصورة فى مكان ولا فى زمان .
3- انها شرط لازم
للحصول على الخلاص . وقد تممها الرسل
للمؤمنين لتطهيرهم واعادة ولادتهم بالماء والروح القدس فى يوم الخمسين .
قال بطرس الرسول :
(( توبوا
وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران
الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس .. فقبلوا كلامه
بفرح واعتمدوا وانضم فى ذلك اليوم نحو ثلاثة الاف نفس
)) ( أع 2: 38- 41)
وعمد فيلبس الخصى ( أع8: 38) وعمد بطرس كرنيليوس قائد
المائة وعائلته وأشخاصا آخرين ( أع10: 1- 48) وعمد
بولس امرأة اسمها ليدية ( أع16: 15) وعمد حافظ السجن
وعائلته ( أع16: 33) وكريسبس رئيس المجمع وكل بيته
وغيرهم من سكان كورنثوس(أع 18: 8) وتلاميذ أفسس( أع
19: 1-5) وهكذا من ذلك الوقت تتمم المعمودية فى
الكنيسة المسيحية ، على المثال الذى وضعه الرسل
الاطهار للكنيسة .
ضرورة
المعمودية ولزومها للخلاص - الفصل
الثانى
أما ضرورة المعمودية ولزومها للخلاص فيظهر من الأدلة
الآتية :
أولا :
من قول يوحنا المعمدان ((
أنا اعمدكم بماء للتوبة ولكن الذى يأتى بعدى هو أقوى
منى ... هو سيعمدكم بالروح القدس ونار))(مت
3: 11) فمعمودية يوحنا كانت للتوبة . وأما معمودية
المسيح فللتوبة وغفران الخطايا وعطية الروح ( أع2: 38)
. الاولى كانت تمارس بالماء فقط . وأما هذه فباسم الآب
والابن والروح القدس ( مت28: 19) . الاولى كانت قاصرة
على التائبين من شعب اسرائيل ( مت 3: 5 ، 6 / 10: 5،
6) واما الثانية فلجميع المؤمنين من اليهود والامم (
مت 28: 19) . الأولى كانت رمزية للتوبة والايمان
بالمسيح الآتى ( مت 3: 1، أع 19: 4) والثانية للايمان
بالمسيح الذى اتى ولغفران الخطايا ( أع 2: 38 ).
الاولى كانت معمودية وقتية والذين اعتمدوا بها التزموا
أن يعتمدوا ثانية حين آمنوا بالمسيح ( أع19: 5) وأما
معمودية المسيح فهى المعمودية الدائمة الوحيدة الى
انقضاء الدهر ( مت28: 19، 20 / أف 4: 5) .
ثانيا
:
من أقوال
السيد المسيح عنها : قال له المجد (( ان كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله ))
(
يو3: 5) (( من آمن واعتمد خلص
ومن لم يؤمن يدن ))
(مر16:16) فواضح هنا أن من لايعتمد يدان ولا يستحق
الدخول الى ملكوت الله .
ثالثا
:
من أقوال
الرسل الاطهار : قال بطرس الرسول لما سأله الذين قبلوا
الايمان بالمسيح فى أورشليم ماذا نصنع ؟ قال لهم
(( توبوا
وليعتمد كل منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا
فتقبلوا عطية الروح القدس ))
(
أع 2: 37و38) وقال بولس الرسول ((
لا بأعمال فى بر عملناها نحن ، بل بمقتضى رحمته خلصنا
، بغسل الميلاد الثانى ، وتجديد الروح القدس ، ( تى 3:
5) وقوله ((
كما أحب المسيح أيضا الكنيسة وأسلم نفسه لاجلها ، لكى
يقدسها مطهرا اياها بغسل الماء بالكلمة ، لكى يحضرها
لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن ، أو شىء من
مثل ذلك . بل تكون مقدسة وبلا عيب))
(
أف 5: 25- 27) وقوله ((
لكن اغتسلتم، بل تقدستم ، بل تبررتم باسم الرب يسوع
وبروح الهنا ))
(
1كو6: 11) وقوله ((
لان كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح ))
(
غل 3: 27) وقول بطرس الرسول ((
الذى مثاله يخلصنا نحن الآن ، أى المعمودية لا ازالة
وسخ الجسد ، بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع
المسيح ))
(
1بط 3: 21) .
فهذه النصوص
الصريحة ناطقة بأن المعمودية لازمة للخلاص وبدونها لا
يمكن للانسان أن يخلص .
رابعا :
يتضح من النصوص المتقدمة ، أن المعمودية ليست
علامة تميز المسيحى من غيره ، كما يزعم البروتستانت .
اذ أنها ليست علامة ظاهرية تترك اثرا فى الوجه ، أو
غيره حتى تصلح لأن تكون علامة لتمييزالمسيحى ولكنهاعمل
يترك اثرا فى النفس، هو التطهير ومغفرة الخطايا
والولادة الثانية .
خامسا :
هذا التعليم كان ولا يزال تعليم الكنيسة فى جميع
العصور . فقد قال القديس يوستينوس الشهيد ((
يجب أن نفتش ونعرف من أى طريق يمكننا أن ننال صفح
الخطايا ، ونمتلك رجاء ميراث الخيرات الموعود بها ،
ولنا فى ذلك طريق واحد فقط ، وهو أن نعرف يسوع ونغتسل
بالمعمودية لغفران الخطايا ، وهكذا نبتدىء أن نعيش
بالقداسة،( خطابه الى تريفون فصل 44).
وقال القديس
كيرلس الاورشليمى ((
عظيمة هى المعمودية المعدة فداء عن المأسورين، وصفحا
للاوزار، وموتا للخطية، وولادة ثانية للنفس ، وثوبا
نيرا ، وختما مقدسا لا ينفك ، ومركبة الى السماء ،
وتعليم الفردوس ، وعلة الملكوت ، ومنحة التبنى ))
(تعليم ابتدائى للموعوظين فصل 16) .
وقال القديس
غريغوريوس النيسى ((
فالمعمودية اذن تنقية من الخطايا وترك المآثم وعلة
التجديد والولادة الثانية )) ( فى معمودية المسيح ) .
وقال ايضا
(( حينما
تدخلون فى الماء لا تجدون بعد ماء بسيطا ، بل تنتظرون
خلاصا بالروح القدس ، لانكم تستطيعون بلا مانع أن
تصلوا الى الكمال . وهذا الكلام ليس كلامى بل كلام
الرب يسوع نفسه ، الذى له السلطة التامة فى هذا السر ،
كما فى كل سر غيره . وهو أن كان أحد لا يولد من الماء
والروح فلا يقدر أن يدخل ملكوت الله الذى معناه أن لا
تكون المعمودية بماء فقط ، لأن الذى يعتمد بالماء فقط
لا يستحق نعمة الله ولا ينالها كاملة ، كما أن الذى لم
ينل ختم الماء مهما كان صالحا بأعماله لا يستطيع أن
يدخل ملكوت السموات . هذا الكلام صعب ولكنه ليس كلامى
لأن الرب يسوع هكذا تكلم . واليك البرهان فى الكتاب ،
وأورد حادثة كرنيليوس وعماده ، وختم كلامه بقوله :
(( ان بطرس عمدهم باسم
الرب يسوع ، فأعاد ولادة النفس بالايمان لينال الجسد
أيضا النعمة بواسطة الماء ))
(
عظة 3: 2) .
وقال القديس
أوغسطينوس : ((
اننا بميلادنا من الماء والروح القدس نتطهر من كل خطية
، سواء كانت من آدم الذى به أخطأ الجميع ، أو بفعلنا
وقولنا لاننا نغسل منها بالمعمودية ))
(
178: 28) .
وقال : ((
ان لنا ميلادين احدهما أرضى والآخر سماوى . الاول من
الجسد ، والثانى من الروح . الاول صادر عن مبدأ قابل
الفناء ، والثانى عن مبدأ أبدى . الاول عن الرجل
والمرأة ، والثانى عن الله والكنيسة . الاول يجعلنا
أبناء الجسد ، والثانى أبناء الروح ، الاول يصيرنا
أبناء الموت ، والثانى أبناء القيامة . الاول يجعلنا
أبناء الدهر ، والثانى أبناء الله . الاول يجعلنا
أبناء اللعنة والغضب ، والثانى أبناء البركة والمحبة .
الاول يقيدنا بأغلال الخطية الاصلية ، والثانى يحلنا
من رباطات كل خطية ))
(تفسير انجيل يوحنا فصل 19 ) .
وقال القديس
يوحنا ذهبى الفم للموعوظين المرشحين للعماد ((
ان الذين كانوا قبل عمادهم أسرى ، فانهم يتمتعون الآن
ببهاء الحرية . وصاروا أعضاء الكنيسة سالكين فى نور
البر البهى ، بعد ما كانوا سائرين فى فيافى الضلال
الحالك وظلام الخطية القاتم . حقا أنهم الآن محررون ،
وليس ذلك فقط بل قديسون فأبرار فأبناء فورثة فاخوة
المسيح وارثون معه فأعضاء لجسده الطاهر ، فهياكل الروح
القدس. فتأمل فى العطايا الجزيلة والواهب الثمينة التى
يمنحها سر العماد . ان كثيرين يظنون أنه يغفر الخطية
فقط ، وأما نحن فقد أحصينا له عشرة مفاعيل تجعل النفس
فى مركز سام ومقام جليل لا يوصف )) .
قال موسهيم
المؤرخ البروتستانتى عن سرى المعمودية والعشاء الربانى
(( لا ينبغى
أن يعتبرا مجرد طقس ، أو كأن لهما معنى رمزيا فقط ، بل
كأن لهما فاعلية مقدسة للعقل ))
(
ك 1 قسم 2 فصل4) .
الفصل
الثالث - وجوب
تعميد الاطفال
أوضحنا فيما سبق أن
المعمودية ضرورية للخلاص ، طبقا لوضع السيد المسيح له
المجد ، وأنها هى الباب الاول ولابد منها لدخول
الانسان الى ملكوت النعمة ، لذلك وجب تعميد الجميع على
السواء كبارا وصغارا ، غير أن بعض المحدثين زعموا
وعلموا بعدم لزوم المعمودية للاطفال وأنكروا فاعليتها
ويتضح خطأ هذا الزعم من الادلة الآتية :
أولا :
ان المعمودية ضرورية ولازمة ، وبدونها لا يمكن الدخول
الى ملكوت النعمة . ففى منعها عن الاطفال منعهم من
الدخول للاستحقاق لهذا الملكوت ، بينما لا يوجد مانع
يمنعهم من الاشتراك فى هذه النعمة ، وبالاخص لطهارة
نفوسهم .
ثانيا :
ان
الاطفال مشتركون فى الخطية الجدية مثل الكبار ، ولا
يمكنهم التطهير منها والدخول الى ملكوت النعمة الا من
هذا الباب بشهادة الرب نفسه ((
ان كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل
ملكوت الله . المولود من الجسد جسد هو والمولود من
الروح هو روح ))
(
يو3: 5و6) فيجب أن يولد الاطفال هذه الولادة الثانية
الروحية ، ليكونوا مستحقين الدخول الى ملكوت الله .
ثالثا :
من
المشابهة بين الختان والمعمودية . من المعلوم أن
الختان كان عند اليهود هو العلامة التى بها يدخلون فى
عهد الله ، لا فرق بين الاطفال والكبار . ولذلك تعين
أن يختن الطفل فى اليوم الثامن . ومن المعلوم أن
الختان كان رمزا الى المعمودية . والى ذلك أشار بولس
الرسول بقوله ((
وبه أيضا ختنتم ختانا غير مصنوع بيد ، بخلع جسم خطايا
البشرية بختان المسيح ، مدفونين معه فى المعمودية ،
التى أقمتم فيها أيضا معه بايمان عمل الله ، الذى
أقامه من الاموات ، واذ كنتم أمواتا فى الخطايا وغلف
جسدكم ، أحياكم معه مسامحا لكم بجميع الخطايا ))
(
كو2: 11- 13) فاذا كان الله نفسه منح الاطفال نعمة
الدخول فى عهده القديم ، أفيليق بنا نحن أن نخرجهم من
العهد الجديد ، عهد النعمة ، ونحرمهم هذا الاحسان ؟
واذا اعترض المعترض بأن الاطفال لا يدركون ولا يعرفون
ما هو الايمان أو ماهى المعمودية ؟ فجوابنا على ذلك أن
عدم ادراكهم لا ينفى عمادهم ، أو يوجب تأخيره .
والدليل على هذا ماورد فى الكتاب من المشابهة لذلك فقد
قيل عن ابراهيم ((
فآمن ابراهيم بالله فحسب له برا ... واخذ علامة الختان
ختما لبر الايمان ))
(
رو4: 3و11) وذلك فى الوقت الذى فيه وضع ابراهيم على
ابنه اسحق هذه العلامة نفسها ، وهو طفل ابن ثمانية
أيام ، لا يدرك ولا يفهم ولا يعرف ماهو الايمان ولا
ماهو الختان . فكما ختم ابراهيم واسحق بختم البر، هكذا
لا يجب منع هذا الختم عن الاطفال المسيحيين .
رابعا :
ان
المسيح نفسه بارك الاطفال بركة خاصة ، ودعاهم اليه
قائلا ((
دعوا الاولاد يأتون الى ولا تمنعوهم لان لمثل هؤلاء
ملكوت السموات ))
(
مت 19: 14 / 18: 3 / مر10: 15 / لو18: 15- 17) وقد سبق
وقدس بعضهم وملأهم من روحه كما قدس ارميا( 1: 5)
ويوحنا الذى امتلأ من الروح القدس من بطن امه ( لو1:
15و41) فلا مانع مطلقا يمنع الاطفال من تجديدهم
وامتلأهم بالروح القدس ، لا من جهة الله تعالى ولا من
جهة طبيعتهم . واذا تأملنا فى أقوال المسيح الحلوة
عنهم ، نرى فيها ما فى قلبه القدوس من المحبة
والاعتبار لهم ، فنرى :
1- أنه جعلهم مقياسا
للكبار فى الدخول الى ملكوت السموات بقوله (( ان لم ترجعوا
وتصيروا مثل الاولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات ))
(
مت 18: 3) .
2- أوضح أن قبولهم
بمنزلة قبول شخصه المبارك فقد قال ((
ومن قبل ولدا واحدا
مثل هذا باسمى فقد قبلنى ))
(
مت 18 : 5 ) .
3- نهانا عن
احتقارهم لاعتبارهم فى عينى الله بقوله ((
انظروا لا تحتقروا أحد
هؤلاء الصغار لانى أقـول لــكم أن ملائـكـتهم فـى السموات ينظرون
وجه أبى الذى فى السموات ))
(مت18: 10)
4- أن الاولاد
بمنزلة الحملان الصغار. والمسيح كراع صالح يقود الخراف الكبار
والحملان الصغار . ولا تخفى علاقة الاولاد بوالديهم . وقد
سبق أشعياء النبى فوصف المسيح بقوله ((
كراع يرعى قطيعه ،
بذراعه يجمع الحملان وفى حضنه يحملها
ويقود المرضعات
)) ( أش40:
11 ) ولما قدموا الاطفال الى الرب يسوع احتضنهم
ووضع يديه عليهم وباركهم ( مر 10: 16) ولا يجب أن
ننسى أن الله تعالى لما دعا شعبه للخروج من
مصر للدخول الى
أرض كنعان ارض الوعد، وقاومهم فرعون
وأراد منع
أولادهم بقوله : اذهبوا أنتم الرجال واعبدوا الرب(خر10: 7- 11) لم
يسلم موسى بذلك بل قال له ((
نذهب بفتياننا
وشيوخنا نذهب
ببنينا وبناتنا ))
.فبمثل هذا القول يجب أن نجاوب أولئك الذين
يحاولون منع الاولاد من الدخول الى ملكوت النعمةمعنا ، ويريدون
فصلهم عنا . واذا كـان الــرب باركهم وقبلهــم ودعاهم اليه
ودافع عن حقوقهم ، فمن ذا الذى يحتقرهم ويرفض عمادهم ، وقبولهم
فى الاشتراك فى الكنيسة وعضويتها . وهو الذى قد أمر
بتربيتهم والاعتناء بهم ( راجع تث 4: 9و10، 6: 7،
2تى 3: 15 ، اف6: 4 ، غل4: 1 ) .
خامسا :
من تعليم الرسل وقدوتهم فى ذلك فانهم اتبعوا هذه
القاعدة وسلكوا هذا المبدأ . حيث نرى بطرس الرسول فى
يوم الخمسين صرح بعماد الذين قبلوا المسيح من الكبار
ولم يتاخر أن يعلن لهم قبول أولادهم معهم بقوله لهم
(( توبوا
وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران
الخطايا ، فتقبلوا عطية الروح القدس ، لأن الموعد هو
لكم ولاولادكم ))
(
أع 2: 38 ) ففى قوله ( لكم ولاولادكم ) تصريح واضح
بقبول الاولاد فى الايمان والمعمودية . وحيثما كرز
الرسل بالانجيل قبلوا عائلات وعمدهم مع أهالى بيوتهم .
ومن ذلك ليدية بائعة الارجوان التى قبلت الايمان
واعتمدت هى واهل بيتها ( أع 16: 14و15) وبيت استفانوس
( 1كو1: 16) والسجان الذى اعتمد هو والذين له أجمعون (
أع 16: 33) ولاشك فى أن عائلات هذا عددها ، قد تعمدت
بأجمعها ، لم تكن خالية من الاولاد الذين دون البلوغ
أو أنهم تركوا بلا عماد ، وهذا بعيد الاحتمال ، ويكاد
يكون مستحيلا، اذ يندر أن توجد عائلات خالية من البنين
والبنات .
سادسا :
ان معلمى الكنيسة وآباءها الذين استلموا التعليم
من الرسل الاطهار هكذا سلكوا وهكذا علموا بوجوب منح
المعمودية للاطفال ، ويذكرون صريحا أن ذلك تقليد رسولى
. واليك مايدل على هذه الحقيقة :
قال القديس
ايريناوس : ((
ان يسوع المسيح أتى لكى يخلص جميع البشر أعنى الذين به
ولدوا ثانية لله . سواء أكانوا أطفالا او شبانا او
شيوخا ))
(
ضد الهراطقة 11ك 22 فصل 5: 15 ) .
وقال العلامة
أوريجانوس : ((
ان الكنيسة تسلمت من الرسل تقليد عماد الاطفال أيضا ،
فالاطفال يعمدون لمغفرة الخطايا ليغتسلوا من الوسخ
الجلدى بسر المعمودية ))
.
وقال القديس
كبريانوس : ((
اذا كان الذين أخطاوا سايقا أمام الله ، اذ يؤمنون
يأخذون صفح خطاياهم ، ولا يمنع أحد منهم عن المعمودية
والنعمة وان كان قد فعل خطايا غير محصاة . فالاطفال
الذين ضميرهم غير متفتح ولم يخطئوا فى شىء ، والذين
نظرا للخطية الكامنة فيهم وتدنسوا بها وصاروا مشاركى
الموت الآدمى، يحتاجون ايضا الى المعمودية لانها شرط
لنوال الخلاص والصفح ، ليس عن الخطايا الشخصية بل
الابوية . وقد حدد مجمعنا ((
بأنه لايجوز أن نمنع احدا من المعمودية ونعمة الله
الذى هو صالح ورؤوف بالجميع . فالمعمودية هى للجميع
وخصوصا للاطفال الصغار ، الذين بنوع خصوصى يستميلون
انتباهنا وصلاح الله ))
(
رسالة 59 )
وقال القديس
غريغوريوس الثاولوغوس: ((
هل عندك طفل ، فلا يأخذون فيه الشر فرصة ، بل ليقدس
وهو رضيع وليكرس للروح منذ نعومة أظفاره ، انك تخافين
أيتها الام من الختم بسبب ضعف الطبيعة بما انك ضعيفة
النفس وقليلة الايمان ، لكن حنة قبل أن تلد صموئيل
وعدت الله به ، وبعد ولادته حالا كرسته وبالحلة
الكهنوتية ربته ، ولم تخف من الضعف البشرى بل آمنت
بالله ))
(
خطاب فى المعمودية ) .
ويشهد القديس
اغسطينوس فى خطاب 176((
بأن المعمودية تقليد رسولى وأن الكنيسة دائما تتمسك
بتعميد الاطفال ، متسلمة اياه من السلف ، ولم تزل
حافظة اياه الى الآن ، وسوف تحفظه الى الانقضاء أيضا .
وقد قرر آباء
مجمع قرطاجنة سنة 481 فى القانون 121 هكذا ((
أيضا حكم أن كل من ينكر أن المعتمدين من الاولاد
الصغار ، المولودين حديثا من بكون أمهاتهم يعتمدون
لمغفرة الخطايا ، أو يعترف بذلك ولكنه يزعم انهم لم
يشتركوا فى شىء من الخطية الجدية المحتاجة الى التطهير
بحميم الولادة الثانية ، وينتج من هذا الزعم أن رسم
المعمودية التى لمغفرة الخطايا فى هؤلاء الاطفال ليس
بحقيقى بل مخترع ظاهرى ، فليكن مفرزا لان عبارة الرسول
القائلة : ((
بانسان واحد دخلت الخطية العالم وبالخطية الموت وهكذا
اجتاز الموت الى جميع الناس اذ اخطأ الجميع ))
لا يجب أن تفهم بمعنى آخر الا كما فهمتها دائما
الكنيسة الجامعة الممتدة والمنتشرة فى كل مكان ، اعنى
أن الاطفال ايضا الذين لا يستطيعون أن يرتكبوا بذواتهم
خطية ما من الخطايا يعمدون بناء على قانون الايمان هذا
معمودية حقيقية لمغفرة الخطايا ليتطهر فيهم بالولادة
الثانية ما ورثوه من أجدادهم ))
.
ينتج مما تقدم
أن منع الاطفال عن المعمودية بدعة غريبة مضادة للكتاب
ولتعليم الرسل وقدوتهم ولنظام الكنيسة منذ ابتدائها.
الفصل
الثالث -
كيفية
ممارسة سر المعمودية ووجوب اتمامها بالتغطيس
وادحاض طريقة الرش
لقد عين الرب
مادة هذا السر وهى الماء ، بقوله : ((
ان كان أحد لا يولد من الماء والروح الخ )) ( يو3: 5) والرسل لم يستعملوا غير الماء ( أع 8: 36- 38 ، 10: 47و48)
فسارت الكنيسة حسب تعليم الرب وتسليم الرسل ، ولم
تستعمل فى العماد الا الماء القراح ، دون استعمال آخر
مهما كان نوعه.
ثم طبقا
للتسليم الرسولى تمارس الكنيسة سر المعمودية بتغطيس
المعتمد ثلاثا فى الماء ، باسم الاقانيم الثلاثة الآب
والابن والروح القدس ، اشارة الى موت المسيح ودفنه
وقيامته ، فقد قال العلامة ترتوليانوس: ((
حين نأتى الى الماء نغطس ثلاث مرات ))
(فى الاكليل 3) وقال أيضا : ((
لاننا نغطس لا مرة واحدة بل ثلاث مرات باسم كل واحد من
الاقانيم ))
(
ضد براكسيالس 26 ) وقال القديس باسيليوس الكبير :
(( فبثلاث
غطسات ودعاء مساولها فى العدد يتم سر المعمودية العظيم
، لكى يتصور رسم الموت وتستنير نفوس المعمدين بتسليم
معرفة الله ))
(
فى الروح القدس لامفيلوشيوس فصل 15) . والذهبى الفم فى
تفسير يوحنا ( مقالة 25: 2) وامبروسيوسفى الاسرار (2:
7) وايرونيموس ضد لوكيفروس ( فصل 4 ) وغيرهم من الآباء
.
اما المعمودية
فيجب الا تمارس – كقاعدة أصلية – الا بالتغطيس وذلك
يتضح مما يأتى :
أولا :
ان
السيد المسيح له المجد الذى شرع هذا السر المقدس هكذا
اعتمد ، ليضع لنا مثالا نحتذيه ، فيقول الانجيل عن
عماده ((
فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء ))
(
مت3: 16 ) وفى ذلك برهان جلى على أنه كان مغمورا
بالماء ونازلا فيه حتى أنه صعد منه .
ثانيا :
ان
يوحنا المعمدان والرسل الذين سلمونا وديعة الايمان
هكذا مارسوا العماد ، فيوحنا المعمدان عمد الذين أتوا
اليه فى نهر الاردن ، ولو جاز العماد بسكب الماء أو
رشه لما كانت هناك حاجة للاتيان بهم الى النهر ، بل
كان قليل من الماء يكفى فى الحال . وفيلبس عمد الخصى
وزير كنداكة ملكة الحبشة بالتغطيس . حيث جاء فى سفر
الاعمال قوله (( فأمر أن تقف
المركبة فنزلا كلاهما الى الماء فيلبس والخصى فعمده .
ولما صعد من الماء خطف روح الرب فيلبس فلم يبصره الخصى
أيضا ( أع8: 26- 39) فلو كان العماد بالرش جائزا لقنع
فيلبس بقليل من الماء يرشه على الخصى ، وهو فى المركبة
دون أن يكلفه النزول الى الماء .
نعم أن البعض
استنتج من حادثة عماد الثلاثة آلاف نفس يوم الخمسين (
اع2: 41) ومن بعض الاشخاص فى البيوت ، كعماد ليدية
واهل بيتها ، والسجان وأهل بيته والذين له ( أع 16: 15
و33) ان العماد فى هذه الحالات كان بالرش . ولكن الجزم
بذلك متعذر ، لان الكتاب سكت عن ذكر الكيفية . على أن
العماد فى تلك الحوادث بطريقة التغطيس لم يكن مستحيلا
.
ثالثا
: من التشبيهات الرمزية التى وردت عن المعمودية
: فقد اشار بطرس الرسول الى حادثة الطوفان والفلك ،
الذى فيه خلص قليلون اى ثمانى أنفس بالماء ، وقال
(( الذى
مثاله يخلصنا نحن الان اى المعمودية ، لا ازالة وسخ
الجسد ، بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة المسيح
)) ( 1بط 3:
21) ووجه التشبيه هو أنه كما دخل الثمانى انفس الى
الفلك ، واجتازوا فى الماء ، فخلصوا من الهلاك وخرجوا
الى حياة جديدة ، هكذا بدخولنا الى الماء فى المعمودية
باعتبارها موتا ودفنا وقيامة مع المسيح ، نخلص من
الهلاك ونخرج الى حياة البر .
واشار بولس
الرسول الى معمودية الاسرائيليين فى البحر الاحمر
بقوله (( وجميعهم اجتازوا فى
البحر ، وجميعهم اعتمدوا لموسى فى السحابة وفى البحر
)) (
1كو10: 1و2) ووجه التشبيه ظاهر فى هذا المثال وهو أنه
كما أن الاسرائيليين اعتموا لموسى بعبورهم فى بحر
الموت الرمزى ، وخرجوا الى شاطىء النجاة ، هكذا الذين
يعتمدون للمسيح فى ماء المعمودية ، يعبرون بحر الموت
ويخلصون ويخرجون الى شاطىء الحياة بالقيامة من الاموات
( رو6 : 3و4) . وفى هذا الدليل المبنى على قياس
التمثيل اشارة واضحة الى ممارسة المعمودية بالتغطيس .
رابعا :
مما جاء
فى اقوال الرسل عن معنى المعمودية : فقد قال بولس
الرسول ((
أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا
لموته فدفنا معه بالمعمودية للموت ، حتى كما أقيم
المسيح من الاموات بمجد الاب هكذا نسلك نحن ايضا فى
جدة الحياة ، لانه ان كنا قد صرنا متحدين معه بشبه
موته نصير ايضا بقيامته ))
( رو6 : 3- 5) وقال ((
مدفونين معه فى المعمودية التى فيها اقمتم ايضا معه
بايمان عمل الله الذى اقامه من الاموات ))
(
كو2: 12) . ففى أقوال الرسول تشبيهات تامة حيث شبه
المعمودية بالقبر ، والتغطيس بالدفن ، والانتشال من
الماء بالقيامة . ولا يصح تشبيه الموت مع المسيح الا
بذلك . فحيث ان المعمودية هى مثال موت المسيح ودفنه
وقيامته ، فلا يصح اتمامها الا بالتغطيس الذى به نتحد
مع المسيح بشبه موته ودفنه . لأنها تمثل موتنا ودفننا
وقيامتنا معه .
وايضا يدعو
الرسول المعمودية ((
غسلا ))
بقوله ((
لا بأعمال فى بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا
بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس ))
(
تى 3: 5) وقد أشار حنانيا الى هذا المعنى حيث قال
لشاول ((
والآن لماذا تتوانى ، قم واعتمد واغسل خطايك داعيا
باسم الرب ))
(
أع 22: 16) راجع أيضا ( 1بط 3: 18- 21 ، أف 5: 26) ،
والغسل لا يمكن أن يتم بالسكب او بالرش بل بانغمار
الجسم كله فى الماء .
خامسا :
من مدلول لفظة ((
معمودية ))
فان هذه اللفظة فى الاصل اليونانى ((
فابتزما ))
وهى صيغة مبالغة من كلمة ((
فابتين ))
معناها ((
الصبغ ))
،
وصبغ الشىء لا يتم الا بوضعه فى السائل وغمره به . أما
السكب والرش فلا يؤديان هذه الغاية .
ان
جميع آباء الكنيسة هكذا علموا وهكذا مارسوا : قال
القديس يوستينوس ((
أن جميع الذين يقتنعون ويصدقون بأن يصلوا ويطلبوا من
الله بصوم مغفرة خطاياهم السالفة ، ونحن نصلى ونصوم
معهم ، بعد ذلك نأتى بهم الى حيث يوجد ماء . وتعاد
ولادتهم بأسلوب اعادة الولادة الذى أعيدت به ولادتنا ،
لانهم يستحمون حينئذ فى الماء على ( اسم ) أبى الكل
الاله السيد ومخلصنا يسوع المسيح والروح القدس)) (احتجاج 7 صفحة
79).
والقديس
كيرلس الاورشليمى يقول : ((
كما أن الذى يدخل فى الماء ويعمد ينغمر بالماء من كل
جهة . هكذا قد اعتموا تماما من الروح أيضا ، لكن الماء
يغمر المعمد من الخارج ، وأما الروح فيعمد النفس
داخليا بلا انقطاع )) ( عظة 3: 2 ) وغير
ذلك من أقوال الاباء التى لا متسع لذكرها هنا .
أما سكب الماء
ورشه الذى بدأت الكنيسة الغربية باستعماله حديثا فيكفى
أن نقول أن احواض المعمودية لاتزال موجودة فى اقدم
كنائس رومه دليلا على صحة تعليمها قديما ، ولا حق لها
فى تحويل معموديتها الى معمودية رش ، ولا صحة للادعاء
بأن الكنيسة القديمة لم تسمح بذلك الا فى بعض ظروف
استثنائية لا مناص منها ، وعلى الخصوص للمرضى
والمقعدين الذين لا يمكن عمادهم بالتغطيس ( ترتوليانوس
فى التوبة فصل 6 وتاريخ اوسابيوس 6: 43 واغسطينوس فى
تفسير يوحنا 80 9 ومع ذلك فقد حدثت مشاجرات عنيفة بين
مسيحيى ذلك العصر ، اذ كان كثيرون منهم لا يقبلون
اعتبار مثل ذلك العماد الذى تم بالرش ، وكانوا يطلبون
اعادة معموديتهم ، حتى اضطر القديس كبريانوس الى أن
يكتب فى هذا الموضوع لنز الخلاف من بينهم فقال :
(( أن سر
العماد لا يعدم قوته ولا صحته اذا تم عن الضرورة بالرش
ولا حاجة الى اعادته )) ( رسالة 76) ولذلك
فان الكنيسة الارثوذكسية لا تعيد معمودية من اقتضى
عمادهم بالرش لداعى المرض ، ولكنها لا تسمح باتمام
السر اعتياديا الا كما امر به المسيح وكما سلمنا الرسل
.
الفصل
الخامس -
الاعتماد باسم الثالوث الاقدس ومعنى الاعتماد باسم
المسيح
ان الكنيسة
حسب تعليم الرب وامتثالا لأمره تتمم سر العماد باسم
الثالوث الاقدس الآب والابن والروح القدس وتذكر اسماء
الاقانيم الثلاثة عند تغطيس النعتمد ، وهذا واضح من
أمر الرب الصريح القائل ((
عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ))
(
مت 28: 19) وقد ورد فى القوانين الرسولية ((
أن كل أسقف أو قس لا يعمد حسب أمر الرب بالآب والابن
والروح القدس بل بثلاثة ( آباء ) عديمى الابتداء أو
بثلاثة بنين أو بثلاثة معزيين يقطع ))
وعن ذلك يقول العلامة اوريجانوس ((
معمودية الخلاص لا ينبغى أن تتمم على وجه آخر الا باسم
الثالوث الاقدس أعنى باستدعاء الآب والابن والروح
القدس ))
ويقول القديس كبريانوس ((
ان الرب ذاته أوصى بأن نعتمد باسم الثالوث الاقدس
بجملته))
(
رسالة 73) ويقول القديس اثناسيوس الرسولى ((
من يرفض هذا الاقنوم أو ذاك من الثالوث الاقدس ،
ويعتمد باسم الآب فقط ، أو الابن وحده ، أو الآب
والابن خلا الروح القدس ، فذاك لا يشترك بالسر أصلا
لأن الكمال والخلاص هما فى الثالوث ))
(
رسالة الى سرابيون صفحة 30) .
اما ما ورد فى
الانجيل من العبارات التى تروى عن المعمودية باسم
المسيح ، أو فى المسيح يسوع ، ( أع 2: 38 ، 8: 16، 10:
48، 19: 20) فلا يقصد منها نفى العماد باسم الثالوث
الاقدس بل المعنى فى ذلك أننا نعتمد بالمعمودية التى
أسسها ورسمها ربنا يسوع المسيح . وقد قال فى ذلك
القديس أفلوجيوس ((
ان الاعتماد بيسوع المسيح هو الاعتماد حسب وصية يسوع
المسيح وتسليمه الصريح اعنى باسم الآب والابن والروح
القدس ))
وقال القديس باسيليوس ((
لا يعثرن احدا كلام الرسول حيث يسكت أحيانا عن ذكر اسم
الآب والروح القدس فى المعمودية ، ولا يظن لهذا السبب
أن استدعاء الاسماء أمر لا يجب ملاحظته ، لانه يقول
أيها الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح ، وأيضا
الذين اعتمدتم بالمسيح ، بموته اعتمدتم . فذكر المسيح
هو اعتراف بالجميع لأن هذا الاسم المقدس يدل على الاله
الذى مسح ، والابن الذى مسح ، المسحة وهى الروح القدس
، كما يقول بطرس الرسول ((
يسوع الذى من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس
)) . ( فى
الروح القدس فصل 15) .
الفصل
السادس -
نتائج
سر المعمودية غير المنظورة واثبات انها هى الولادة
الثانية
قلنا فيما سبق
أن الاسرار تمنح نعما غير منظورة ، بممارسة طقوس
منظورة ذى علاقة بها . وقد ثبت مما تقدم من ايضاح سر
المعمودية فعله غير المنظور ، وهنا نشير الى نتائجه
السرية وفعله فى نفوس قابليه :
أولا :
المعمودية تعيد الاولادة الثانية وتجدد خلقة الانسان
روحيا وهذا ظاهر من قول الرب يسوع لنيقوديموس ((
الحق الحق أقول لك أن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر
أن يرى ملكوت الله ))
فلم يفهم نيقوديموس قصد المسيح وفسره تفسيرا حرفيا ،
وقال كيف يمكن الانسان أن يولد وهو شيخ . العله يقدر
أن يدخل بطن امه ثانية ويولد ؟ ففسر له الرب معنى
كلامه بقوله ((
الحق الحق أقول لك أن كان احد لا يولد من الماء والروح
لا يقدر ان يدخل ملكوت الله ، وأردف هذا الكلام ببيان
الفرق بين الولادة الجسدية والولادة الروحية بقوله :
(( المولود
من الجسد جسد هو ، والمولود من الروح هو روح ))
ونظرا لان هذه الولادة الروحية سرية لا تدرك كيفيتها
قال له ((
لا تتعجب انى قلت لك ينبغى ان تولدوا من فوق . الريح
تهب من حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من اين تأتى
ولا اللا أين تذهب ، هكذا كل من ولد من الروح ))
(
يو3: 3- 8) فظاهر من هذا الكلام الصريح ان الرب يسوع
يدعو المعمودية ميلادا ثانيا ، ويبين فعلها السرى غير
المنظور . والى ذلك اشار يوحنا المعمدان الذى أشاد
بمعمودية المسيح وقال عنه ((
هو سيعمدكم بالروح القدس ونار ))
(
مت3: 11) وبولس الرسول يقول ((
لا بأعمال فى بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا
بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس )) ( تى3: 5) .
ثانيا :
من نتائجها غير المنظورة : التبرير وغفران الخطايا .
وهذا واضح ايضا من كلام المخلص نفسه بأن ((
المولود من الجسد جسد هو ، واما المولود من الروح فهو
روح ))
وقول بطرس الرسول ((
توبوا وليعتمد كل منكم على اسم يسوع المسيح لغفران
الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس ))
(
أع 2: 38) وقوله أيضا ((
الذى مثاله يخلصنا نحن الآن أى المعمودية )) . موضحا بأن المراد
بها ((
لا ازالة وسخ الجسد ، بل سؤال ضمير صالح عن الله
)) ( 1بط 3:
21) وقول بولس الرسول ((
أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضا الكنيسة
وأسلم نفسه لأجلنا ، لكى يقدسها مطهرا اياها بغسل
الماء بالكلمة ، لكى يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس
قيها ولا غضن ، أو شىء من مثل ذلك ، بل تكون مقدسة
وبلا عيب ))
(
اف 5: 25- 27) فيسميها الرسول هنا ((
غسل الماء )) وفى ( 1كو 6: 11)
ويقول ((
لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح
الهنا )) .
فالمعمودية اذن تمارس بالماء الذى يستعمل للغسل ، وهى
مقدسة ومطهرة ومبررة من الخطية الجدية بفعل الروح
القدس وعمله غير المنظور ( راجع ما جاء فى صحيفة 24 عن
ضرورة المعمودية ولزومها للخلاص ) .
ثالثا :
ان المعمودية تمنح الانسان نعمة التبنى
حسب قول بولس الرسول ((
لانكم جميعا ابناء الله بالايمان بالمسيح يسوع ، لأن
كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح ، قد لبستم المسيح ، ليس
يهودى ولا يونانى ، ليس عبد ولا حر ، ليس ذكر وانثى ،
لانكم جميعا واحد فى المسيح يسوع . فان كنتم للمسيح
فأنتم اذا نسل ابراهيم وحسب الموعد ورثة ))
(
غل 3: 26- 29) وقوله ايضا ((
لاننا جميعنا بروح واحد ايضا اعتمدنا الى جسد واحد
يهودا كنا ام يونانيين ، عبيدا أم احرارا . جميعنا
سقينا روحا واحدا ))
(1كو 12: 13 ) راجع ايضا ( أع 2: 41 ، رو6: 3 و4 ) .
رابعا :
من نتائجها العتق من عقوبة الخطية ، واخذ ميراث الحياة
الابدية ، حسب قول السيد ((
من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن ))
(
مر 16: 16) وقول الرسول بولس ((
خلصنا بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس ، الذى
سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا ، حتى اذا تبررنا
بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الابدية ))
(
تى 3: 5-7) وقول بطرس الرسول ((
ولدنا ثانية لرجاء حى بقيامة يسوع المسيح من الاموات ،
لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل محفوظ فى السموات
لاجلكم ))
(1بط 1: 3و4)
فمن هذه
النصوص المقدسة يتضح جليا أن نتائج المعمودية غير
المنظورة بفعل روح الله القدوس هى الولادة الثانية ،
والتبرير ، وارث الملكوت وهذه المنح والنتائج مرتبطة
بعضها ببعض ، لأن نعمة الله اذ تلد الانسان ثانيا
تبرره وتقدسه وتجعله ابنا لله مستحقا لوراثة الحياة
الابدية .
وهذا التعليم
هو تعليم المسيح ورسله ، وعليه سارت الكنيسة فى كل
الاجيال ، وهكذا اعتقد آباء الكنيسة منذ الاجيال
الاولى .
واليك بعض
شهادتهم :
قال القديس
برنابا فى رسالته فصل 11 : ((
تتمم المعمودية لغفران الخطايا فننزل فى الماء موعبين
من الخطايا والوسخ ، ونصعد مسمرين الخوف فى قلوبنا ،
ومالكين الرجاء بيسوع فى روحنا ))
وقال القديس يوستينوس ( فى خطابه الى تريفون فصل 44)
(( يجب ان
نفتش ونعرف من أى طريق يمكن أن ننال صفح الخطايا ،
ونمتلك رجاء ميراث الخيرات الموعود بها ، ولنا فى ذلك
طريق واحد فقط ، وهو أن نعرف يسوع ونغتسل بالمعمودية
لغفران الخطايا ، وهكذا نبتدىء ان نعيش بالقداسة
)) .
وقال القديس
اكليمنضس الاسكندرى : ((
هذا الامر عينه يحصل لنا نحن أيضا الذين قد صار لنا
المسيح مثالا فاذ نعتمد نستنير ، واذ نستنير نتبنى ،
واذ نتبنى نكمل ، واذ نكمل نضحى غير مائتين . كما يقول
(( أنا قلت
أنكم آلهة وبنو العلى جميعكم ))
ويدعى هذا الفعل بأسماء كثيرة اعنى نعمة واستنارة
وكمالا وحميما . فهو نعمة اذ به الى اللاهوت ، وكما
لأنه يحتاج الى شىء ، وحميم لأننا به نغسل خطايانا
)) ( المربى كتاب 1
فصل 6: 226)
وقال القديس
غريغوريوس الثاولوغوس : ((
ان نعمة المعمودية تنقى الانسان من كل خطية وتغسله
غسلا كاملا من الاوساخ والاقذار اللاحقة به من الرذيلة
... وهى من حيث انها نجدة للولادة الاولى تجعلنا جددا
من عتق ، والهيين بدلا مما نحن عليه ))
(
خطبة فى المعمودية ) .
وقال القديس
باسيليوس الكبير: ((
المعمودية فدية المأسورين ، وصفح الاوزار ، وموت
الخطية ، واعادة ولادة النفس ، وثوب نير ، وختم لا
ينفك ، ومركبة الى السماء تؤدى الى الملكوت ، ومنحة
التبنى ))
(
تعليم ابتدائى للموعظين فصل 16 ) .
وقال القديس
يوحنا ذهبى الفم : ((
ان المعمودية النعمة تطهر كل انسان سواء كان فاسدا أو
زانيا ، عابدا للاصنام أو غير ذلك ، لانه مهما كان
غارقا فى الخطية فحالما يدخل مياه المعمودية يخرج من
هذه المياه الالهية أنقى من أشعة الشمس عينها ، وليس
نقيا بل قديسا بل بارا أيضا ، لأن الرسول لم يقل
(( واغتسلتم
)) فقط بل
قال (( وتقدستم وتبررتم
باسم الرب يسوع ))
.
ثم انه فضلا عن نوالنا بالمعمودية صفح الخطايا
والتنقية من المآثم والمظالم ، فاننا نولد بعد
المعمودية ولادة ثانية ونخلق ونصور بها ))
(
عظة ثالثة).
وقال القديس
أوغسطينوس : ((
أننا بميلادنا من الماء والروح القدس نتطهر من كل خطية
، سواء كانت من آدم الذى به أخطأ الجميع ، أو بفعلنا
وقولنا لأننا نغسل منها بالمعمودية ))
(
رسالة 178: 28) . وهكذا علم
باقى الآباء القديسين معلمى الكنيسة فى كل الاجيال .
الفصل
السابع
- وحدة المعمودية وعدم اعادتها
ان الكنيسة
تعترف وتعلم طبقا لتعليم الرب ورسله بأن المعمودية
واحدة ، ولذلك قررت فى قانون الايمان هكذا ((
نعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا ))
وتعنى بذلك عدم جواز اعادتها ثانية متى تمت قانونيا
حسب الشروط التى ذكرناها سابقا ، وذلك لسببين :
اولا :
لأن المعمودية ولادة روحية ، فكما أن الانسان لا يولد
جسديا الا مرة واحدة ، هكذا يجب أن تكون ولادته
الروحية مرة واحدة ، وكما أن الانسان بميلاده الجسدى
يأخذ صورة وهيئة خاصة يبقى عليها مدى حياته ، هكذا فى
ميلاده الروحى يأخذ رسما وختما لا يمحى .
ثانيا :
لأن المعمودية هى مثال موت المسيح ودفنه وقيامته .
فكما ان المسيح مات مرة واحدة مقدما ذاته كفارة ابدية
( رو6: 4-6 ، كو 2: 12 ، عب 6: 4، 7:24 ، 9: 12، 10:
10) ، وكما انه وضع للناس ان يموتوا مرة واحدة ( عب 9:
27) هكذا لا يجوز ان تعاد المعمودية مرة ثانية .
ولذلك يقول آباء الكنيسة عن سر المعمودية ((
انه ختم لا يمحى وختم لا ينكسر ))
(
اوامر الرسل ك3 فصل 16 ) ((
وانه ختم الله ، وكما خلق الانسان الاول على صورة الله
ومثاله هكذا الذى يتبع الروح القدس يختم منه ويأخذ
صورة الخالق ))
(
ايرونيموس على رسالة أفسس 1: 13) ويقول القديس
اوغسطينوس ((
أن السمة السيدية لا تمحى البتة عن الذين نقتبلهم ولا
نعمدهم ثانية ))
(
رسالة 185 الى بونيفاتيوس فصل 13) ويقول ترتوليانوس
(( لا يجوز
أن تعاد المعمودية ))
(
فى العفة ) ويقول القديس يوحنا ذهبى الفم ((
قد دفنا معه بالمعمودية للموت ، وكما انه غير ممكن ان
يصلب المسيح مرة ثانية ، هكذا لا يقدر من قد اعتمد مرة
أن يقبل معمودية ثانية ))
(
مقالة 11: 3 على رسالة العبرانين ) . ويقول القديس
افرآم السريانى ((
ان الرب اوصى تلاميذه ان ينقوا بمياه المعمودية خطايا
الطبيعة البشرية مرة واحدة ))
( كتاب الايمان 4: 9 ) .
الفصل الثامن
- معمودية الدم او الشهادة
ومن الواجب ان نبين هنا ان الكنيسة تعتبر معمودية اخرى
تسميها ((
معمودية فوق العادة ))
او ((
معمودية الدم والشهادة ))
.
وتقصد بها الذين يقدمون انفسهم للشهادة على اسم المسيح
قبل أن يقتبلوا معمودية الماء ، وذلك بناء على قول
الرب نفسه (( كل من يعترف بى
قدام الناس اعترف انا ايضا به قدام أبى فى السموات
)) ( مت 10:
32) ((
وان من اراد ان يخلص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من اجلى يجدها ))
(
مت 16: 25) (( طوبى للمطرودين من
اجل البر لان لهم ملكوت السموات ))
(
5: 10) ((
قد غفرت خطاياها الكثيرة لانها أحبت كثيرا ))
(
لو 7: 47) (( الذى يحبنى يحبه
أبى وأنا أحبه وأظهر له ذاتى ))
(
يو 14: 21) ((
ليس لاحد حب أعظم من هذا أن يضع نفسه لأجل أحبائه .
أنتم أحبائى أن فعلتم ما أوصيكم به ))
(
يو 15: 13 و14) . وبهذه المعمودية التى نحن بصددها قد
اعتمد جمهور كثير من الشهداء الذين قدموا ذواتهم
وسفكوا دمهم لاجل المسيح .
وقد اعتبر آباء الكنيسة هذه المعمودية اعتبارا كثيرا .
فقد قال القديس كبريانوس : ((
لا يجهل احد أن الموعظين بعد استشهادهم لا يكونون غير
معمدين ، لأنهم اصطبغوا اعظم صبغة واشرفها ، أى صبغة
الدم التى تكلم عنها المخلص . والرب يؤكد أيضا أن
المعتمدين بدمهم والمقدسين بالتعذيبات يضحون كاملين
ويأخذون نعمة الموعد الالهى ))
.
وقال القديس كيرلس الاورشليمى : ((
من لايقبل المعمودية فى خلاص له . ما عدا الشهداء
وحدهم الذين بدون الماء ينالون الخلاص . لأن المخلص
لما كان يفتدى العالم كله بالصلب نخس فى جنبه فخرج منه
دم وماء ، ليعتمد البعض بالماء فى اوقات السلام ،
والبعض الآخر بدمهم فى أوقات الاضطهادات . ان المخلص
نفسه دعا الشهادة صبغة بقوله ((
هل تستطيعان أن تشربا الكأس التى اشربها أنا وأن تصبغا
بالصبغة التى أصطبغ بها ))
(
عظة 3: 8 ) وقال القديس باسيليوس ((
ان بعضا نالوا الموت بالجهاد الذى عن حسن العبادة لاجل
المسيح حقيقة لا اقتداء ، ولم يحتاجوا الى شىء من
الرسوم التى من الماء لخلاصهم ، لأنهم تعمدوا بدمهم
)) ( لا
مفيلوشيوس فى الروح القدس رأس 15 ) وقال القديس
غريغوريوس الثاولوغوس ((
اننى اعرف معمودية اخرى أيضا وهى معمودية الشهادة
والدم ، المعمودية التى تعمدها مخلصنا نفسه . هذه
المعمودية هى أكثر مجدا من غيرها ))
(
خطاب فى عيد الظهور ) وقال القديس اغسطينوس عن أطفال
بيت لحم ((
الطوبى لكم لأنكم بعد الولادة وقبل المحاربة قد تكللتم
بالظفر ، وانى لا ارتاب فى أن استشهادكم قد استحق لكم
اكليل عدم الموت كما لا ارتاب فى ان المعمودية مفيدة
للاطفال ))
.
الفصل التاسع
-
من له حق التعميد
ان
الرب يسوع قد جعل حق التعميد للرسل حيث قال لهم ((
اذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم الخ ))
(
مت 28: 19، مر 16: 16) وقد انتقل هذا الحق من الرسل
الى خلفائهم الاساقفة ، ومن الاساقفة الى القسوس اى ان
الذين لهم حق التعميد هم الاساقفة والقسوس لا غير مع
خدمة الشماس معهم . وقد نصت القوانين الرسولية هكذا
(( اننا لا
نسمح بحق التعميد لاحد من الاكليروسيين مثل القارئين
والمرتلين والبوابين والخدمة ، الا للاساقفة والقسوس
وحدهم ، الذين يخدم معهم الشمامسة )) وقد أثبت ذلك
جميع آباء الكنيسة . قال القديس أغناطيوس الشهيد فى
رسالته الى أهل أزمير ((
لا يسمح لكم أن تعمدوا بدون أسقف ولا أن تقربوا قرابين
ولا أن تقدموا ذبيحة )) وقال العلامة
ترتوليانوس ((
ان السلطة فى تتميم المعمودية منوطة بالاسقف ثم القسوس
مع الشمامسة . ولكن ليس بدون اذن من الاسقف لشرف
الكنيسة ))
وقال القديس أبيفانيوس ((
انه حسب النظام الكنسى لا يتمم الشمامسة سرا من
الاسرار ، ولكنهم يخدمون فى خدمة الاسرار ، غير أنه
حينما تدعو الضرورة يسمح للعالمين أيضا أن يعمدوا
)) ( ضد
الهرطقات 89) وقال أيضا ((
ربنا
يسوع المسيح المعمودية من يوحنا ، بل من أمه الكلية
القداسة ))
(
ضد الهراطقة 79 ) .
واجبات المعتمدين :
الواجبات المطلوبة من المعتمديين هى :
أولا : الايمان بالرب يسوع ( مر 16: 16، أع 16:
31).
ثانيا : الاعتراف بهذا الايمان علنا وصريحا .
ثالثا : التوبة حسب قول بطرس الرسول ((
توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح
لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس . ( أع 2:
38، 3: 19) .
رابعا : بما أن ابن الله أظهر لكى ينقض أعمال ابليس
( 1يو 3: 8) لذلك يجب على المعتمد قبل كل شىء أن يجحد
الشيطان ويرفض أعماله ، ويتعهد بأن يترك كل أباطيل
العالم ويكفر بأعمال الظلمة ، لأنه رجع من ظلمات الجهل
والشر والخطية الى نور المعرفةوالقداسة والبر ، ومن
سلطان الشيطان الى الله ( أع 26: 18) . والمراد بجحد
الشيطان ترك الخطية ورفض كل أعمال ابليس ، وأتباع
المسيح والسلوك بحسب تعليمه ، والسير فى أثر خطواته .
وهذا التعليم موافق كل الموافقة لروح الكتاب الذى
ينادى هكذا ((
لينتهرك الرب يا شيطان ))
(
زك 3: 2) ((
اذهب يا شيطان ))
(
مت 4: 10) وما جاء فى سفرأعمال الرسل من أن كثيرين من
الذين آمنوا كانوا يأتون مقرين ومخبرين بأفعالهم ..
الخ ( أع 19: 18 و 19) راجع أيضا ( 1كو 10: 20، 2كو 6:
15، اف 5: 11، فى 3: 8 و13، كو 3: 5- 10) .
والكنيسة تمارس هذا الامر من عهد تأسيسها وذلك بشهادة
العلامة ترتليانوس ( فى المعمودية 20) والقديس
اكليمنضس الاسكندرى ( فى الرسومات 5: 11) وكيرلس
الاورشليمى ( عظة 1: 35) والقديس يوحنا ذهبى الفم ( فى
مقالة على رسالة أفسس ).
وقد ورد فى تاريخ موسيهم : ((
كان الاسقف والقسوس تحت أمره يعمدون مرتين فى السنة ،
أى فى الفصح والاحد الجديد بعد الفصح . فمن جهة
الطالبين يظن أنهم كانوا يغطسون بالماء كليا مع
الابتهال للثالوث الاقدس حسب أمر المخلص بعد أن يكونوا
قد تلوا ما يسمونه قانون الايمان ويرفضوا كل
خطاياهم ولا سيما الشيطان وجنوده ، وكان يرسم الصليب
على المعتمدين ويمسحونهم ويستودعونهم لله بالصلاة ووضع
الايادى وأخيرا يذيقونهم من اللبن والعسل .. كان على
البالغين أن يروضوا عقولهم بالصلاة والصوم ورياضات أخر
خشوعية . ووضع الاشابين أولا للبالغين ثم وضعوا
للاطفال أيضا ( موسهيم كتاب قرن 2 قسم 2 فصل 4 عدد 13)
.
وهذا الطقس لا يزال جاريا فى جميع الكنائس الكاثوليكية
والارثوذكسية والشيع البروتستانية . فقد جاء فى كتاب
الصلاة العامة للكنيسة الاسقفية : ((
بما أن هذا الوعد قد حصل من المسيح فينبغى لهذا الطفل
أن يعد بأمانة على يدكم ( أى الاشابين ) معشر كفلائه
الى أن يبلغ . فيتعين عليه وفاء ذلك بأن يرفض الشيطان
وجميع أعماله ويؤمن بكلمة الله المقدسة راسخا ، ويحافظ
على وصاياه مطيعا ))
ثم يسأل القسيس العراب ( الاشبين ) أبالنيابة عن هذا
ترفض الشيطان وجميع أفعاله وزخارف الدنيا ومجدها
الباطل الخ ؟ ( راجع كتاب الصلاة العامة . باب معمودية
الاطفال ) .
وظيفة الاشابين :
كانت الكنيسة تلاحظ الذين يعتمدون وتراقبهم بكل حذر
وتتلذهم أولا زمنا تحت التعليم حتى تتحقق من ثباتهم فى
الايمان ، ولما كانوا يمكثون مدة تحت الارشاد والوعظ
فقد سمتهم ((
الموعوظين
)) وكانت
الكنيسة ولا تزال تصلى لأجلهم مستمدة لهم من الرب نعمة
الاستنارة ، وعنهم قال القديس غريغوريوس الثاولوغوس فى
مقالة يوم الخمسين ((
انه لا يليق ولا يوافق للاعين الضعيفة أن تعاين الشمس
، ولا للرضع أن يتناولوا طعاما كاملا ، بل الأجدر أن
يتدرجوا قليلا الى ماهو قدام ويرتقوا الى الأمور
السامية ، فنحن بهذا الصنيع نمنح هؤلاء نورا بعد نور
مبينين لهم من الحق يقينا ))
.
ولما كان الاطفال لا يدركون ماهية الايمان ، ولا
يستطيعون اعلان ايمانهم ، ولا يفقهون معنى المعمودية ،
ولا يمكن أيضا تلمذتهم ، فلذلك رأت الكنيسة منذ القدم
أن تعمدهم على ايمان والديهم وتعهد أشابيهم ، الذين
يتكفلون بتربيتهم التربية المسيحية وتعليمهم حقائق
الايمان ، ويتعهدون بذلك أمام الكنيسة .
أما كلمة ((
أشبين
)) فانها
سريانية الاصل ومعناها الحارس أو الوصى .
وتعيين الاشابين قديم جدا ويرجع الى زمن الرسل ، فقد
ورد فى سفر الاعمال أن الرب نفسه عهد الى حنانيا تعليم
شاول وارشاده قبل عماده ( أع9 ) وبعد ذلك مكث فى دمشق
عند حنانيا مع التلاميذ أياما ( أع 9: 28) وكذلك عهد
الى بطرس الرسول تعليم كرنيليوس القائد الرومانى قواعد
الايمان وارشاده الى طريق الحياة الابدية بالمسيح يسوع
( أع 10 ) وقد قال القديس ديوناسيوس الاريوباغى تلميذ
بولس الرسول عن هذه العادة : (( ان هذا الامر افتكر
به معلمونا الالهيون ( الرسل ) ورأوه موافقا أن يقبل
الاطفال على هذا الوجه الشريف أعنى أن يسلم الوالدان
الطبيعيان ولدهم لمرب صالح وأن يبقى الولد فيما بعد
تحت ادارته كأنه تحت عنايه أب الهى وكفيل لخلاص مقدس ،
فمتمم السر يرفعه وهو معترف الى الحياة المقدسة طالبا
رفض الشيطان والاقرار الشريف ))
(
فى رئاسة الكهنوت 7: 11) وقال القديس يوحنا ذهبى الفم
(( وان كان
المعمدون أطفالا أو طرشا لا يستطيعون استماع التعليم
فليجاوب أشابينهم عنهم ، وهكذا يعمدون حسب العادة (
على مز 14) وقال القديس أغسطينوس ((
اننا نؤمن ونصدق بتقوى وصواب أن ايمان الوالدين
والاشابين يفيد الاطفال، وعلى هذا الايمان يعمدون
)) ( فى
السلطة الذاتية 23: 67 ورسالة 193: 3) .
|