|
ثالثا : لأن كل سر من الأسرار يفعل فى الشخص الذى يقبله،
ولكن سر الشكر فضلا عن كونه اكثر سموا عن الادراك
واكثر خلاصا بين الأسرار ، فهو أيضا ذبيحة تقدم لله
كفارة عن الجميع احياءا وامواتا .
أسماء السر
:
وقد سمى هذا
السر منذ القديم بأسماء متعددة فدعى ((
سر الشكر))
و((
العشاء الربانى ))
و((
العشاء السرى ))
و((
العشاء الالهى ))
و((
مائدة الرب ))
و((
مائدة المسيح ))
و((
المائدة المقدسة ))
و((
المائدة السرية ))
و((
سر المذبح ))
و((
خبز الرب ))
و((
خبز الله ))
و((
الخبز السماوى ))
و((
الخبز الجوهرى ))
و((
جسد المسيح ))
و((
الجسد الربانى والخلاصى والمقدس ))
و((
دم المسيح ))
و((
الدم الكريم ))
وسمى أيضا ((
شركة ))
و((
اتحادا ))
و((
كأس الحياة الخلاصية ))
و((
الأسرار المقدسة ))
و((
الأسرار الالهية
)) و((
الأسرار المخوفة السموية ))
و((
الذبيحة المقدسة السرية ))
، وهكذا من الاسماء الرهيبة .
الوعد بهذا
السر المقدس
:
قد
شاء مخلصنا له المجد أن يهيىء الناس لقبول هذا السر
السامى قبل تأسيسه بزمن ، فوعدهم به وأوضح لهم طبيعته
وضرورته وقوته . وقد أنبانا بذلك القديس يوحنا
الانجيلى فى الاصحاح السادس بعد ما صنع الرب معجزة
اشباع الخمسة الآف رجل من خمسة ارغفة وسمكتين . فلما
رأى الناس الآية التى صنعها يسوع قالوا ان هذا هو
بالحقيقة النبى الآتى الى العالم . وأما يسوع فاذ علم
أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكا انصرف
أيضا الى الجبل وحده . ولما تبعه الناس وأتوا اليه
اراد أن يجذب أفكارهم فوعدهم بتأسيس هذا السر المقدس ،
وأخذ ينقل افكارهم من القوت الجسدى الى القوت الروحى
غير الفاسد ، فقال لهم : ((
أنتم تطلبوننى ليس لانكم رأيتم آيات بل لانكم أكلتم من
الخبز فشبعتم . اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام
الباقى للحياة الابدية الذى يعطيكم ابن الانسان ، لان
هذا الله الآب قد ختمه ))
ولما قالوا له ((
آباؤنا أكلوا المن فى البرية كما هو مكتوب انه أعطاهم
خبزا من السماء ليأكلوا ))
قال لهم يسوع ((
الحق أقول لكم ليس موسى أعطاكم الخبز من السماء بل أبى
يعطيكم الخبز الحقيقى من السماء . لأن خبز الله هو
النازل من السماء الواهب حياة العالم . فقالوا له يا
سيد اعطنا فى كل حين هذا الخبز . فقال لهم يسوع أنا هو
خبز الحياة . من يقبل الى فلا يجوع ومن يؤمن بى فلا
يعطش أبدا ))
ولما تذمروا من كلامه قال لهم ((
آباؤكم أكلوا المن فى البرية وماتوا . هذا هو الخبز
النازل من السماء ، لكى يأكل منه الانسان ولا يموت ..
أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء ان أكل أحد من
هذا الخبز يحيا الى الابد ، والخبز الذى أنا اعطى هو
جسدى الذى ابذله من أجل حياة العالم ))
. ولما خاصم اليهود بعضهم بعضا قائلين كيف يقدر هذا أن
يعطينا جسده لنأكل عاد فأكد لهم كلامه قائلا : ((
الحق اقول لكم ان لم تأكلوا جسد ابن الانسان وتشربوا
دمه فليس لكم حياة فيكم ، من يأكل جسدى ويشرب دمى فله
حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الاخير ، لان جسدى
مأكل حق ودمى مشرب حق . من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت
فى وأنا فيه . كما أرسلنى الاب الحى وأنا حى بالاب فمن
يأكلنى فهو يحيا بى . هذا هو الخبز الذى نزل من السماء
، ليس كما اكل آباؤكم المن وماتوا . من يأكل هذا الخبز
فانه يحيا الى الابد ))
حتى أن كثيرين من تلاميذه قالوا ان هذا الكلام صعب، من
يقدر أن يسمعه . فقال لهم يسوع ((
أهذا يعثركم . فان رأيتم ابن الانسان صاعدا الى حيث
كان اولا ))
. ومن هذا الوقت رجع عنه كثيرون من تلاميذه لعدم
احتمالهم هذا الكلام . فقال المسيح لتلاميذه الاثنى
عشر العلكم أنتم ايضا تريدون أن تمضوا . فأجابه سمعان
بطرس يارب الى من نذهب . كلام الحياة الابدية عندك ،
ونحن قد آمنا وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحى .
بهذا الكلام
وبهذا الوعد قد هيأ الرب تلاميذه لقبول هذا السر ، حتى
انه عند تأسيسه وتسليمه لهم آلامه قبلوه ولم يظهر أحد
منهم أدنى اشارة للشك فى حقيقته ، ولا سألوه شيئا
بخصوصه لانهم كانوا متأهبين لقبوله .
تأسيس السر
فى ليلة آلامه :
وكما شاء
الرب أن يهيىء تلاميذه لقبول هذا السر ، هكذا سر
وأرتضى أن يؤسسه ويسلمه لهم فى ظروف هامة . فانه له
المجد لما قرب عيد الفصح الذى كان أعظم أعياد اليهود ،
وكان رمزا الى حمل الله الذى يرفع خطايا العالم ، وجاء
الوقت الذى فيه يقدم المسيح نفسه ذبيحة لله أبيه لاجل
خلاصنا . ففى ذلك الوقت قبل أن يقدم اليهود فصحهم بيوم
واحد أرسل الرب اثنين من تلاميذه الى أورشليم ليعدا
الفصح وفى الليلة التى فيها أسلم حضر مع تلاميذه
الاثنى عشر الى عليه صهيون وهناك غسل ارجل تلاميذه
معلما اياهم التواضع ، ثم سلمهم سر جسده ودمه الاقدسين
كما يقول القديس متى الانجيلى : ((
وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى
التلاميذ وقال خذوا كلوا هذا هو جسدى . وأخذ الكأس
وشكر وأعطاهم قائلا اشربوا منها كلكم ، لان هذا هو دمى
الذى للعهد الجديد الذى يسفك من أجل كثيرين لمغفرة
الخطايا ))
( مت 26: 26- 28) وقد كتب بولس الرسول قائلا : ((
لاننى تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا أن الرب يسوع فى
الليلة التى أسلم فيها أخذ خبزا وشكر فكسر وقال خذوا
كلوا هذا هو جسدى المكسور لاجلكم . اصنعوا هذا لذكرى .
كذلك الكأس أيضا بعد ما تعشوا قائلا هذه الكأس هى
العهد الجديد بدمى اصنعوا هذا كلما شربتم لذكرى ،
فانكم كلما اكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون
بموت الرب الى أن يجىء . اذن أى من أكل هذا الخبز أو
شرب كأس الرب بدون استحقاق يكون مجرما فى جسد الرب
ودمه . ولكن ليمتحن الانسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز
ويشرب من الكأس لان الذى يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل
ويشرب دينونة لنفسه من غير مميز جسد الرب . من أجل هذا
فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون ))
( 1كو 11: 23- 30) .
الفصل الثانى -
ايمان
الكنيسة الأرثوذكسية فى هذا السر
اننا نؤمن
أنه بعد تقديس سر الشكر واستدعاء حلول الروح القدس على
القرابين يستحيل الخبز والخمر استحالة سرية الى جسد
المسيح ودمه الأقدسين . حتى أن الخبز والخمر اللذين
ننظرهما على المائدة ليسا خبزا وخمرا بسيطين بل هما
جسد الرب ذاته ودمه تحت شكلى الخبز والخمر . ونؤمن أن
ربنا يسوع المسيح حاضر فى هذه الخدمه لا بوجه الرمز أو
الاشارة أو الرسم أو الصورة أو المجاز. ولا بأنه مستتر
فى الخبز بل هو حاضر حضورا فعليا . وهذا الايمان هو
ايمان الكنيسة كلها شرقا وغربا منذ ابتدائها . لأن
الرسل الأطهار تسلموا هذا الايمان وسلموه لجميع
المؤمنين فى كل المسكونة . وظل هذا السر يمارس فى جميع
الكنائس على هذا الايمان الى الآن والى الأبد .
الذين أنكروا
حقيقة هذا السر
:
وحتى القرن
الثامن لم يقم من يقاوم حقيقة هذا السر الأقدس ، مع
أنه قام كثيرون من الهراطقة وقاوموا أكثر التعاليم
اللاهوتية . ولكن فى القرن التاسع قام يوحنا أريجانا
الايرلندى وابتدع بدعة بأن هذا السر لا يحوى جسد
المسيح ودمه حقيقة ، زاعما أن الافخارستيا ليست الا
صورة يسوع المسيح . وفى هذه الهراطقة عينها وقع
برنغاريوس رئيس مدرسة تورس بفرنسا فى القرن الحادى عشر
آخذا هذا التعليم من كتاب أريجانا المذكور . وفى القرن
الثانى عشر كان البطروبروسيون ( تلاميذ بطرس دى بريز
بفرنسا) واتباع هنريكوس الايطالى يعلمون هذه الضلالة
أيضا قائلين ان سر الشكر ليس الا اشارة محضة الى جسد
المسيح ودمه. وفى هذا الضلال وقع ايضا الهراطقة
المعروفين باسم الالبيجنسيين فى القرن الثالث عشر . ثم
نشر هذه المزاعم أخيرا يوحنا ويكلف الانجليزى وزوينكل
وكلفن وتلاميذهم الذين ينكرون حضور الرب يسوع فى هذا
السر، ويعلمون أن الخبز والخمر يلبثان بعد التقديس
خبزا بسيطا وخمرا بسيطة ، وليسا هما سوى اشارة وصورة
ورمزا ومثالا ومجازا لجسد المسيح ودمه .
أما أتباع
لوثيروس فانهم يخالفون تلك الآراء ويعتقدون بحقيقة
حضور الرب يسوع المسيح فى سر الشكر، غير انهم يزعمون
أن حضوره انما هو بواسطة دخوله فى الخبز والخمر اللذين
يلبثان غير متغيرين ولا مستحيلين . وفى ذلك قال
لوثيروس: ((
أو جسد المسيح هو فى الخبز مع الخبز تحت الخبز ))
ولكن الكنيسة الأرثوذكسية تنكر وترفض كل هذه الآراء
والمزاعم من أسسها .
الفصل الثالث
- اثبات صحة الحقيقة الأرثوذكسية فى هذا السر
ان الكنيسة
الأرثوذكسية قبلت هذا السر وما زالت تقبله مفسره كلام
المسيح على حقيقته تفسيرا حرفيا . ومن الادلة الاتية
يتضح لك صحة هذا الايمان وخطأ الذين يزعمون بأن هذا
الكلام رمز أو مجاز:
أولا :
ان كلام المسيح له المجد فى هذا السر يتضمن ثلاث قضايا
أساسية ايجابية وهى : الشهادة ، والميثاق ، فالشهادة
الصحيحة فى سائر الأحكام الشرعية محكوم بها على حسب
نطقها الصريح . ولا يدخلها المجاز ولا تقبل التأويل .
وبمقتضاها يتبرر الانسان أو يحكم عليه . واذا دخلها
شىء من المجاز أو التأويل أو لم تكن متوفرة الشروط
المعتبرة فانها ترفض ولا يحكم بموجبها . وكما قال
القديس يوحنا الرسول : ((
ان كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله أعظم ))
( 1يو 5: 9) فالسيد المسيح شهد لجسده بأنه مأكل حق
ولدمه بأنه مشرب حق . ونظير هذه الشهادة شهد لأبيه
قائلا ((
كلامك هو حق))
وشهد الآب لابنه قائلا ((
هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت ))
فمن ذا الذى يتجاسر وينكر شهادة المسيح . فاذا كانت
شهادة المسيح لجسده مجازية تكون شهادة الآب لابنه
مجازيه أيضا ، وهذا كفر لا يقول به أحد من المسيحيين .
أما الميثاق
فهو عبارة عن عقد معاهدة بين اثنين فصاعدا . وحكمه
كحكم الشهادة بالتمام . لأن المواثيق يحكم بمقتضاها فى
سائر الأحوال الشرعية على حسب شروط المتعاقدين ويستحيل
ادخال أقوال فى شروطها من قبيل المجاز أو أى قول يقبل
التأويل . والشرط الذى يوجد فيه شىء من ذلك يرفض ولا
يصح أن يكون ميثاقا ، لأن ذلك يوجب وقوع الاشكال
والتنازع بين المتعاقدين ، وفى هذه الحالة يؤول كل من
المتعاقدين الكلام بحسب غرضه فيتعذر صحة الحكم . وان
لم تكن المواثيق متوفرة الشروط المعتبرة فانها لا
تعتبر وتكون ملغاة لا عمل لها . وبحسب هذه القاعدة نرى
المخلص له المجد فى كلمات العهد الجديد قرر ميثاقا
ابديا عاقدنا به بقوله ((
من لم يأكل جسدى ويشرب دمى فليس له حياة أبدية ))
ونظير ذلك قرر أن ((
من لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يعاين ملكوت
الله )) ((
ومن لم يؤمن يدن ))
فاذا كان ميثاق السيد المسيح عن جسده مجازا تكون كل
عهوده ومواثيقه مجازية لا حقيقة فيها . وهذا ضلال
كبير.
أما الأمر
فشرطه أن يكون صريحا ، خاليا من كل ابهام ، غير قابل
للتأويل والمجاز ، لأنه لو قبل ذلك لتوقف عمله ،
والأوامر منزهة عن التأويلات . ((
فالسيد المسيح له المجد أمر تلاميذه قائلا : خذوا هذا
هو جسدى وهذا هو دمى ))
فمن يقدر أن يغير كلامه أو يدخل كلامه أو يدخل فيه
نوعا من المجاز ويقول انه شبه جسده أو رسم جسده أو رمز
الى جسده . واذا كانت الأوامر الملكية تقبل كنصها
الظاهرة ولا يدخلها التأويل والمجاز فكيف يجوز للانسان
أن يؤول أوامر الله ويحولها من الحقيقة الى المجاز.
فلو صح ذلك لأصبحت كل أوامره قابله للتأويل ، وبالتالى
أمكننا أن نفسر كل شىء حسب غرضنا ، وليس من يقول بذلك
.
ولنرجع الآن
الى تلك الأوقات والظروف التى فيها وعد السيد بهذا
السر، وظروف تأسيسه ، لنرى هل كان كلام السيد مجازا أم
حقيقة .
أولا :
ان اليهود أنفسهم الذين خاطبهم السيد بتلك الأقوال
قد فهموها فهما حرفيا لا رمزيا ولا مجازيا . لأنهم
عندما سمعوه يقول : ((
أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء . أن أكل أحد من
هذا الخبز يحيا الى الأبد . والخبز الذى أنا أعطى هو
جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم ))
( يو6: 51) ابتدأوا يتخاصمون ويتساءلون فيما بينهم
لعدم امكانهم فهمه . وقالوا ــ كما يقول المعترضون
اليوم ــ كيف يستطيع هذا أن يعطينا جسده لنأكله . فلو
لم يفهموا كلام السيد فهما حرفيا لما كان محل لهذا
الاعتراض ، ولا وجد داع لهذا الخصام .
ثانيا :
ان الرب يسوع كان من عادته متى تكلم عن أمر ورأى
أن اليهود قد فهموه على غير المقصود ، يبادر له المجد
ويوضح لهم المعنى الحقيقى ويرفع من أمامهم كل ابهام (
راجع يو2: 3- 5، 4: 32 ، 8: 21- 40، 11، 16: 18، مت
16: 6، 19: 34) فلو رأى الرب أن اليهود أخطأوا فى فهم
كلامه وقصده لأوضح لهم ذلك وأبان لهم أنه يتكلم مجازيا
ورمزيا . ولكنا نرى الأمر بالعكس فانه أخذ يردف كلامه
بالأقوال المتكررة المشددة ، ويزيد الكلام قوة وايضاحا
للمعنى الحرفى قائلا : ((
الحق الحق أقول لكم أن لم تأكلوا جسد ابن الانسان
وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم . من يأكل جسدى ويشرب
دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير. لأن
جسدى مأكل حق ودمى مشرب حق ))
( يو6: 53- 55) فنلاحظ هنا
:
+ انه بدأ كلامه
بقوله ((
الحق الحق ))
التى كان معتادا أن يبدأ بها عندما يقصد
ايضاح حقيقة من الحقائق وزيادة تأكيدها .
+ انه يفرض الشركة
فى جسده وفى دمه أمرا ضروريا للحصول على الحياة
الأبدية بقوله ((
ان لم تأكلوا .. فليس لكم حياة فيكم.. من يأكل جسدى
ويشرب دمى فله حياة أبدية ))
.
+ ان كلمة((
حق))
فى قوله((
جسدى مأكل حق ودمى مشرب حق))
تشهد
بأن موضوع التأكيد فى كلامه غير قابل للتغيير الى آخر
غير معنى الجسد
.
ثالثا :
ان تلاميذ المسيح قد فهموا هذا المعنى الحرفى ولذا
ضاق فكرهم يستطيعوا فهمه . فطفق كثيرون منهم يتذمرون
قائلين : ((
ان هذا الكلام صعب من يقدر أن يسمعه ))
( يو6: 60) ولذلك أخذ المسيح يقنعهم بامكان شركتهم فى
جسده ودمه مؤيدا كلامه بآية أخرى وهى صعود الى السماء
حيث كان أولا . وكان يأتى بهذا البرهان كلما اقتضى
الحال اقامة برهان يدل على اقتداره .
رابعا :
ان كثيرين من تلاميذه رجعوا عنه لأنهم لم يقدروا
أن يفهموا كلامه واستصعبوا الأمر، فلو لم يكن المسيح
يقصد جسده الحقيقى ودمه الحقيقى بل يقصد الرمز الى
جسده ــ كما يتوهم البعض الآن ــ لكان فسر لهم ذلك ولم
يدع هؤلاء التلاميذ ينفصلون عنه ، وهو الذى يريد أن
جميع الناس يخلصون والى معرفة الحق يقبلون .
خامسا :
ان السيد المسيح سلم هذا السر الأقدس فى ليلة
آلامه الى تلاميذه وأخصائه وأصفيائه الذين قال لهم
أنتم أصدقائى ، ونطق بكلامه فى برهة لم يكن يتكلم فيها
بأمثال وألغاز ورموز ومجازات ، بل تكلم صريحا وعلنا
لأنها الساعة الاخيرة من حياته. ومن المعلوم أن
الانسان فى مثل هذه الساعة يفتح قلبه لأصدقائه ويبين
لهم ما يريده بكل ايضاح لا بألغاز ولا بمجاز . فهل
يليق بالمسيح أن يأتى فى مثل هذه الظروف التى لا تسمح
للانسان الا بأن يوضح كلامه بكل صراحة ، ويستعمل
المجاز والرمز ؟
سادسا :
ان جميع الآباء الكنيسة شرقا وغربا قد فهموا هذا
الكلام وقبلوه بمعناه الحرفى . وكذلك فسرته المجامع .
فلو فرضنا فرضا مستحيلا بأن السيد المسيح قصد بكلامه
المعنى الرمزى لا المعنى الحرفى . فهل ياترى خدع
المسيح تلاميذه الذين فهموا الكلام حرفيا ، والتلاميذ
خدعوا الكنيسة كلها التى فهمت هذا الفهم عينه ؟ ومن
يتجاسر ويقول ذلك ؟ ومن يستطيع أن يغير الكلام الذى
يقوله الله ؟ . قال الرسول ((
فماذا ان كان قوم لم يكونوا أمناء. أفلعل عدم أمانتهم
يبطل أمانه الله . حاشا . بل ليكن الله صادقا وكل
انسان كاذبا ))
( رو3: 3 و4) .
سابعا :
ان عبارة ((
أكل اللحم ))
فى الكتاب المقدس اذا وردت بمعنى رمزى فانها تدل على
الوقيعة والسعاية والمذمة وعمل البشر ( راجع مز26: 2 ،
أى 19: 22، مى 3: 3، غل 5: 15) ولا تدل فى الكتاب على
غير هذا المعنى فمن هذا أراد أن يفسر كلام المسيح عن
أكل جسده بهذا المعنى الرمزى يسقط فى أشنع تفسير.
ثامنا :
ان قرائن الاحوال تدحض رأى المعترضين الذين يفسرون
كلمة ((
أكل الجسد ))
بمعنى الاتحاد والاشتراك الروحى مع المسيح وبالتالى
الايمان به . اذ يرد عليهم بأن المسيح كان يتكلم وقتئذ
مع سامعيه ، ويعدهم بطعام جديد لم يذقوه الى ذلك الوقت
، وأنه مزمع أن يعطيه لهم فى المستقبل ((
الخبز الذى أنا أعطى هو جسدى ))
فلو كان يشير الى الايمان به لا الى جسده لوجب أن نصدق
أن جميع تلاميذه الى ذلك الحين لم يكونوا قد آمنوا به
، على أن ظروف الاحوال ونفس الكلمات التى كررها المسيح
تنفى هذا الزعم الباطل .
تاسعا :
اذا التفتنا الى كلام الانجيليين نجد فيه الادلة
القوية التى تزيل كل ريب ، حيث أن القديسين متى ومرقس
ولوقا يوضحون المعنى بكلام صريح العبارة ، لا رمز ولا
مجاز فيه ، وبولس الرسول الذى لم يكن حاضرا هذا السر
وتسلمه فيما بعد يقول لاهل كورنثوس : ((
أقول كما للحكماء . احكموا أنتم فى ما أقول. كأس
البركة التى نباركها . أليست هى شركة دم المسيح .
الخبز الذى نكسره .أليس هو شركة جسد ))
(1كو 10: 15 و16).
فمن هذا الكلام
يتضح :
1- اننا نشترك فى
جسد المسيح ودمه بواسطة اشتراكنا فى الخبزوفى الكأس .
2- ان الذى نشترك
فيه هو جسد الرب ذاته لان من يتناوله بدون استحقاق يكون
مجرما فى جسد الرب . فاذا لم يكن هو جسد الرب ذاته
فكيف يكون انسان مجرما فيه ؟ هل يعطينا الله حجرا ويطالبنا
بجوهرة ؟ وهل يعطينا خبزا بسيطا ــ كما يقول المعترض ــ
ويطالبنا بجسده ؟ لذلك تهدد الرسل الذين يتناولونه
بدون استحقاق
قائلا : ((
لان الذى يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب
دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب ))
. وأخيرا أتى السول
بالادلة المحسوسة على أن الذين يقتربون من تلك الاسرار بدون
استحقاق يقعون فى الامراض وفى الموت بقوله((
من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون
لأننا لو كنا
حكمنا على أنفسنا لما حكم علينا))
(1كو1: 29و30)
وقد أخبرنا القديسان كبريانوس ويوحنا ذهبى الفم فى
أيامهما أن بعضا من الذين أكلوا ذبائح الاوثان ثم
تقدموا الى الافخارستيا اغتالتهم يد النقمة الالهية .
فمنهم من بلى بالخرس . ومنهم من أكل لسانه . ومنهم من
كان يعذب بعذاب شديد ، الى غير ذلك من البلايا التى
حلت عليهم .
الفصل الرابع -
اقوال آباء الكنيسة والمجامع وايمانهم بهذا السر
ذكرنا فى صحيفة 68 ان جميع آباء الكنيسة شرقا وغربا قد
فهموا كلام المسيح فهما حرفيا . وآمنوا ايمانا وثيقا
بحقيقة حضور الرب فى سر الشكر واستحالة الخبز والخمر
بعد التقديس الى جسد الرب ودمه . ونكتفى هنا بايراد
أقوال واعترافات أشهر آباء الكنيسة :
قال القديس
اغناطيوس عن الهراطقة : ((
انهم يبتعدون عن الافخارستيا والصلاة لعدم اعترافهم
بأن الافخارستيا هى جسد مخلصنا يسوع المسيح الذى تألم
لاجلنا والذى أقامه الاب بصلاحه ))
( رسالة الى أهل أزمير 7) .
وقال القديس
يوستينوس الفيلسوف الشهيد : ((
لاننا لا نتناولهما بمثابة خبز عادى ، لكن كما أنه
بكلمة الله لما تجسد يسوع المسيح مخلصنا قد اتخذ لاجل
خلاصنا لحما ودما ، هكذا تعلمنا أن الغذاء الذى شكر
عليه بدعاء كلامه وبه يغتذى لحمنا ودمنا بحسب
الاستحالة هو لحم ودم ذلك المتجسد ))
( احتجاج 1: 16) .
وقال القديس
ايريناوس عن الهراطقة : ((
كيف يستطيعون أن يدركوا أن الخبز الذى عليه تم الشكر
هو جسد الرب ، وأن هذه الكأس هى كأس دمه ، ما لم
يفهموا أنه هو ابن صانع العالم ))
( ضد الهراطقة 4: 18 ، 4و5) وقال ايضا : ((
لو كانوا يتناولون الكأس وهى ممزوجة بالماء ويتناولون
الخبز وهو معد ككلمة الله ذاته ، ولو كانت لهم هكذا
شركة الخبز والخمر سر شكر جسد المسيح ودمه اللذين
يغذيان ويثبتان وجود جسدنا ، فكيف يستطيعون أن يقولوا
ان هذا الجسد الذى يغتذى من جسد المسيح ودمه لا يشترك
بموهبة الله الذى هو الحياة الابدية ))
( ضد الهراطقة 5: 2، 4: 17 : 5 ،23: 2).
وقال القديس
كيرلس الاورشليمى : ((
لكونه هو نفسه تكلم وقال عن الخبز هذا جسدى فمن يجسر
بعد ذلك أن يرتاب ، ولكونه هو نفسه ثبت وقال هذا هو
دمى فمن يتوهم أو يقول أنه ليس دمه ؟ لان الذى حول
وقتا من الماء الى خمر فى قانا الجليل باشارته ، أفليس
مصدقا اذا قال انه حول الخمر الى دم ؟ وقد دعى الى عرس
جسدى فصنع فيه تلك العجيبة الفائقة . فكيف لا نعترف له
بالاحرى بأنه منح بنى العرس التمتع بجسده ودمه ؟
فلنتناولهما أذن باليقين التام أنهما جسد المسيح ودمه
. لانه برسم الخبز يعطى لك الجسد ، وبرسم الخمر يعطى
لك الدم ، لكى بتناولك من جسد المسيح ودمه تصير متحدا
معه جسدا ودما . لاننا بهذه الحالة نصير لابسى المسيح
، أى بامتزاج جسده ودمه فى أعضائنا ، وبهذه الواسطة
نصير مشاركى الطبيعة الالهية كما يقول بطرس المغبوط .
فلا تنظر اذن الى الخبز والخمر كأنهما عاديان ، اذ هما
جسد ودم حسب القول السيدى . لانه وان كان الحس يظهرهما
لك عاديين لكن الايمان يحقق لك أنهما جسد ودم . فلا
تحكم اذن بحسب الذوق الحسى بل تحقق من الايمان وتأكد
بلا ارتياب أنك قد أهلت لجسد المسيح ودمه ))
( فى الاسرار 4: 1و2و3 ـــ 6) .
وقال القديس
يوحنا ذهبى الفم : ((
كم منكم يقول الان ليتنى كنت أرى هيئة الرب وشكله
وملابسه . أنت تنظر وتلمسه وتأكله هو نفسه ، وأنت
تشتهى أن ترى ملابسه مع أنه هو يعطيك ذاته ، لا لتراه
فقط بل لتلمسه أيضا ولتأكله ولتأخذه فى داخلك ، فلا
يتقدم أحد غافلا ولا متراخيا ، بل فلنبادر جميعنا
بحماسة وحمية ونهضة .. ويجب أن نكون من كل جهة ساهرين
، لأن القصاص المعد للمشتركين على خلاف الاستحقاق ليس
صغيرا . تفطن كم أنت تتمرمر من الذى خانه ومن الذى
صلبوه . فاحترس اذن من أن تصير أنت أيضا مجرما فى جسد
المسيح ودمه . فان أولئك قد ذبحوا الجسد الكلى قدسه ،
وأما أنت فتقتبله حينئذ بنفس دنسة بعد احسانات كثيرة
جدا . لانه لم يكتف بأن يصير انسانا ويضرب ويذبح عنا
بل أن يمزج ذاته فينا ، لا بالايمان فقط بل بالفعل
أيضا، جاعلا ايانا جسدا له أفلا ينبغى أن لا نكون أقل
نقاوة من الذى يتمتع بهذه الذبيحة . وأى شعاع شمسى يجب
أن لايكون أقل بهاء من اليد التى تقطع هذا الجسد ،
والفم الذى يمتلىء من النار الروحانية ، واللسان الذى
يصطبغ بالدم المخوف ؟ فتأمل الكرامة التى كرمتها
والمائدة التى تتمتع بها . ان الذى تنظر اليه الملائكة
وترتعد ولا تجسر أن تحدق به بلا خوف من البرق الساطع
منه ، هذا نفسه نحن نغتذى به ، وبه ننعجن وقد صرنا
جسدا واحدا للمسيح لحما ودما . من يتكلم بعظائم الرب
ويجعل تسابيحه مسموعة؟ أى راع يغذى خرافه بأعضائه .
وما لى أذكر الراعى . كثيرا ما دفعت أمهات أولادهن بعد
أوجاعهن الى مرضعات أخر. وهو لم يطق أن يفعل ذلك ، بل
شاء هو نفسه أن يغذينا بدمه ويجعلنا مرتبطين ومتحدين
بذاته بكل الوسائط ))
( تفسير متى مقالة 82: 4 و5) .
وقال القديس
أمبروسيوس : ((
هذا الجسد الذى نقدمه فى سر الشكر قد جاء من البتول .
ولماذا تبحثون هنا وتطلبون العمل الطبيعى والموضوع هو
جسد يسوع المسيح . أفلم يولد الرب نفسه من البتول
بحال تفوق الطبيعة . هذه هى بشرة يسوع المسيح المصلوبة
والمفونة . فهذا هو اذن سر الجسد بعينه بكل الحقيقة
)) ( فى
الاسرار 9: 53 ، 8: 37 و48) كأنه يقول كيف آمنتم بسر
تجسده الفائق الطبيعة ثم تحاولون وضع سر الشكر تحت
البحث العقلى فقط مجردا من الايمان .
والخلاصة أن
هذا الايمان هو ايمان جميع الاباء فى كل عصر منذ نشأت
الكنيسة حتى الان ، وتجد هذا التعليم فى مؤلفات القديس
اكليمنضس الاسكندرى ( كتاب المربى 1: 61 ، 11: 5)
والعلامة ترتوليانوس فى ( كتابة ضد مركيون 5: 8)
وديوناسيوس الاسكندرى فى ( مجمع القوانين ) والقديس
باسيليوس فى ( رسالته 93) والقديس ابيفانيوس والقديس
كيرلس الاسكندرى فى ( تفسير يوحنا 20: 37 وضد نستور 4:
5: 6) وغيرهم من الاباء .
وكذلك ترى
هذا التعليم واضحا فى اقرار المجامع فقد ورد فى قرارات
المجمع المسكونى الاول ((
لا ينبغى أن ننظر على المائدة المقدسة الى الخبز
والكأس كأنهما مقدمان على بسيط الحال، بل يجب أن نرفع
الروح فوق الحواس . ونتفهم بالايمان أن حمل الله
الرافع خطية العالم يستريح ههنا مذبوحا من الكهنة ،
وأنهم يتناولون جسد الرب نفسه ودمه الكريم نفسه اللذين
نؤمن بأنهما رسوم لقيامتنا ))
.
وقد ثبت
المجمع الثالث المسكونى رسالة القديس كيرلس بطريرك
الاسكندرية الى نسطور ، وهذه الرسالة كتبت من قبل مجمع
اسكندرية المكانى وجاء فى نصها هذه العبارة وهى ((
أننا ننادى بأن ابن الله الوحيد ربنا يسوع المسيح مات
بالجسد ، ونقر بقيامته وبصعوده الى السموات ، فنتمم فى
الكنائس الذبيحة الغير الدموية ، وهكذا نقترب من
الاسرار المباركة ونتقدس اذ نشارك جسد يسوع المسيح
مخلصنا المقدس ودمه الكريم .. لكن لا ينبغى أن ننظر
الى جسده كما الى جسد انسان يماثلنا من كل الوجوه فى
أهوائنا ، بل يجب أن نوقن أنه بالحقيقة جسد الذى قد
صار وسمى لاجلنا ابن الانسان نفسه ))
( مجمع أفسس جلسة 1 وكيرلس الاسكندرى جزء 5 قسم 2) .
تمسك مارتين
لوثر واعتقاده بهذا السر
:
ومما يجب
ذكره هنا أن مارتن لوثر زعيم البروتستانت عندما
كان يجادله أصحابه جدالا عنيفا فى هذا السر ، لم يخرج
عن الاعتقاد الصحيح ولم
يتحول عن فكره ، بل كان يقرر
قول الرب
((
هذا هو جسدى ))
ويكتبها فى المحضر بخطه أمام الجميع ، رافضا كل فلسفة
بشرية ، ويقول ((
انى اصرح بأنى اختلف عن خصومى فى تعليم عشية الرب ،
وأنى أختلف دائما عنهم فان المسيح قد قال هذا هو جسدى
، فليبينوا لى أن الجسد ليس هو جسده . وانى أرفض العق
والعرف والاحتجاجات اللحمية والبراهين التعليمية فان
الله أعلى من الهندسيات . عندنا كلام الله فيجب علينا
أن نكمله ونحترمه ))
( راجع تاريخ الاصلاح للعلامة ميرل روبينياه جزء 2
صحيفة 382) .
الفصل الخامس
-
كيفية حضور الرب فى هذا السر ومعنى الاستحالة
مما تقدم
يتضح جليا أن التقدمة المقدسة لا تبقى بعد البركة خبزا
بسيطا ولا خمرا بسيطا بل يتناولهما المؤمنون بأنهما
جسد المسيح نفسخ حسب قوله الطاهر . وذلك يتم باستحالة
سرية لا تدرك بالحواس ويتضح ذلك مما يأتى :
أولا :
من عبارات الكتاب الالهى التى أوردناها سابقا ،
فان الرب جل ذكره لما وعد بهذا السر قال ((
أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء . أن أكل أحد من
هذا يحيا الى الأبد . والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى
الذى أبذله من أجل حياة العالم ))
( يو 6: 51) وحين سلم تلاميذه هذا السر قال ((
كأس البركة التى نباركها أليست هى شركة دم المسيح
الخبز الذى نكسره أليس هو شركة جسد المسيح ))
( 1كو 10: 16) وقال ((
اذن أى من أكل هذا الخبز أو شرب كأس الرب بدون استحقاق
يكون مجرما فى جسد الرب ودمه . ولكن ليمتحن الانسان
نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس . لأن الذى
يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير
مميز جسد الرب ))
( 1كو 11: 27- 29) . والحقيقة هنا واضحة من كل هذه
النصوص وهى أن الرب والرسول يسميان الخبز جسد المسيح ،
والخمر دم المسيح بأصرح عبارة . ولم يقل الكتاب أن جسد
المسيح يكون فى الخبز ، أو مع الخبز ، أو تحت الخبز .
ولم يقل السيد أن الخبز الذى أعطيه يكون فيه جسدى ، بل
قال ((
الخبز الذى أنا أعطى هو جسدى ))
.
ثانيا :
اذا راجعنا جميع كتب القداسات المستعملة فى كل
الكنائس شرقا وغربا ، وهى قديمة جدا . نجدها كلها
متفقة فى تضرعاتها على هذه الكلمات ((
ليحل روحك القدوس على هذه القرابين الموضوعة ويطهرها
وينقلها ويظهرها قدسك لقديسيك . وهذا الخبز يجعله جسدا
مقدسا له ، وهذه الكأس أيضا دما كريما للعهد الجديد
الذى له .. الخ ))
وهذا يدل على ايمان الكنيسة الجامعة الذى لم يتغير منذ
القديم حتى الآن .
ثالثا :
مما ورد فى أقوال الآباء التى سبق ذكرها حيث وردت
فيها كلمات ((
ينتقلان ، يتغيران ، يستحيلان ))
كما قال القديس غريغوريوس ((
اننى أعتقد وأقر بالحقيقة أن الخبز يستحيل اليوم أيضا
اذ يتقدس بالكلمة الالهية الى جسد الاله الكلمة ))
( تعليمه فصل 37) وقال القديس أمبروسيوس ((
كلما تناولنا القرابين المقدسة التى تتحول سريا
بالطلبة المقدسة الى جسد المسيح ودمه نخبر بموت الرب
)) ( فى
الايمان 4: 10: 124) وقال القديس افرآم السريانى
(( انكم
تشتركون فى جسد الرب الكلى قدسه بايمان كامل غير
مرتابين بأنكم تأكلون الحمل كله ))
وقال فى موضع آخر ((
ان جسد الرب يتحد بجسدنا على وجه لا يلفظ به أيضا ودمه
الطاهر يصب فى شراييننا . وهو كله بصلاحه الأقصى يدخل
فينا ))
( جزء 3: 424) .
عدم انقسام
القدسات مع تفصيل اجزائها ، ووحدة السر
:
وان كان
الجسد المقدس يفصل ويقسم فى سر الشكر ، ويوزع على
المؤمنين تحت شكلى الخبز والخمر اللذين بهما يصير
الجسد والدم منظورين وملموسين ، الا أنهما كاملان
بذاتهما وغير منقسمين . ولهذا نؤمن أن كل جزء من الخبز
ومن الخمر فى هذا السر الاقدس حتى أصغر الاجزاء منها
ليس هو جزء من جسد المسيح ودمه ، بل ينال به المؤمن
جسد المسيح كله ودمه كله .
كذلك وان كان
سر الشكر يتمم فى جميع كنائس المسكونة ، فجسد المسيح
هو واحد ودمه واحد فى جميع الامكنة والازمنة ، والمسيح
حاضر فيه بذاته . لا يمكن ادراك وفهم ذلك الا بالايمان
. كما نؤمن ايضا أن الخبز والخمر بعد تقديسهما
وانتقالهما واستحالتهما سريا الى جسد الرب ودمه ،
يلبثان دائما هكذا أى أن حضور الرب فى الأسرار بعد
التقديس هو ثابت وغير منقطع فى وقت الشركة وبعده ،
خلافا للذين يزعمون أن حضور الرب محصور فى وقت اشتراك
المؤمنين بالاسرار ، وان القرابين بعد الشركة ليست سوى
خبز وخمر بسيطين .
وبما أن
الخبز والخمر فى هذا السر الأقدس هما جسد المسيح ودمه
فيجب أن تقدم لهما العبادة والسجود . قال القديس يوحنا
ذهبى الفم ((
هذا الجسد لما كان بعد فى هذا المذود خجل منه المجوس .
ورجال كفرة وبرابرة تركوا أوطانهم وبيوتهم وقطعوا
طريقا طويلة ، وأتوا بخوف وارتجاف كثير وسجدوا له .
فلنقتدين اذن بالبرابرة على الأقل نحن أبناء السموات .
لأن أولئك مع أنهم رأوه فى مذود وضمن كوخ ، ولم يروا
شيئا مما تراه أنت الآن تقدموا برعب كثير . وأما أنت
فلست تراه فى مذود بل على مذبح، ولست ترى امرأة حاملة
اياه بل كاهنا واقفل وروحا طائرة على الموضوعات ونازلا
عليها بغزارة لأنك لست تنظر الجسد وحده فقط على بسيط
الحال مثل أولئك ، لكنك تعلم أيضا قدرته وكل الدبير ،
وليس خافيا عليك شىء مما تمم به لأنك متعلم جميع
الاسرار بتدقيق ))
( مقالة على تفسير 1كو 24: 5) وقال القديس اغسطينوس
(( ما من
أحد يشارك جسد يسوع المسيح ما لم يقدر له عبادة الهية
)) ( على
مزمور 98) .
الفصل السادس
-
ادحاض الاعتراضات على هذا السر
ان بعض الفرق
المسيحية الذين لا يؤمنون بهذا السر الأقدس يعترضون
على تعليم الكنيسة فى شأنه ببعض اعتراضات نذكر هنا
أهمها مع الرد عليها وهى :
اولا:
يزعمون أن الخبز والخمر فى هذا السر ما هما الا مثال
ورمز لجسد المسيح ودمه .
ولدفع هذا
الاعتراض نقول : جاء فى كتاب القواعد السنية فى تفسير
الاسفار الالهية تأليف القس جيمس انس الامريكى
( صفحة 162) ما يأتى : ((
ان الرمز هو ما عينه الله اشارة الى أمر أعظم منه عتيد
أن يكون فى نظام ملكوته سمى المرموز اليه . وهذا الحد
يتضمن ثلاثة شروط . الأول : وجود اشارة حقيقية
فى الرمز الى المرموز اليه وهى مبنية اما على مشابهة
خارجية أو داخلية روحية . والثانى : تعيين
الرمز من قبل الله للاشارة الى المرموز اليه . وهذا
التعيين من باب الاستعداد لاظهار المرموز اليه فى حينه
. والثالث : أن المرموز اليه يكون من الامور
المتعلقة بمستقبل ملكوت الله ))
. فاذا طبقنا هذا التعريف على ما نحن بصدده ظهر الفرق
الواضح بين الرمز وبين هذا السر الذى وضعه السيد للعهد
الجديد .
قال طيب
الذكر المرحوم عريان مفتاح فى رده على هذا
الاعتراض ((
المثال والرمز لابد أن يكون بينهما وبين الممثل به
والمرموز اليه تناسب معنوى يدل على صفته التى يقصد
تمثيلها والرمز اليها ، والقياس على ذلك ذبح اسحق حين
أمر الله أباه ابراهيم بأن يقدمه له قربانا ( تك 22:
1- 18) فالتناسب المعنوى الذى بينه وبين المسيح هو أنه
كان الابن الحبيب لابيه ، ولما أراد أبوه أن يقدمه
ذبيحة أطاع أباه حتى الموت ، وحمل الحطب الذى كان
مزمعا أن يرفع عليه ، هكذا السيد المسيح فانه الابن
الحبيب الوحيد للآب ولما ير الآب أن يقدمه ذبيحة عن
خطايا العالم أطاع حتى الموت وحمل صليبه . كذلك كان
خروف الفصح الذى بلا عيب الذى كان يقدمه بنو اسرائيل
رمزا الى المسيح ، فكما أنه بواسطة ذبحه واراقة دمه
نجا بنو اسرائيل من الهلاك الزمنى ، هذكا بسفك دم
المسيح حمل الله الذى بلا عيب ، خلصنا من الهلاك
الأبدى . وقس على ذلك باقى الرموز والمثالات التى وردت
فى العهد القديم . ولكن فى أكل خبز وخمر بسيطين ــ كما
يزعم المعترض ــ لا نجد أدنى مناسبة معنوية لمثال موت
المسيح ، لا فى الصورة ولا فى الصفة ولا فى الفعل ،
خصوصا وأن الرمز يستعمل لاشياء لم تظهر فى عالم الوجود
بعد ، وبظهور المرموز اليه يبطل الرمز ، ونحن نعلم أن
بمجىء المسيح له المجد بطلت الرموز التى كانت تشير
وترمز اليه . قال بولس الرسول : ((
ان طريق الأقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الاول له
اقامة الذى هو رمز للوقت الحاضر الذى فيه تقدم قرابين
وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذى يخدم
)) ( عب 9:
8 و9) وقال ((
لأن الناموس اذ له ظل الخيرات العتيدة لا نفس صورة
الاشياء ))
( عب 10: 1) فيلزم هنا أن نقول أما ان السيد المسيح
أتى وبمجيئه أكمل الرموز التى تقدمت عنه وأبطلها
بوجوده وأن الذى قدمه السيد المسيح لتلاميذه هو حقيقة
لا رمز ، وأما أن المسيح لم يأت بعد وأن فعل الرموز هو
غيره وبذلك نكون مع اليهود منتظرين مجيئه ))
( حاشا لله ) .
ثانيا :
يزعمون أن كلام السيد المسيح عن جسده ودمه مجازى
لا حقيقى ، ويودون بعض عبارات مجازية وردت فى الكتاب
كقوله : أنا هو الباب والطريق ، وتسميته سمعان بصخرة ،
وهيرودس بثعلب ، وتسميته المعمدان للسيد بحمل ، وأن
السيد المسيح على هذا القياس قد سمى نفسه خبزا : وبناء
عليه يعتقدون بأن تعليم السيد عن هذا السر مجازى .
وندفع ذلك
بأننا سبق أن أثبتنا فى صفحة 65- 69 أن كلام المسيح عن
هذا السر حقيقى لا مجازى ونقول هنا : ان المجاز هو
استعارة اسم شىء لغيره لتناسب بعض صفاته ، والمقصود
منه تشبيه شىء بشىء لتقريب المعنى المراد المجازله ،
فمثلا يستعار النور والظلمة للنجاح والضيق والفرح
والحزن ، للمعرفة والجهالة . وينابيع المياه والامطار
والظل وندى الليل لبركات الانجيل ، وما أشبه ذلك .
والمجاز فى الكتاب المقدس نوعان : الأول : ما
يكون الغرض منه ظاهرا لسامعيه كتسمية السيد المسيح
لهيرودس بثعلب نظرا لما كان معروفا ومتصفا به من المكر
والخديعة المتصف بهما الثعلب . وتسمية يوحنا بايليا
لمشابهته له فى النسك والغيرة . وقد سبق النبى
فأخبربأنه يتقدم المسيح بروح ايليل وقوته ( ملا 3: 1،
4: 5) . واما الثانى : فهو ما يكون غامضا على
سامعيه فيلتزم المتكلم بايضاح قصده منه كقول السيد
(( أنا هو
الباب ))
الذى فسره بقوله ((
ان دخل بى أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى ))
( يو 10: 9) وقوله ((
أنا هو الطريق ))
وفسر بقوله ((
ليس أحد يأتى الى الآب الا بى ))
( يو 14: 6) وقوله ((
أنا الكرمة ))
وفسره بقوله ((
كما أن الغصن لا يقدر أن يأتى بثمر من ذاته ان لم يثبت
فى الكرمة كذلك أنتم أيضا أن لم تثبتوا فى .. بدونى لا
تقدرون أن تفعلوا شيئا ))
( يو 15: 1- 6) وكتسمية يوحنا المعمدان السيد المسيح
بحمل ثم تفسيرها بقوله ((
الذى يرفع خطية العالم ))
( يو1: 29) وتسمية المسيح سمعان ببطرس بناء على
اعترافه بأن على اعترافه بأن المسيح هو ابن الله الحى
وأن المسيح مزمع أن يؤسس كنيسته على صخرة هذا الايمان
، وتسميته تلاميذه بملح الأرض لأنهم يكونون بصفة
مصلحين لفساد العالم ، وقس على ذلك . فهذه العبارات
المجازية متضمنة معانيها ، وفيها قرائن تدل على المراد
بها ولاينطبق شىء منها على سر الافخارستيا مطلقا
فلماذا نترك معنى الكتاب الواضح ونلتف الى تأويلات
بعيدة عن الصواب ؟ قال لوثيروس : ((
ان معنى الكتاب المقدس البسيط هو أساس الايمان ،
والأمر الوحيد الذى لا يتزعزع فى وقت الضيق والامتحان
)) وقال
القس جيمس أنس الامريكى مؤلف كتاب ((
القواعد السنية فى تفسير الاسفار الالهية ))
عند كلامه عن المجاز : ((
لابد للمجاز من قرينة تدل عليه وهى اما لفظية أو
معنوية . فان انتفت القرينة حمل الكلام على الحقيقة ما
لم يعلم أو يظن أن قائله لم يعتقد ظاهره ( ص122) وقال
فى القاعدة الاولى من قواعد التفسير ((
ان معنى الكتاب البسيط الواضح هو على الغالب المعنى
الصحيح ، وفسر هذه القاعدة بأن البسيط الواضح هو
الكلام المتبادر اليه فهم الجمهور ، ويؤيد ذلك كون
الكتاب كتب للعالم أجمع ، فلابد أن معناه يطابق ظاهر
الكلام ))
( صفحة 78) وقال فى القاعدة السادسة من قواعد المجاز
(( ان
المجاز وحده ليس أساسا كافيا لتعاليم مهمة ولا يناسب
لأنه أحيانا يقود الى الضلال ))
( صفحة 145) .
ثالثا :
يقولون ان السيد المسيح قال عن هذا السر ((
اصنعوا هذا لذكرى ))
فهو اذن تذكار لجسد المسيح ودمه ، والشىء لا يكون
تذكارا لنفسه .
وندفع هذا
الاعتراض بعد أن نعرف أنواع التذكار : قسم المرحوم
عريان مفتاح التذكار الى أربعة أنواع . فقال يلزم
أن يكون التذكار بأحد أربعة أشياء . أما علينا ( أى من
عين الشىء ) كالمن الذى أمر الله موسى بحفظه فى قسط من
الذهب تذكارا للمن ( وهذا ينفى الوقل بأن الشىء لا
يكون تذكارا لنفسه لأن المن كان تذكارا لنفسه ) وأما
اثرا كالحجارة التى امر يشوع بن نون بأخذها من أرض
الاردن تذكارا لمرورهم فيه ( يش 4: 9) واما صورة
كالكروبين اللذين أمر النبى بصنعهما ووضعهما فى قبة
الشهادة تذكارا للسمائيات ( خر 25: 17- 22) واما خبرا
كما فعل موسى النبى اذ قص على بنى اسرائيل ما ورد فى
سفرى الخروج والعدد، عما صنع الله على يديه معهم ،
والوقائع التى حدثت فى خلال ذلك . واذا طبقنا تذكار
موت المسيح على احد هذه الانواع الاربعة فانه يلزم أن
يكون اما عينا أى من عين جسده ودمه . وأما اثرا أى
بالآلات التى استعملت فى آلامه وموته . وأما صورة أى
برسم هيئة الواقعة . وأما خبرا أى بخبرها الوارد فى
الاناجيل المقدسة . فالخبز والخمر اللذين سلمهما السيد
لتلاميذه ليسا تذكارا أثريا ولا صوريا ولا خبريا ،
لأنهما ليسا آلة من الآت موته ، ولا هما صورة مرسومة
على هيئته ، ولا هما مجرد حكاية تاريخية تحفظ لنا
تذكار الواقعة خبريا ، وكيف يحصل تذكار موت المسيح من
أكل خبز وشرب خمر ، اذا كانا لا يزالان على بساطتهما
ولا يتحولان الى جسده ودمه الحقيقى . فلابد اذن أن
يكون السر تذكارا من عين الشىء ، أى من عين جسده ودمه
، كما كان المن تذكارا لنفسه . وقد يكون الذكر أيضا
لما يتصوره العقل ولا تدركه الحواس ، فان الله تعالى
مثلا حاضر فى كل مكان ، ومع ذلك أن الابرار يتذكرونه
دائما ، كقول المرتل ((
ذكره الى جيل الاجيال ))
فاذن يقال بكل صواب ان هذا السر تذكار لموت المسيح
لأنه حاضر فيه بنوع سرى غير منظور ولا تدركه حواسنا
)) .
رابعا:
يزعمون أن السيد المسيح قصد بكلامه عن جسده ودمه
فى الاصحاح السادس من انجيل يوحنا الايمان به .
وندفعه بأن
قرائن الكلام وظروف الأحوال تنفى هذا الزعم ، لأن
السيد له المجد كان يعدهم بطعام لم يذوقوه بعد ، بل
وعدهم بأنه سيعطيهم اياه فى المستقبل . فلو كان كلامه
يقصد منه الايمان به لا الى جسده ودمه لوجب أن نسلم
بأن جميع الذين كانوا يسمعونه كانوا غير مؤمنين به ،
والحال أن تلاميذه سبق فآمنوا به، وأن نعمة الايمان
كانت قد أعطيت لكثيرين ولا محل للوعد بها فى المستقبل
. ومن الملاحظات الجديرة بالاعتبار أن يوحنا الانجيلى
اكتفى بما أورده عن هذا السر فى الاصحاح السادس ، ولم
يذكر تأسيسه عندما سلمه الرب لتلاميذه كما كتب باقى
الانجيليين ، وهذا دليل مقنع أن يوحنا الانجيلى يقصد
بكلامه جسد الرب ودمه لا الايمان به .
خامسا:
يزعمون
بأن كلام بولس الرسول(1كو10: 15- 22) عن كأس البركة
والخبز المقدس انها شركة جسد المسيح ، لا يترتب عليه
أن يكون الخبز والخمر جسد المسيح ودمه بل شركة فقط ،
وأن تسمية الرسول لهما خبزا وكأسا دليل على عدم
الاستحالة .
وندفع هذه
المغالطة بان الاشتراك فى الشىء هو الحصول عليه ، والا
فلا يكون المسيح اشترك فى جسدنا . لأن الرسول يقول
(( فاذ قد
تشارك الاولاد فى اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك
فيهما ))
( عب2: 14) ويقول ((
لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه ))
( أف 5: 30) ويقول ((
أليس الذين يأكلون الذبائح هم شركاء المذبح ))
( 1كو 10: 18) بل أن كلام الرسول عن الشركة لا يقبل
هذا التأويل ، لأنه يقول بصريح العبارة هكذا ((
احكموا أنتم فى ما أقول . كأس البركة التى نباركها
أليست هى شركة دم المسيح . الخبز الذى نكسره اليس هو
شركة جسد المسيح ))
( 1كو 10: 15 و16) لاسيما وأنه قال بعد ذلك ((
لأننى تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا ))
الى أن قال ((
اذن أى من أكل هذا الخبز أو شرب كأس الرب بدون استحقاق
يكون مجرما فى جسد الرب ودمه . ولكن ليمتحن الانسان
نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس . لأن الذى
يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير
مميز جسد الرب . من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى
وكثيرون يرقدون الخ ))
( 1كو 11: 23- 34) .
وأما تسمية
الرسول للجسد والدم خبزا وخمرا فذلك بناء على ظهور
السرأمام أعيننا هكذا، وبناء على ما كانا عليه قبل
التقديس، وهذا أمر جائز فى كل لغة اذ يسمى الشىء باسم
ما كان عليه اولا، وقد ورد مثل ذلك فى الكتاب المقدس ،
كما ذكر عن الماء الذى حوله السيد المسيح الى خمر فى
عرس قانا الجليل حيث يقول ((
فلما ذاق رئيس المتكأ الماء ))
( يو 2: 9) مع أنه كان قد تحول خمرا ، فسماه ماء
باعتبارا ما كان أولا ، ومنه قول الكتاب ((
ولكن عصا هرون ابتلعت عصيهم ))
( خر7: 12) مع انها كانت تحولت الى ثعبان ، وقوله عن
لعازر عند قيامته ((
فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة الخ ))
مع أنه خرج حيا . فسماه ((
الميت ))
باعتبار ما كان ، ولم يقل خرج الحى الذى كان ميتا ،
ولا خرج الميت الذى صار حيا . فهل يترتب على ذلك أن
لعازر كان لا يزال مائتا حال خروجه . وبناء عليه لا
تكون تسمية الرسول للسر خبزا وخمرا دليلا على عدم
تغيره واستحالته الى جسد المسيح ودمه .
سادسا :
يعترضون بقولهم كيف أن الخبز والخمر اللذين هما من
نباتات الارض يستحيلان الى جسد المسيح ودمه ويكونان
هما جسد ودم المسيح .
ونرد على ذلك
بأن الاستحالة نوعان ، حسية أى واقعة تحت الحواس ،
وسرية لا يقع عليها حكم ، والاستحالة هى انتقال الشىء
الى غيره . فالحسية هى تحويل طبع وصورة وفعل شىء ما
الى طبع وصورة وفعل الشىء الذى يتحول اليه ، كتحويل
امرأة لوط الى عمود ملح ، وتحويل عصا هرون الى ثعبان ،
وتحويل ماء النهر فى مصر الى دم ، وتحويل الماء فى عرس
قانا الجليل الى خمر . وأما الاستحالة السرية التى لا
تدخل تحت الحواس فهى استحالة الخبز والخمرالى جسد
المسيح ودمه فى سر الافخارستيا، وذلك بناء على قول
السيد الصريح ((
هذا هو جسدى وهذا هو دمى ))
. وان قال المعترض كيف يكون ذلك ، فنرد عليه بأن أعمال
الله لا يسأل عنها بكيف . وقد اقتضت الحكمة الالهية أن
تكون استحالة امرأة لوط الى ملح ، والماء الى دم فى
مصر ، والى خمر فى عرس قانا الجليل لضرورة اعتبار الحس
، لأن الغاية منها ظهور قوة الله علنا . وأما
الاستحالة فى سر الافخارستيا فليس من الضرورى ظهورها
للحواس : وليس أيضا من المناسب اذ لا يمكن للانسان أن
يأكل لحما ويشرب دما ، فهذه الاستحالة سرية لا تدرك
بالحواس ، فمع أننا نأكل خبزا ونشرب خمرا الا أن هذا
الخبز وهذا الخمر ليسا بعد التقديس خبزا وخمرا عاديين
بل هما جسد ودم المسيح كما قال الرسول ((
لأننا بالايمان نسلك لا بالعيان ))
( 2كو5: 7) ((
ولأننا بالرجاء خلصنا . ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء
، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضا ))
( رو 8: 24) والايمان بأعمال الله السرية أعظم من
الايمان بأعماله الظاهرة ، لأن هذه يحكم عليها بالحواس
، وأما تلك فيراها العقل بنور الايمان . وقد سبق
نيقوديموس وسأل المسيح له المجد عن سر الميلاد الثانى
فأجابه موبخا ((
المولود من الجسد جسد هو ، والمولود من الروح هو روح (
وطبعا يحصل ذلك بسر لا يدرك وانما يفعله الروح القدس )
لا تتعجب أنى قلت لك ينبغى أن تولدوا من فوق . الريح
تهب حيث تشاء وتسمع صوتها ولكنك لا تعلم من أين تأتى
ولا الى اين تذهب . هكذا كل من ولد من الروح ))
( يو 3: 6: 8) .
أما قول
المعترض أن الخبز والخمر هما من نباتات الارض فانه اذا
تأمل فى فعل الطبيعة وجد أن كل جسد ودم هما من نبات
الارض ويعودان أيضا نباتا ، وهذا أمر مسلم به ، وأما
صيرورتهما جسد المسيح ودمه فهذا موكول لفعل القدرة
الالهية التى لا يشك فيها .
سابعا:
يقولون كيف أن الذى سلمه السيد المسيح لتلاميذه هو
جسده ودمه ، مع أنه كان جالسا فى وسطهم ، ولم يسلمهم
الا خبزا وخمرا منظورين .
فنقول بأن
هذا الاعتراض ليس موجها لنا ، وانما هو موجه لشخص
السيد ، لأن هو الذى قال هذا وفعل هكذا ، وقد سبق أن
اعترض اليهود بهذا الاعتراض قائلين : ((
كيف يقدر هذا أن يعطينا جسده لنأكل ))
فسمعوا جوابه المسكت ((
ان لم تأكلوا جسد ابن الانسان وتشربوا دمه فليس لكم
حياة فيكم . لأن جسدى مأكل حق ودمى مشرب حق ))
. ونحن هكذا آمنا وقبلنا هذا السر بناء على شهادة
الحواس فانهم يهدمون أركان الديانة المسيحية . لأن
الحواس لا تستطيع أن تدرك شيئا من أسرار الديانة .
فمثلا ان الله الآب قد شهد لابنه قائلا ((
هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت ))
فاذا اعتمدنا على الحواس رأينا أن العين لم تشاهد الا
هيئة شخص مثل بنى البشر . فاذا كنا لا نؤمن الا بما
تحكم به الحواس كيف صير الله نار أتون بابل على الفتية
الثلاثة كنسيم بارد ، حتى أنها لم تؤثر فى أجسامهم ولا
فى شعورهم ولا فى رائحة ثيابهم . فان قالوا قد نزعت
منها قوة الاحتراق فنجيبهم كيف اذن أحرقت الكلدانيين
الذين اقتربوا منها ؟ وان كان فيها قوة الاحراق فلماذا
لم تحرق الفتية ؟ كيف تكون النار حارة وباردة فى آن
واحد ؟ هل يمكن أن يفهم ذلك بالحواس . وكيف أشبع السيد
المسيح الالوف من خمسة ارغفة وسمكتين وفضل عنها اثنتا
عشرة قفة من الكسر. وكيف تجسد المسيح فى بطن السيدة
العذراء وهو مالىء الكون ، وكيف صلب على الصليب وهو مع
ذلك لا يزال فى حضن أبيه ، وكيف خرج من القبر وهو
مختوم والحراس واقفون على بابه ، وكيف دخل على
التلاميذ والابواب مغلقة ؟ الا نعترف بأن الديانة
المسيحية كلها أسرار فائقة لا قدرة للعقل ولا للحواس
على ادراكها. ألم يقل السيد بأن كلامه هو روح وحياة ،
وبولس الرسول يقول ((
كلامى وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الانسانية المقنع
بل ببرهان الروح والقوة لكى لا يكون ايمانكم بحكمة
الناس بل بقوة الله ))
( 1كو 2: 4 و5) وقوله ((
ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذى من الله لنعرف
الاشياء الموهوبة لنا من الله التى نتكلم بها أيضا .
لا بأقوال تعلمها حكمة انسانية بل بما يعلمه الروح
القدس قارنين الروحيات بالروحيات ، ولكن الانسان
الطبيعى لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ، ولا
يقدر أن يعرفه لأنه أنما يحكم فيه روحيا ))
( 1كو2: 12- 14) فعلينا أن نرفع اسرار الديانة فوق
العقل والحواس حتى نستطيع أن نؤمن بها .
ومالى أقول
بوجود أسرار فى الديانة ، وهوذا الطبيعة كلها أسرار لا
تزال فائقة لا تدرك ، مثال ذلك الانسان فاننا نعلم أنه
مؤلف من نفس وجسد متحدين اتحادا طبيعيا جوهريا ، ولكن
لا يوجد من يستطيع أن يدرك كيفية هذا الاتحاد العجيب .
ونعلم أن نفسنا تأمر يدينا ورجلينا بالحركة ولا نعرف
كيف ينفذ هذا الروح البسيط أمره بهذه السرعة العجيبة
فى الجسد الهيولى . ونرى أن حبة صغيرة تبذر فى الارض
وبعد قليل نشاهدها شجرة كبيرة ذات أغصان مرتفعة ولا
ندرك سر نموها . وأيضا نرى صور المبصرات تنطبع فى
الاعين معكوسة ولكننا نراها مستقيمة ولا نقدر أن نبرهن
علة ذلك . وها هى المآكل التى نأكلها ونتغذى بها كل
يوم تتحول الى دم ينبت وينتشر فى سائر اجزاء الجسد ولا
نعلم كيف يكون ذلك . والمياه التى نشربها مركبة من
الاوكسجين والهيدروجين ، فالاول عنصر بسيط يعين المواد
على الاشتعال اذ يتحد بكربونها ، والثانى عنصر بسيط
يشتعل باتحاده مع الاوكسجين ويولد حرارة عظيمة ، ونفس
هذا الاتحاد يولد لنا المياه التى نروى بها عطشنا فكيف
أن المياه المؤلفة من عناصر تذيب الجلمود لشدة حرارتها
نرتوى بها . فهذا الانقلاب الذى حدث فى طبيعة هذين
العنصرين لا يعلم كيفيته الا الله . وهكذا من الاسرار
الغريبة نظير القوة الكهربائية ، والقوتين الجاذبة
والدافعة وسير النور العجيب ، والهواء المتحرك والنار
المخفية ، وغير ذلك من الاسرار التى نؤكد وجودها فى
الطبيعة ونجهل كيفيتها وعلتها الحقيقية . فهذه كلها
تبطل ادعاء الفهم البشرى وتبرهن على ضعفه . فاذا كانت
الطبيعة مملوءة بالاسرار العسرة الفهم فهل من المستحيل
وجود اسرار فائقة الادراك فى الديانة الالهية . فاما
أن توجد حقائق فائقة الادراك البشرى ، واما أن يكون
العقل قياس كل الحقائق . وبذلك نسقط فى مذهبى العقليين
والماديين المرفوضين من كل المسيحيين ، ونسقط فى ضلال
وخيم ، هو أن معرفة الله لا تتميز عن معرفة البشر .
وهذا ظاهر البطلان .
الفصل السابع
- سر الشكر من حيث هو ذبيحة ، وصفات هذه الذبيحة ،ونسبتها
الى الذبيحة التى قدمت على الصليب
ان الكنيسة
الارثوذكسية تؤمن وتعترف بأن سر الشكر فضلا عن كونه
سرا ، فهو أيضا ذبيحة تقدم لله ، والبراهين على ذلك
هى:
أولا:
تعليم المخلص نفسه الذى أوضح هذه الحقيقة فقد قال عند
وعده باعطاء هذا السر ((
أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء . ان أكل أحد من
هذا الخبز يحيا الى الابد . والخبز الذى أنا أعطى هو
جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم ))
( يو 6: 51) ومن هذا الكلام الالهى يتضح أن هذا السر
الخلاصى هو ذبيحة غفران أمام الله . وكذلك عند تسليمه
السر لتلاميذه قال لهم ((
هذا هو جسدى الذى يبذل عنكم . اصنعوا هذا لذكرى ...
هذه الكأس هى العهد الجديد بدى الذى يسفك عنكم ))
( لو 22: 19 و20) فهذا السر الذى يقام تذكارا لذبيحة
الاستغفار التى قدمت على الصليب ، هو ذبيحة حقيقية
فعلية .
ثانيا :
ان الرسل الاطهار علموا هذا التعليم . فقد كتب
بولس الرسول الى أهل كورنثوس يقول ((
أنظروا اسرائيل حسب الجسد . أليس الذين يأكلون الذبائح
هم شركاء المذبح . فماذا أقول . ان الوثن شىء أو أن ما
ذبح للوثن شىء . بل ان ما يذبحه الامم فانما يذبحونه
للشياطين لا لله . فلست أريد أن تكونوا أنتم شركاء
الشياطين . لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس شياطين
. لا تقدرون أن تشتركوا فى مائدة الرب وفى مائدة
شياطين ))
( 1كو 10: 18- 21) فى هذه الآية يقابل الرسول مائدة
الرب أى مذبح المسيحيين ، بمائدة الشياطين أى مذبح
الامم الذى كانت تقدم عليه ذبائح ــ وان كانت رجسة
وغير مقبولة ــ وبهذا يؤكد أن ما يقدم على مذبح
المسيحيين فى سر الشكر هو ذبيحة حقيقية أمام الله .
وهذا الرسول نفسه كتب فى رسالته الى العبرانيين يقول
(( لنا
مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه
)) ( عب
13: 10) وبمقابلته مذبح العهد الجديد بمذبح العهد
القديم الذى كان الاسرائيليون يقدمون عليه ذبائح
حقيقية يأكلون منها ، يشهد بأن المسيحيين يقدمون لله
ذبيحة حقيقية على مذبحهم ، ولهم وحدهم السلطان أن
يأكلوا منها .
ثالثا :
ان ذبيحة العهد الجديد سبق الله فأنبا بها على
لسان ملاخى النبى قائلا ((
ليست لى مسرة بكم قال رب الجنود ولا أقبل تقدمه من
يدكم . لأنه من مشرق الشمس الى مغربها اسمى عظيم بين
الامم وفى كل مكان يقرب لاسمى بخور وتقدمه طاهرة لأن
اسمى عظيم بين الأمم قال رب الجنود ))
( ملا 1: 10 و11) وواضح من هذا القول أن النبى يتكلم
عن ذبيحة جديدة طاهرة . ولا يمكن أن نقول أنها ذبائح
اليهود التى أعلن الرب كراهيته لها ، وهى محصورة ضمن
حدود اليهودية . ولا يمكن القول ايضا انها ذبائح الامم
التى لا قيمة لها فى الكتب المقدسة لأنها رجسة ومرذولة
عند الله . ولا يمكن الظن بأن النبى يشير الى الذبيحة
الروحية التى أشير اليها فى المزمور ( 51: 19) لأن هذه
الذبيحة قدمها كثيرون من رجال الله الأتقياء منذ تأسيس
العالم . لاسيما وأن ملاخى النبى يخبر عن ذبيحة جديدة
لم تكن موجودة من قبل . ذبيحة منظورة مدركة ومعدة لأن
تبطل الذبائح اليهودية وتحل محلها . ولا يمكن الظن بأن
النبى قصد بهذه الذبيحة تلك الذبيحة السامية التى
قدمها المخلص على الصليب ، لأن هذه الذبيحة قدمت فى
مكان واحد وهو الجلجثة . ولكن النبى يخبرنا عن ذبيحة
طاهرة مزمعة أن تقدم فى كل مكان على الارض . فلا يبقى
اذن سوى أن نعترف بأن هذه الذبيحة هى سر الشكر الذى
يقدم ذبيحة طاهرة لله فى كل مكان .
رابعا :
ان الكنيسة المقدسة قد علمت منذ نشأتها هذه
الحقيقة وهى أن سر جسد يسوع المسيح هو ذبيحة حقيقية
وتعترف بذلك فى قداساتها بأنها تقدم لله ذبيحة مقدسة
ناطقة غير دموية حيث تقول ((
ففيما نحن أيضا نصنع ذكر آلامه .. نقرب لك قرابينك من
الذى لك ))
وعندما يبسط الكاهن يديه يقول ((
ربنا والهنا ومخلصنا يسوع ... يعطى عنا خلاصا وغفرانا
للخطايا وحيأة أبدية لمن يتناول منه ))
وقوله ((
هوذا كائن معنا على هذه المائدة اليوم عمانوئيل الهنا
حمل الله الذى حمل خطية العالم كله ))
.
خامسا :
نجد هذا التعليم واضحا فى شهادات المجامع
المسكونية فقد جاء فى قوانين المجمع المسكونى الأول
هذا التصريح ((
على المائدة المقدسة يوضع حمل الله الرافع خطايا
العالم ويذبح من خدام الله ذبيحة غير دموية ، وجاء فى
شهادات مجمع افسس هكذا ((
أننا نقدم فى الكنائس الذبيحة غير الدموية ، وهكذا
نلمس الاسرار المقدسة والمباركة ونتقدس باشتراكنا
بالجسد المقدس جسد المسيح مخلص العالم كله بدمه الكريم
)) وجاء فى
أعمال مجمع نيقية ((
لا الرب ولا الرسل ولا الآباء سموا ((
الذبيحة غير الدموية ))
المقدسة من الكهنة ((
صورة ))
بل هم يسمونها دائما جسد الرب نفسه ودم الرب نفسه
)) .
سادسا :
قد شهد جميع الآباء بهذه الحقيقة فى تعاليمهم .
فقد قال القديس اغناطيوس ((
أن جسد الرب يسوع واحد . هو دمه المهرق عنا واحد . خبز
واحد كسر . وكأس واحد وزعت للجميع . ومذبح واحد لكل
الكنيسة ))
( رسالة لاهل فيلادلفيا فصل 4 والى أهل مغنيسيا فصل 8
والى أهل أفسس فصل 5) وقال القديس يوستينوس الشهيد
(( نقدم
باسمه ((
ذبيحة ))
قد امر الرب يسوع أن تقدم ، وذلك فى سر الخبز والكأس
وهى ذبيحة مقدمة من المسيحيين فى كل مكان على الارض
(( ذبيحة
طاهرة ومرضية لله ))
( فى خطابه الى تريفن ) وقال القديس ايريناوس ((
ان المسيح علمنا ((
ذبيحة ))
جديدة للعهد الجديد فالكنيسة تسلمتها من الرسل وتقدمها
فى كل المسكونة بحسب نبوة أحد الأنبياء الاثنى عشر وهو
ملاخى حيث يقول لا ارادة لى بكم الخ وينادى بأن الشعب
الاول ( أى اليهود ) سيكف عن أن يقدم لله ذبائح وأنه
فى كل مكان ستقدم ذبيحة طاهرة لاسمه الممجد فى الامم
)) ( ضد
الهرطقة ) . وقال القديس أيبوليطس ((
اننا من بعد صعود المخلص نقدم بحسب وصيته ((
ذبيحة ))
طاهرة غير دموية ))
( فى المواهب فصل 26) وقال القديس كبريانوس ((
ان دم المسيح لا يقدم ما لم يكن فى الكأس خمر. وتقديس
(( ذبيحة
الرب ))
لا يتم قانونيا ما لم يكن ((
قرباننا
وذبيحتنا
))
مطابقين لآلامه .. لأنه اذا كان الهنا ومخلصنل يسوع
المسيح وهو رئيس الكهنة العظيم للاله الآب قد قدم نفسه
ضحية للآب وأمرنا أن نصنع ذلك لذكره فلا يتمم الكاهن
على الحقيقة عمل المسيح ما لم يعمل كما عمل يسوع
المسيح نفسه. أعنى أن يقدم فى الكنيسة للاله الآب
(( الذبيحة
الحقيقية بتمامها ))
متبعا فى ذلك مثال المخلص نفسه ))
( رسالة 43) وقال القديس غريغوريوس ((
لأن المدبر لكل شىء بحسب سلطانه السيدى لم ينتظر
الاضطرار الناتج عن الخيانة ولا هجوم اليهود اللصى ،
ولا محاكمة بيلاطس الخارجة عن الشريعة ، كى لا يكون شر
هؤلاء بدءا لخلاص الناس العام وعلة له . لكنه بتدبيره
قد سبق هجومهم وهو نفسه قدم ذاته قربانا وذبيحة عنا
بعمل التقديس الذى لا ينطق به ، غير المنظور من البشر
اذ هو كاهن معا وحمل الله الرافع خطية العالم . وان
سألت متى كان هذا ؟ أجيبك . انه كان عندما جعل جسده
مأكلا بصريح العبارة وأعطاه للاكل وصارت ذبيحة الحمل
كاملة . لانه لو كان الجسد ذا روح لما كان ضحية تصلح
للاكل . فلما منح تلاميذه أن يأكلوا جسده ويشربوا دمه
(( ضحى
جسده بوجه لا ينطق به وغير منظور . مدبرا هذا السر كما
أرادت سلطته
)) ( على
قيامة المسيح خطاب 1) وقال القديس يوحنا ذهبى الفم
(( ألسنا
نحن نقدم كل يوم قرابين؟ نعم نقدم ولكنا نصنع تذكار
موته ، وهذه الذبيحة ))
التى كل يوم نقدمها هى واحدة لا أكثر لانه قدم مرة
واحدة مثل الذبيحة التى كانت تقدم الى قدس القديسين .
وكما أنه هو رسم لتلك هكذا هذه ((
الذبيحة ))
رسم لها . لاننا نقدمه نفسه دائما حملا واحد ، ولا
نقدم الآن خروفا آخر بل الحمل نفسه دائما . ((
فالذبيحة ))
اذن هو واحدة . أو هل المسحاء كثيرون لأن ((
الذبيحة ))
تقدم فى محلات كثيرة ؟ حاشا . لأن المسيح واحد فى كل
مكان ، وهو هنا بكليته جسدا واحدا ، كما أنه يقدم فى
أماكن متعددة ولا يزال جسدا واحدا لا أجسادا كثيرة ،
هكذا ((
الذبيحة ))
أيضا واحدة هى ))
( فى تفسير العبرانيين مقالة 16: 7 وعلى 1كو24: 4وعلى
رسالة افسس 3: 5 وخطاب 3: 4، 4:4 فى الكهنوت ) ونجد
مثل هذه الاقوال فى تعاليم جميع آباء الكنيسة شرقا
وغربا .
وهذه الذبيحة
التى تقدمها لله فى سر الشكر، هى الذبيحة التى قدمت
على الصليب لأن الذى نقدم على المذبح الآن هو حمل الله
نفسه الذى قدم ذاته على الصليب لاجل خطايا العالم .
وكما أن المخلص له المجد كان على الصليب مقدما ومقدما
هكذا الآن هو أيضا المقرب والمقرب والضحية والمضحى .
وفى هذا المعنى قال القديس يوحنا ذهبى الفم ((
ان رئيس كهنتنا العظيم قدم الذبيحة التى تطهرنا . ومن
ذلك الوقت الى الان نقدم نحن أيضا هذه الذبيحة نفسها ،
وهذه الذبيحة غير الفانية وغير النافذة هى نفسها ستتمم
الى انقضاء الدهر حسب وصية المخلص ((
هذا اصنعوه لذكرى ))
غير أن بين ذبيحة سر الشكر والذبيحة التى قدمت على
الصليب فرقا بالنظر الى ظروفهما وطريقة تقديمهما ، فان
المخلص قدم لأبيه على الصليب جسده ودمه الكريمين ذبيحة
منظورة . وأما فى سر الشكر فلا يقدمهما تقديما حسيا
منظورا بل سريا تحت شكلى الخبز والخمر . على الصليب
قدم الذبيحة الاستغفارية لأنه رئيس الكهنة الأعظم .
وهنا على المذبح تقدم تلك الذبيحة بواسطة كهنته . هناك
على الصليب قدمت ذبيحة حقيقية بذبح الحمل وهرق دمه ،
وهنا بما أنه قام من الاموات ولا يسود عليه الموت مرة
ثانية تقدم الذبيحة فى سر الشكر باستحالة سرية بدون
هرق دم ولا موت . ولهذا سميت هذه الذبيحة ((
ذبيحة غير دموية ))
. بذبيحة الصليب حصل الخلاص لكل الجنس البشرى وتم وفاء
العدل الالهى ، وأما ذبيحة سر الشكر فانها تستعطف الله
دائما للصفح عن خطايا الذين قدمت لاجلهم فينالون
الحياة الابدية بالتناول منها ، ان ذبيحة الصليب قدمت
مرة واحدة على الجلجلة ، ولكن ذبيحة سر الشكر فمنذ
تأسيسها تقدم دائما وتقدم الى الابد الى وقت مجىء
المسيح الثانى فى كل العالم ، وعلى مذابح لا تعد ولا
تحصى : ونستنتج مما تقدم أن الذبيحتين متحدتان بلا
انفصال وهما ذبيحة واحدة ، الاولى أصل والثانية شجرة
ثابتة من ذلك الاصل ، غطت أغصانها كل كنيسة المسيح
وتغذى جميع الذين يطلبون الحياة الابدية بالتناول منها
.
ولهذه
الاعتبارات اعتبرها جميع الآباء بأنها ذبيحة استغفار
تقدم عن الاحياء والاموات ، كما ورد فى كتب القداديس
وفى شهادات الآباء القديسيين . قال العلامة ترتوليانوس
(( انها
تقدم عن الاحياء والاموات ، ( فى الاكاليل 3 وفى وحدة
الزيجة فصل 9) . وقال القديس كبريانوس ((
انها تقدم عن الاموات ))
( رسالة 66) وقال القديس كيرلس الاورشليمى ((
انها ذبيحة استغفارية . واننا نقدم المسيح مذبوحا لاجل
خطايانا ، مستغفرين الاله المحب البشر عنا وعنهم
)) ( فى
الاسرار 6: 8 ، 5: 8 و10) .
وقال القديس
يوحنا ذهبى الفم ((
لأنه لم يرتب هذا الترتيب على بسيط الحال ، ولا باطلا
نذكر المتوفين على الاسرار الالهية، ونأتى متضرعين
لاجلهم للحمل الموضوع الرافع خطية العالم ، بل لكى
تحصل من ذلك تعزية لهم . ولا عبثا يصرخ الواقف على
المذبح عند تتميم الاسرار الرهيبة من أجل جميع
الراقدين بالمسيح والذين يصنعون التذكار من أجلهم .
ولو لم يقم التذكار من أجلهم لما قيلت هذه الكلمات .
فلا نكل اذن فى مساعدتنا الراقدين بتقديمنا الصلوات من
أجلهم لان التنقية العامة لكل المسكونة هى حاضرة .
ولهذا نتجاسر أن نطلب من أجل المسكونة وقتئذ وندعو
للراقدين والشهداء والمعترفين والكهنة ))
( مقالة 41: 4 على 1كو ) وفى محل آخر يشهد أن اقامة
التذكارات فى سر الافخارستيا عن الراقدين شريعة رسولية
ويقول ((
لم يشرع عبثا من الرسل اقامة تذكار الراقدين حين تتميم
الاسرار الرهيبة لأن الرسل يعرفون أن للراقدين ربحا
عظيما ونفعا جزيلا من ذلك ))
( مقالة 3 على رسالة فيلبى ) ويقول القديس كيرلس
الاورشليمى ((
ثم بعد أن نتمم الذبيحة الروحية والعبادة غير الدموية
نضرع الى الله تجاه ذبيحة الاستغفار هذه من أجل سلامة
الكنائس عموما ، ومن أجل الملوك، ومن أجل الجنود
والمحاربين معهم ، من أجل الذين فى الامراض، ومن أجل
المتعبين ، وبالاحمال من أجل جميع المحتاجين الى
مساعدة.فنطلب نحن جميعا ونقدم هذه الذبيحة))
(فى الاسرار5: 1)
الفصل الثامن
- وجوب تناول السر تحت الشكلين
ان الرب يسوع
له المجد قد سلم جسده ودمه الأقدسين لتلاميذه الأطهار
تحت شكلى الخبز والخمر، فقد أخذ الخبز وشكر وأعطاهم
قائلا : ((
خذوا كلوا هذا هو جسدى الخ ))
وكذلك أخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا : ((
اشربوا منها كلكم ))
وقد سبق له المجد وقال ((
الحق الحق اقول لكم ان لم تأكلوا جسد ابن الانسان
وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم . من يأكل جسدى ويشرب
دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الاخير ))
( يو6: 53 و54) وكذلك قال بولس الرسول ((
لأنى تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا أن الرب يسوع فى
الليلة التى أسلم فيها أخذ خبزا وشكر فكسر وقال خذوا
كلوا هذا هو جسدى المكسور لأجلكم . اصنعوا هذا لذكرى .
كذلك الكأس أيضا بعد ما تعشوا قائلا هذه الكأس هى
العهد الجديد بدمى . اصنعوا هذا كلما شربتم لذكرى .
فانكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون
بموت الرب الى أن يجىء ))
( 1كو11: 23- 26) وعلى ذلك سارت الكنيسة المسيحية منذ
نشأتها بأن بتناول المؤمنون هذا السر تحت الشكلين
الخبز والخمر، ويشهد بذلك سفر أعمال الرسل حيث يقول
(( أع 2:
42- 46) راجع أيضا ( 1كو10: 17 ، 11: 20) .
ولكن كنيسة
رومية خالفت هذا التعليم فمنعت الشعب من تناول كأس
الرب الخلاصية ، اذ أنها تناولهم الجسد فقط دون الدم .
والبراهين الآتية تبين فساد ذلك التعليم :
أولا :
كلام المخلص له المجد حين وعده بسر الشكر فقد قال
بصريح العبارة ((
الحق أقول لكم ان لم تأكلوا جسد ابن الانسان وتشربوا
دمه فليس لكم حياة فيكم . من يأكل جسدى ويشرب دمى فله
حياة أبدية وأنا أقيمة فى اليوم الأخير ))
( يو6: 53 و54) .
ثانيا :
كلام المخلص لتلاميذه حين تأسيس هذا السر الأقدس
فقد قال لهم ((
خذوا كلوا هذا هو جسدى ))
وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا : ((
اشربوا منها كلكم ))
فان قالوا ان هذا الكلام موجه للرسل ، نرد عليهم بأنه
قال أيضا ((
خذوا كلوا هذا هو جسدى ))
وقوله موجه للرسل أيضا لأنهم هم وحدهم الذين تسلموه،
فيلزم على هذا القياس الباطل حرمان الشعب من الجسد
أيضا ، لأن الكلام فى كلا الامرين موجه لأشخاص الرسل
الاطهار.
ثالثا :
قول بولس الرسول الذى يخاطب به أهل كورنثوس ((
احكموا أنتم فى ما أقول كأس البركة التى نباركها أليست
هى شركة دم المسيح . الخبز الذى نكسره أليس هو شركة
جسد المسيح ))
( 1كو10: 15 و16) وقوله أيضا ((
اذن أى من أكل هذا الخبز أو شرب كأس الرب بدون استحقاق
يكون مجرما فى جسد الرب ودمه . ولكن ليمتحن الانسان
نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس ))
( 1كو11: 27 و28) فهل يوجد أوضح وأصرح من هذه الأقوال
.
رابعا :
ان الكنيسة المقدسة هكذا سارت منذ نشأتها . واليك
شهادة القديس يوستينوس الذى يقول فى احتجاجاته ( 1:
85) ((
وبعد أن يتمم الخادم الشكر ويقول الشعب ((
آمين ))
يناول الشمامسة جميع الحاضرين من الخبز والخمر والماء
، ويحفظون جزءا من التقدمة للغائبين ))
وشهادة القديس كبريانوس الذى يقول فى ( رسالة 54)
(( اننا
نحثهم ونحرضهم على الجهاد ولا نتركهم بلا سلاح ، بل
نحصنهم بالسلاح الكامل وهو جسد ودم المسيح ، لأننا كيف
نعلم أن ندعو الى الاعتراف باسمه أن يهرقوا دمهم اذا
كنا لا نمنح دم المسيح للمجاهدين عنه ؟ ))
وهكذا يقول كيرلس فى ( الأسرار4: 3 و6) والقديس يوحنا
ذهبى الفم فى ( مقالة 82 على تفسير متى ) والقديس
أمبروسيوس فى ( الأسرار8: 58) والقديس ايريانوس ( ضد
الهراطقة 4: 18: 5 ، 5: 2) وترتوليانوس فى ( قيامة
الأموات فصل 8) .
خامسا :
يشهد بهذه الحقيقة بعض البابوات ، فمنهم البابا
لاون الكبير فى القرن الخامس الذى قال فى احدى عظاته
فى الصوم الكبير ((
انهم يتناولون بأفواه غير مستحقه جسد المسيح ، لكنهم
يبتعدون كل البعد عن دم افتدائنا فنذكر ذلك على علم من
قدسكم ، لكى يصير هؤلاء معروفين عندنا ويكشف رياؤهم
ويمنعوا عن الاشتراك بالقدسات ))
، والبابا جلاسيوس فى القرن الخامس الذى كتب هكذا
(( قد اتضح
لنا أن بعضا من المسيحين يتناولون جسد المسيح الالهى ،
لكنهم يبتعدون عن كأس الدم الالهى . ولا نعلم لأى سبب
يعملون هذا. فنأمر اذن أنه يجب على الجميع أن يشتركوا
بالسر المقدس كاملا والا فليكن أمثال أولئك غير
مقبولين فيه . لأن قسمة السر الواحد غير ممكنة من دون
حصول أهانة عظيمة للموضوعات المقدسة والأشياء الشريفة
)) وكثير
من المؤلفين الرومانيين يؤكدون ان الكنيسة الغربية
كانت فى القرون الاثنى عشر الأولى تمنح سر الشركة
لجميع المسيحيين تحت الشكلين مثل كنائس الشرق . ( راجع
المجمع الترينتينى جلسة 21 فى الشكر قسم 1 فصل 3 قضية
25 قانون 2 وبيرون فى مقدمات اللاهوت ) ، وقال
الكاردينال بارونيوس المؤرخ ((
أن غريغوريوس بابا رومية قال ان المسافرين يحملون معهم
جسد المسيح ودمه ))
( تاريخةخطاب 3 فصل 31) ويشهد الكاردينال بونا نفس هذه
الشهادة فى النساك فى ( الخدم 2: 18: 11) ويذكر مثال
مريم البارة المصرية التى كانت تشترك من يدى القديس
زوسيما بجسد المسيح ودمه ( راجع السنكسار) .
الفصل التاسع -
مناولة الأطفال من هذا السر
ان
الكنيسة المقدسة الرسولية منذ نشأتها اعتادت حسب
التعليم الرسولى أنها كما تعمد الاطفال على ايمان
والديهم أو أشابينهم ، وهكذا تمنحهم سر جسد الرب ودمه
الأقدس ، قوتا روحيا لهم لنيل الحياة الأبدية حسب وصية
الرب ، ولكن كنيسة رومية كما حرمت الاطفال من سر
الميرون المقدس هكذا ابتدأت منذ القرن الثانى عشر أن
تحرمهم من سر الشركة المقدس ، بدعوى أنهم لا يفهمون ،
على أن ذلك باطل لأنهم لا يفهمون معنى سر المعمودية
الذى يمنحونه . وما قلناه سابقا فى سر الميرون ذلك كاف
لادحاض هذا الزعم هنا أيضا ، لا سيما وأن المخلص يقول
بصريح العبارة ((
دعوا الاولاد يأتون الى ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء
ملكوت السموات ))
فأى ذنب وأية جريمة اقترفها هؤلاء الاطفال حتى يحرموا
من بركات هذا السر الاقدس . قال القديس أوغسطينوس
(( وحقا من
يتجاسر ويقول أن هذا الرأى لا يخص الاطفال وأنهم
يستطيعون أن تكون لهم حياة فيهم من دون مشاركة فى
الجسد والدم ))
( الساقطين 1: 20) وقال البابا اينوشنسيوس الاول
(( أمر
خارج عن الواجب أن يكرم الاطفال بقرابين الحياة
الابدية قبل أن ينالوا نعمة المعمودية . لأنهم أن لم
يمضغوا دمه لا تكون لهم حياة فيهم ))
( رسالة 43) وهاك القانون الذى سنته كنيسة رومية فى
القرن التاسع ((
ينبغى أن يعتنى بالاطفال حتى لا يذوقوا غذاء ما أو
يرضعوا بعد المعمودية قبل أن يشتركوا بسر جسد المسيح
الا عند الضرورة الاخيرة راجع ( أوامر الرسل كتاب 8
فصل 21) وديوناسيوس الاريوباغى فى ( رئاسة الكهنوت 7:
11) وكبريانوس فى ( الساقطين وشهادات ضد اليهود 3: 25)
.
الفصل العاشر -
الأثمار الخلاصية التى ننالها بواسطة سر الشكر
ان الذين
يتناولون هذا السر الاقدس باستحقاق ينالون أثمارا
خلاصية أهمها :
أولا :
الثبات والاتحاد مع المسيح له المجد ، وذلك بناء
على وعده الصادق القائل ((
من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فى وأنا فيه ))
( يو6: 56) فبتناولنا من هذا السر نكون ــ كما يقول
آباء الكنيسة ــ أعضاء جسده ومشاركى طبيعته الالهية .
ثانيا :
النمو فى النعمة والكمال الروحى والحياة فى الرب
يسوع لأنه له المجد يقول ((
جسدى مأكل حق ودمى مشرب حق .. كما أرسلنى الآب الحى
وأنا حى بالآب فمن يأكلنى فهو يحيا بى . هذا هو الخبز
الذى نزل من السماء . ليس كما أكل آباؤكم المن وماتوا
. من يأكل هذا الخبز فانه يحيا الى الأبد ))
( يو6: 55 ــ 58) .
فاذا كان
القوت العادى يغذى الجسم ويقويه ويعيد اليه قواه
ويمنحه دقائق حيوية جديدة ، فكم بالحرى هذا القوت
الروحى يمنحنا الصحة والغذاء لأرواحنا ويوحدنا بالمسيح
ويشفى ضعفنا وينقى نفوسنا من الخطايا .
ثالثا :
يمنحنا عبون الحياة والقيامة المجيدة كما قال له المجد
(( من يأكل
جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم
الاخير .. من يأكل هذا الخبز فانه يحيا الى الأبد
)) ( يو6:
54 ــ 58) .
وقد قال عنه
الآباء القديسون انه دواء لعدم الموت وحرز ضده ،
وتثبيت للحياة الابدية بيسوع المسيح ، وان الاشتراك فى
سر الشركة هو الاشتراك فى الحياة الابدية .
الفصل الحادى عشر
- وجوب
استعمال الخبز والخمير ، وادحاض بدعة الفطير
ان الكنيسة
الارثوذكسية قد تسلمت من السيد المسيح والسادة الرسل
الاطهار أن تتمم سر الشكر بخبز خمير، تابعة فى ذلك
تعليم الانجيل وما جرى عليه الرسل وآباء الكنيسة .
ولكن كنيسة رومية ابتدعت منذ الجيل الحادى عشر بدعة
جديدة وهى تقديس هذا السر بالفطير . ولما رأت أن
كثيرين من أتباعها الشرقيين لم يقبلوا هذا التعليم ،
فلئلا ينشقوا عن كنيستهم ، سمحت لهم باتمام السر
بالخبز الخمير، مدعية أنه لا يجوز تقديس هذا السر
بالنوعين سواء من الخمير أو الفطير، ولكنها لا تتممه
الا بالفطير.
وأما ما
ابتدع هذه البدعة هو ابوليناريوس الملحد الذى
جدف قائلا عن المسيح له المجد أنه لما تجسد أخذ من
البتول القديسة مريم والدته جسدا بلا نفس ولا عقل ،
زاعما زعما فاسدا أن لاهوت المسيح أغنى عن هذين
الاثنين ( النفس والعقل ) وبناء على بدعته هذه بدأ
يقدس سر الشكر بالفطير خاليا من الملح والخمير. مشيرا
بذلك الى أن المسيح عادم النفس والعقل البشريين، وقد
قطع أبوليناريوس هذا من الكنيسة واعتبر هرطوقيا،
وأنكرت الكنيسة استعمال الفطير فى هذا السر المقدس .
ولدحض هذا
التعليم نذكر بالاختصار سنة الفطير عن اليهود وزمن
تعييدهم الفصح وسبب ذلك . فنقول أنه لما أراد الله أن
يخرج بنى اسرائيل من أرض مصر وشرع يضرب المصريين
الضربة الاخيرة ، التى هى امته الابكار من الناس
والبهائم . أمر بنى اسرائيل أن تأخذ كل عائلة منهم
حملا وذلك فى اليوم العاشر من شهر نيسان ، الذى جعل
رأسا لسنتهم . وأن يذبحوه فى اليوم الرابع عشر ويأخذوا
من دمه ويجعلوه على قائمتى الباب وعتبته العليا .
ويأكلوا لحمه فى تلك الليلة التى هى الخامس عشر من
الشهر مشويا بالنار مع فطير على أعشاب مرة . ويأكلونه
وأحقاؤهم مشدودة وأحذيتهم فى أرجلهم وعصيهم فى أيديهم
ويأكلونه بعجلة . هو فصح للرب ، فان الرب يجتاز فى تلك
الليلة ويضرب كل بكر فى أرض مصر، ويرى الرب الدم علامة
على بيوت الاسرائيليين فلا يكون عليهم ضربة للهلاك .
ويكون ذلك فريضة دهرية لهم يخلون منازلهم سبعة أيام من
الخمير ويأكلون عوضه فطيرا ( راجع خر12 و13 ، لا 23 ،
عدد 9 و28 ، تث 16) .
وبناء على
ذلك تعلم كنيستنا أن المسيح له المجد صنع العشاء
الربانى قبل أن يأتى عيد الفصح بيوم كامل . أى مساء
الخميس 13 نيسان الذى هو بدء الجمعة 14 منه. لأن اليوم
يبتدىء من مساء اليوم الذى قبله . فبدء الجمعة هو مساء
الخميس . وبدء السبت الذى كان واقعا وقتئذ 15 نيسان أى
اليوم الاول من عيد الفطر هو مساء الجمعة ، وعليه يكون
السيد له المجد تمم هذا السر بخبز خمير قبل أن يبدأ
استعمال الفطير. وأما الكنيسة الباباوية فتزعم أن
الخميس الذى صنع المسيح فى مسائه العشاء السرى كان
واقعا وقتئذ 14 نيسان لا 13 منه كما تعلم كنيستنا ،
فيكون اليوم الاول من عيد الفطر وقتئذ الجمعة وبدؤه
مساء الخميس . وسنورد فيما يأتى البينات الكتابية
القاطعة لا ثبات صحة تعليم الكنيسة الارثوذكسية :
أولا :
قال القديس يوحنا الانجيلى ((
أما يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت
لينتقل من هذا العالم الى الآب اذ كان قد أحب خاصته
الذين فى العالم أحبهم الى المنتهى . فحين كان العشاء
وقد ألقى الشيطان فى قلب يهوذا سمعان الاسخريوطى أن
يسلمه ... قام عن العشاء وخلع ثيابه وأخذ منشفة واتزر
بها . ثم صب ماء فى مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ
ويمسحها بالمنشفة التى كان متزرا بها ... وقال الحق
الحق أقول لكم أن واحدا منكم سيسلمنى ... أجاب يسوع هو
ذاك الذى أغمس أنا اللقمة وأعطيه . فغمس اللقمة
وأعطاها ليهوذا سمعان الاسخريوطى فبعد اللقمة دخله
الشيطان ))
( يو12: 1ــ 27) .
فهنا يصرح
يوحنا الانجيلى أن العشاء الربانى الذى عقبه غسل أرجل
التلاميذ وتسليم يهوذا ، قد صنعه الرب يسوع قبل عيد
الفصح لا فيه أو بعده .
ثانيا :
قال القديس يوحنا الانجيلى ((
ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع الى بيت عنيا حيث كان
لعازر الميت الذى أقامه من الاموات . فصنعوا له هناك
عشاء ... وفى الغد سمع الجمع الكثير الذى جاء الى
العيد أن يسوع آت الى أورشليم فأخذوا سعوف النخل
وخرجوا للقائه ))
( يو12: 1ــ13) فهذا العشاء الذى صنعه يسوع كان قبل
الفصح بستة أيام . أى كان مساء ليلة الاحد الذى دخل
فيه الرب الى أورشليم راكبا الاتان . وهذا يؤيده
تفاسير الباباويين . قال نيافة المطران يوسف الدبس
مطران الموارنة فى كتابه ((
تحفة الجيل فى تفسير الاناجيل ))
الذى ترجمه عن اللاتينية من تفاسير كرنيليوس الحجرى
ويوحنا ملدوناتوس ويعقوب تيرينى اليسوعيين فى صفحة 314
عند تفسير العدد 6 من ص26 من تفسير متى ((
وفيما كان يسوف فى بيت عنيا : ان هذا الامر كان حدوثه
قبل هذا الوقت فى اليوم السادس مساء الاحد الذى دخل
فيه الى أورشليم راكبا الآتان ، وذكره متى هنا تمهيدا
لذكر خيانة يهوذا ، وذلك يظهر من بشارة يوحنا ( 12: 1)
حيث روى أن يسوع أتى الى بيت عنيا قبل الفصح بستة أيام
فصنعوا له هناك عشاء ))
واذا تقرر أن قبل الفصح بستة أيام كان السبت مساء
الاحد . فهل يكون عيد الفصح عند اليهود الخميس مساء
الجمعة كما تدعى الكنيسة الباباوية أم الجمعة مساء
السبت كما تعلم الكنيسة الارثوذكسية ؟
ثالثا :
جاء ايضا فى ( يو18: 28) ((
ثم جاءوا بيسوع من عند قيافا الى دار الولاية . وكان
صبح . ولم يدخلوا هم الى دار الولاية لئلا يتنجسوا
فيأكلون الفصح ))
والظاهر من هذه العبارة أن اليهود لم يدخلوا دار
الولاية صباح الجمعة لئلا يتنجسوا لأن الذى يأكل الفصح
يجب أن يكون طاهرا . واذا تنجس امتنع عن أكل الفصح كما
جاء فى سفر العدد ( 8: 6 – 11) وهذا يدل على أن فصح
اليهود لم يكن قد بدأ فى يوم الجمعة صباحا ولم يكونوا
أكلوه بل كانوا مستعدين لأكله يوم الجمعة مساء . وهذا
أمر لا يحتمل تأويلا .
رابعا :
قال القديس متى الانجيلى ( 27: 62- 64) ((
وفى الغد الذى بعد الاستعداد اجتمع رؤساء الكهنة
والفريسيون الى بيلاطس . قائلين .. فمر بضبط القبر الى
اليوم الثالث الخ ))
وقال مارمرقس الانجيلى ( 15: 42 و43) ((
ولما كان المساء اذ كان الاستعداد . أى ما قبل السبت
جاء يوسف وطلب جسد يسوع ))
وقال لوقا الانجيلى فى ( 23: 54) ((
وكان يوم الاستعداد والسبت يلوح ))
وقال يوحنا الانجيلى فى ( 19: 42) ((
فهناك ( أى فى القبر ) وضعا يسوع لسبب استعداد اليهود
لأن القبر كان قريبا ))
يتضح من أقوال الانجيليين الاربعة أن يوم الجمعة الذى
صلب فيه المسيح كان يوم استعداد للفصح لا يوم الفصح .
وعليه تسقط دعوى الكنيسة الباباوية بأن ذلك الجمعة كان
15 نيسان أى بدء عيد الفطير ــ واذا اعترض الباباويون
بأن ذلك الاستعداد كان للسبت لا للفصح فندفع اعتراضهم
بقول يوحنا الانجيلى ((
فلما سمع بيلاطس هذا القول أخرج يسوع وجلس على كرسى
الولاية .. وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة
)) ( يو19:
13 و14) فيوحنا الانجيلى يصرح بأن ذلك الاستعداد كان
للفصح لا للسبت . وأما قول مرقس ((
ما قبل السبت ))
ولوقا ((
وأخذ السبت يلوح ))
فلا يفهم منه أن الاستعداد كان للسبت بل أن ذلك كان
واقعا فيه الفصح ، ولو كان الفصح واقعا يوم الخميس
مثلا لقالا ((
ما قبل الخميس )) ((
وأخذ الخميس يلوح ))
ولا يكون المعنى حينئذ أن الاستعداد للخميس بل أن
الفصح متفق وقوعه يوم الخميس .
خامسا :
جاء فى ( مت 27: 2- 7) ((
حينئذ لما رأى يهوذا الذى أسلمه أنه قد دين ندم ورد
الثلاثين من الفضة الى رؤساء الكهنة والشيوخ .. فأخذ
رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها فى
الخزانة لأنها ثمن دم ، فتشاوروا واشتروا بها حقل
الفخارى مقبرة للغرباء ))
وورد فى مرقس ( 15: 46) ولوقا( 23: 53) ((
فاشترى يوسف كتانا فأنزله وكفنه بالكتان ووضعه فى قبر
)) وورد
أيضا فى ( مر15: 21، لو23: 26) ((
فسخروا رجلا مجتازا كان آتيا من الحقل وهو سمعان
القيروانى أبو الكسندروس وروفس ليحمل صليبه ))
فمن قول متى أن رؤساء الكهنة اشتروا يوم الجمعة حقل
الفخارى نتأكد أن يوم الجمعة لم يكن قد دخل الفصح لأنه
لو كان دخل فكيف جاز لهم أن يشتروا فيه ، والناموس
ينهى عن ذلك فى اليوم الاول من العيد . كذلك من قول
مرقس أن يوسف الذى كان من كبار اليهود اشترى كتانا يوم
الجمعة نتأكد أن يوم الجمعة لم يكن قد دخل الفصح ،
وكذلك أيضا نتأكد من قول مرقس ولوقا أن سمعان
القيروانى كان ح آتيا من الحقل يوم الجمعة ، أن ذلك
اليوم لم يكن يوم عيد الفصح.
سادسا :
قال يوحنا الانجيلى ((
ثم اذ كان استعداد فلكى لا تبقى الاجساد على الصليب فى
السبت لأن يوم ذلك السبت كان عظيما سأل اليهود بيلاطس
أن تكسر سيقانهم ويرفعوا ))
( يو19: 31) ففى هذه الآية نرى :
1- أن يوم ذلك
السبت كان عظيما بسبب وقوع الفصح فيه .
2- أن عصر الجمعة
حين موت المسيح على الصليب كان استعداد الفصح لا يوم
الفصح .
3- ان اليهود فى
عصر ذلك اليوم سألوا بيلاطس أن تكسر سيقان المصلوبين
لموتهم ودفنهم قبل السبت لئلا تبقى الاجساد على الصليب فى ذلك
السبت الواقع بعد الفصح ،لأن دفنها فيه محرم وبقاؤها يذهب
ببهاء العيد . فلو كان الفصح وقتئذ الجمعة لمـا كانوا يلحون
على بيلاطس فى طلبهم .
سابعا :
قال الانجيلييون متى ومرقس ولوقا بأن الوالى كان
يطلق لليهود فى العيد أسيرا من أرادوه وأنه أطلق لهم
باراباس وأسلم اليهم يسوع بعد ما جلده ( مت 27: 15- 26
، مر15: 6و15 ، لو23: 17) فمن اطلاق بيلاطس الوالى
باراباس اللص يوم الجمعة حينما حوكم المسيح وأسلم
للصليب ، يتبين أن الفصح لم يكن قد حل ، لأن العادة
كانت أن يطلق الأسير قبل دخول الفصح ليعيده مع أهله ،
لا بعد مضيه .
ثامنا :
قال يوحنا الانجيلى عن يهوذا الاسخريوطى ((
فبعد اللقمة دخله الشيطان . فقال له يسوع ما أنت تعمله
فأعمله بأكثر سرعة . وأما هذا فلم يفهم أحد من
المتكئين لماذا كلمه به لأن قوما اذ كان الصندوق مع
يهوذا ظنوا أن يسوع قال له اشتر ما نحتاج اليه للعيد
)) ( يو13:
27- 29) فالخميس مساء بدء الجمعة حينما صنع الرب يسوع
العشاء السرى متكئا مع تلاميذه غمس لقمة وناولها
ليهوذا ، وجرى ما جرى ، ومن هنا يتبين أن العيد لم يكن
قد دخل لأن الاستعداد والشراء يكونان قبل حلوله لا
بعده .
تاسعا :
جاء فى انجيل متى ومرقس ((
حينئذ اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب الى دار
رئيس الكهنة الذى يدعى قيافا . وتشاوروا لكى يمسكوا
يسوع بمكر ويقتلوه ولكنهم قالوا ليس فى العيد لئلا
يكون شغب فى الشعب ))
( مت26: 3-5، مر14: 1و2) فمن قول البشيرين يتبين أن
المسيح حوكم وصلب فى غير يوم العيد . لأن رؤساء الكهنة
صمموا على ذلك لئلا يقع شغب فى الشعب الذى كان يجتمع
من كل ناحية .
عاشرا :
ان يوم الخميس المدعو عند اليهود عيد الاسابيع وقع فى
تلك السنة التى صلب فيها المخلص يوم الاحد وفيه حل
الروح القدس على الرسل وهذا اليوم هو أحد الخمسين من
قيامته كما جاء فى سفر الاعمال ( 2: 1-13) ومن المعلوم
عند دراسى الكتاب أن عيد الخمسين يقع بعد الفصح بسبعة
أسابيع ، ولهذا يسمى عيد الاسابيع كما جاء فى سفر
الخروج ((
وتصنع لنفسك عيد الاسابيع أبكار حصاد الحنطة وعيد
الجمع فى آخر السنة ))
( خر34: 22) وفى سفر اللاويين ((
ثم تحسبون لكم من غد السبت من يوم أتيناكم بحزمة
الترديد سبعة أسابيع تكون كاملة . الى غد السبت السابع
تحسبون خمسين يوما . ثم تقربون تقدمة جديدة للرب
)) ( لا
23: 15و16) ومتى تقرر أن عيد الخمسين وقع فى تلك السنة
فى يوم الاحد كما جاء فى سفر الاعمال وان هذا العيد
يقع بعد الفصح بسبعة أسابيع . فهل يكون الفصح يوم
الجمعة كما يقول الباباويون أم السبت كما تقول الكنيسة
الارثوذكسية ؟
حادى عشر:
جاء فى ( مت 26:26 ، مر14: 22 ، لو22: 19) أن الرب
يسوع أخذ خبزا وكسر . وقال الرسول بولس ((
ان الرب يسوع فى الليلة التى أسلم فيها أخذ خبزا وشكر
فكسر وقال خذوا كلوا هذا هو جسدى ))
( 1كو11: 23) وكلمة خبز فى اليونانية ((
آرطوس ))
أى مرتفع تطلق على الخمير لا الفطير . ولسائل يسأل أين
وجد الخبز المختمر وقتئذ ؟ فنجيب أنه وجد فى البيت
الذى صنع فيه الرب العشاء . لأن اليهود الى ذلك الحين
كانوا يأكلون الخبز المختمر . واذا سألنا نحن المعترض
من أين وجد الفطير قبل حلول العيد ؟ فانه يصعب عليه
الجواب . ولكن مرقس الانجيلى يرفع كل شبهه بقوله
(( وفيما
هم يأكلون أخذ يسوع خبزا ))
( مر14: 22) كذلك الرسل لم يستعملوا سوى الخبز والخمير
الاعتيادى كما ورد فى سفر الاعمال ( راجع أع 2: 42و46
، 20: 7 ، 1كو10: 16و17 ، 11: 23) .
ثانى عشر:
ان سر الافخارستيا لم يتمم منذ الازمنة الرسولية
الا بخبز خمير للأسباب الآتية :
1- لأن الخبز الذى
كان يستعمل فى السر كان يجمع من تقدمات الشعب أى من
بيوت المؤمنين وكانوا يقدمونه خبزا اعتياديا يصلح لموائد
المحبة التى كانوا يعملونها ولاعانة الفقراء .
2- لم يسمه أحد من
الآباء الاقدمين فطيرا بل يسمونه خبزا اعتياديا
وأحيانا خبزا مختمرا .
3- ان القديس
أبيفانيوس رئيس أساقفة قبرص عند تكلمه عن الهراطقة قال
عن هرطقة الابيونيين ((
أنهم كانوا يتمسكون بالشريعة
الموسوية وانهم كانوا يتممون سر الافخارستيا بفطير وماء فقط
)) ( هرطقة
30: 16) ، موضحا أن ذلك مخالف لعادة الكنيسة
.
4- ان كثيرين من
المؤلفين الغربين من الكاثوليك والبرتستانت يعترفون فى
مؤلفاتهم ويبرهنون على أن الفطير لم يكن مستعملا فى
الكنيسة الغربية الى القرن الحادى عشر: منهم ( سيرموند فى
تأليفه فى الفطير سنة 1651 وكوتيلاريوس فى مؤلفه فى
الكنيسة اليونانية (صفحة 108) وباكيوس فى حواشيه على تاريخ
بارون ( 313: 15) وبينكام فى الكنيسة القديمة ( 15:2)
وتاريخ الكنيسة لكلاين ( جزء 4 صفحة 430) .قال البابا
اينوشنسيوس ((
ان القسوس يأخذون خبزا مختمرا لكى يشهروا ذواتهم
منفصلين عن ذلك الاله العلى ))
( رسالة 25:4: 8) وقال
ملتيادس فى ترجمته ((
هكذا قد صنع أن تقدم قرابين
للكنيسة .القرابين التى نسميها ((
مختمرا))
. وقال بيرون فى كتابه
مقدمة اللاهوت فى شرح الافخارستيا ( قسم 2 فصل 3 قضية 1)
(( ان
الخمير والفطير يصلحان على السواء لاتمام سرالشكر الالهى
)) ولكنهم
فى التقديس لا يستعملون غيرالفطير وحده .
الفصل الثانى عشر
- ادحاض الاعتراضات فى هذا الشأن
أما دعاوى
الكنيسة الباباوية التى تقدمها وتزعم بناء عليها أن
يوم ذلك الجمعة الذى صلب فيه المسيح كان 15 نيسان أول
العيد . وأن المسيح له المجد قدس سر جسده ودمه
الاقدسين على الفطير ، فنوردها هنا مع الرد عليها :
أولا :
جاء فى انجيل متى ((
وفى أول أيام الفطير تقدم التلاميذ الى يسوع قائلين له
: أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح . فقال اذهبوا الى
المدينة الى فلان . وقولوا له المعلم يقول أن وقتى
قريب . عندك اصنع الفصح مع تلاميذى . ففعل التلاميذ
كما أمرهم يسوع وأعدوا الفصح ))
( مت26: 17-19) وفى انجيل مرقس ((
وفى اليوم الاول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح قال
له تلاميذه . أين تريد أن نمضى ونعد لتأكل الفصح الخ
)) ( مر14:
12) وفى انجيل لوقا ((
وجاء يوم الفطير الذى كان ينبغى أن يذبح فيه الفصح .
فأرسل بطرس ويوحنا قائلا اذهبا وأعدا لنا الفصح لنأكل
)) ( لو22:
7 و8) ويستندون على قول متى ومرقس ((
فى أول أيام الفطير ))
وقول لوقا ((
وجاء يوم الفطير))
.
فنرد على ذلك
بأنه لا توجد مناقضة بين انجيل وآخر . ولا بين آية
وغيرها ، ولا يمكن أن يخالف انجيلى نفسه أو غيره .
وهذا أمر مسلم به عند جميع المسيحيين . وقد أثبتنا
فيما سبق أن الانجيليين الثلاثة متى ومرقس ولوقا
يصرحون أن يوم الجمعة كان استعداد الفصح لا يوم الفصح
. وأن اليهود فى ذلك اليوم كانوا يشترون ويعملون يوم
الجمعة أعمالا لا تجوز مطلقا فى اليوم الاول من العيد
، مثل شراء حقل الفخارى ، وشراء يوسف كتانا ، وذهاب
سمعان القيروانى الى الحقل ، وتسخيره حمل الصليب . وان
ظهر الجمعة أطلق باراباس اللص قبل أن يدخل العيد وغير
ذلك . فمن المستحيل أن يناقض الانجيليون أنفسهم ، ومن
المستحيل أيضا أن يناقضوا أخاهم يوحنا الانجيلى الذى
يصرح ان قبل الفصح صنع يسوع العشاء السرى . وأن اليهود
صباح الجمعة لم يكونوا أكلوا الفصح ، بل كانوا مستعدين
لأكله ، وأن يوم ذلك السبت كان عظيما لوقوع اليوم
الاول من الفطير فيه .. الخ . فاذن لابد أن نبسط الغرض
والمعنى فى قول الانجيليين ونوضحه بأجلى بيان .
أما قول لوقا
(( وجاء
يوم الفطير ))
فهو بمعنى ((
قرب))
لأن الأمور المقرر وقوعها فى وقت معين يقال عنها جاءت
أو بلغت اذا كان هذا الوقت قريبا جدا . ففى يوم الجمعة
العظيمة أو يوم السبت عندنا نحن المسيحيين يصح أن يقال
(( جاء عيد
الفصح ))
أى صار قريبا جدا لا أنه جاء حقيقة ، وهكذا قصد لوقا
كما يتضح من نفس قوله ((
واعد لنا الفصح لنأكله ))
لأن الاستعداد يكون قبل دخول العيد لا بعده ، وهذا ما
قاله القديس يوحنا ذهبى الفم فى شرحه كلام لوقا ((
وجاء يوم الفطير الذى ينبغى أن يذبح فيه الفصح يعنى
أنه كان قريبا على الابواب لا أنه أتى ))
( تفسير متى 26: 17) .
أما كلام
الانجيلى متى فى اليونانى فهو ( تى بروتى تون أزيمون )
وتعريبه ((
وفى أول الفطير ))
وقول مرقس ( كى تى أيميراتون أزيمون ) وتعريبه ((
وفى أول يوم الفطير ))
فلفظة ((
بروتى ))
التى تعريبها ((
أول ))
تأتى أحيانا فى اللغة اليونانية بمعنى ((
قبل ))
، وقد وردت مرارا فى شعر هوميروس أعظم شعراء اليونان
بمعنى ((
قبل ))
. واليانوس أحد كتبة اليونان المشاهير استعملها بمعنى
(( قبل
)) فى قوله
(( أى
بروتى موتافتا انيخنيفساندس نى ))
وتعريبه ((
الذين قبلى بحثوا هذه الأبحاث ))
فضلا عن أن القديس يوحنا الانجيلى نفسه أوردها فى
الاصحاح الاول من بشارته بمعنى ((
قبل ))
حيث يقول ((
أوتى بروتوس مواين ))
اى ((
الذى يأتى بعدى أنه كان قبلى ))
( يو1: 15) وفى
لغتنا العربية تأتى ((
أول ))
أحيانا بمعنى قبل نحو ((
أول من أمس ))
أى قبل أمس . فقول متى ومرقس ((
وفى أول أيام الفطير ))
يقصد به ((
قبل الفطير ))
كما يتبين من قولهم أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح .
وقد شرح
كثيرون من اللاهوتيين بأن الفصح الذى صنعه مخلصنا ليس
هو الفصح اليهودى القديم ، بل هو الفصح الجديد الذى
أشار اليه المخلص بقوله ((
هذا هو دمى الذى للعهد الجديد ))
( مت 26: 28) وبقوله ((
شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتالم
)) ( لو22:
15) فالفصح الناموسى اليهودى ما كان يشتهيه ، لأنه كان
قد أكله معهم مرات ، بل الفصح الجديد ، أى أنه اشتهى
أن يسلمهم فصحا جديدا بعهد جديد . ومن المعلوم أن
مخلصنا وتلاميذه كانوا متكئين فى هذا الفصح ، وكانوا
يشربون خمرا ويغمسون أيديهم فى وما أشبه . فلو كان
الفصح اليهودى لما جاز لهم ذلك ، لأنه يجب أن يأكله
اليهود وقوفا بحمل مجرد مع أعشاب مرة فى يتكئون ولا
يشربون معه خمرا أو غيره . فضلا عن أن الفصح
الاسرائيلى ابتدأ فى ذلك الوقت مساء الجمعة بدء السبت
، والمسيح صنع فصحه مساء الخميس بدء الجمعة . والقديس
يوحنا ذهبى الفم فى شرحه الاصحاح 26 من بشارة متى ظن
أن فى مساء الخميس بدء الجمعة حينما صنع المسيح العشاء
كان قد دخل الفصح اليهودى . ولكنه عندما شرح انجيل
يوحنا غير رأيه بعد أن تحقق وقال فى شرح الاصحاح
الثامن عشر منه ما نصه ((
ان المسيح صنع الفصح قبل بيوم حافظا ذبيحة الى الجمعة
عندما صار الفصح قديما أيضا ))
.
ثانيا :
يزعم الباباويون ان حمل الفصح الاسرائيلى الذى خلص
الاسرائيليين قديما كان رمزا الى المسيح حمل الله
الرافع خطايا العالم . فمن الضرورى أن يذبح المسيح يوم
ذبح الحمل الفصحى الاسرائيلى ، وبما أن المسيح صلب يوم
الجمعة فيكون عيد الفطير يوم الجمعة لا يوم السبت .
ونرد على ذلك بأن هذه الدعوى عليهم لا لهم ، لأن حمل
الفصح يجب أن يذبح مساء اليوم الرابع عشر بدء اليوم
الخامس عشر، ويؤكل تلك الليلة ولا يبقى منه شىء الى
الصباح . فلو كان عيد الفطير يوم الجمعة حين صلب
المسيح لكان ذبح الحمل الفصحى مساء الخميس . والمسيح
ذبح الساعة التاسعة من يوم الجمعة ، وبين مساء الخميس
وعصر يوم الجمعة احدى وعشرون ساعة ، وعلى ذلك يكون
العيد يوم السبت ليذبح الحمل الفصحى الاسرائيلى مساء
الجمعة ، أى وقت ذبح المسيح أو بعده بساعتين ، وحينئذ
يقال أن المسيح والحمل تقدما فى وقت واحد ، فاذن تلك
الدعوى ساقطة .
ثالثا :
يزعمون أن المسيح له المجد لما رافق التلميذين فى
طريقهما الى عمواس يوم قيامته فى عيد الفطير واتكأ
معهما ((
اخذ خبزا وبارك وكسر وناولهما ))
( لو24: 13-45) وعلى ذلك يكون الرب يسوع صنع سر الشكر
بفطير. فندحض هذا الزعم بأن ما عمله مخلصنا فى عمواس
لم يكن سر الافخارستيا :
1-
لأن الرب عمل هذا السر مرة واحدة وسلمه لتلاميذه قائلا
(( اصنعوا
هذا لذكرى ))
وهو غير محتاج أن يذكر نفسه للتلميذين فى طريق عمواس .
وجميع الآباء القديسين متفقون على أن المسيح له المجد
صنع عشاءة السرى مرة واحدة يوم الخميس مساء.
2-
ان المسيح أعطى هذين التلميذين خبزا فقط ولم يعطهما
خمرا ، ومن المعلوم ان هذا السر لا يتم الا تحت
الشكلين الخبز والخمر .
3-
ان المسيح لما ناولهما الخبز لم يقل لهما هذا هو جسدى
كما سماه يوم الخميس ، ليعلم التلاميذ أن القصد من تلك
البركة تقديسه وصيرورته جسدا . أما هنا فاكتفى بأن
بارك وكسر وناولهما ، وقصد بهذه البركة أعجوبة تفتيح
أعين التلميذين ليعرفاه ، أما كونه كسر وبارك فهكذا
اعتاد المخلص ، لأنه أيضا بارك وكسر وأعطى الخمسة
الأرغفة ة والسمكتين ( مت 14، مر6، لو9) فهل قصد بهذه
البركة وهذا الكسر سر الافخارستيا ؟ وهل يصح التقديس
على السمك بدعوى أن المسيح باركه وكسره وأشبع منه
ألوفا ؟ ثم أن ذلك الخبز كان من الشعير كما يشير اليه
يوحنا ( 6: 9) فهل يصح التقديس على خبز الشعير بدعوى
أن المسيح باركه ؟ لقد اعتاد الآباء رؤساء الكهنة
والكتبة أن يباركوا ويكسروا الخبز فى البيوت عند
الارثوذكسيين وعند الباباويين ، فهل هم بذلك يصنعون سر
الافخارستيا ؟ لا شك أن هذا الزعم ساقط من أساسه .
رابعا :
يدعون أن بولس الرسول أشار الى تقديس هذا السر
بالفطيربقوله ((
اذن نقوا منكم الخميرة العتيقة ، لكى تكونوا عجينا
جديدا كما أنتم فطير. لأن فصحنا أيضا المسيح قد ذبح
لأجلنا ))
( 1كو5: 7) .
فندحض هذه
الدعوى بأن الرسول بولس لم يتكلم هنا عن الخميرة
الحسية ،أى أن الخبز المختمر، بل عن الخميرة المعنوية،
أى الخبث والشر، ةفى الآية التى بعدها يقول ((
اذن لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخمير الشر والخبث بل
بفطير الاخلاص والحق))
مشيرا بذلك الى ما كتبه لهم قبل ذلك فى أول الاصحاح عن
الزانى لكى ينزعوه من بينهم . وقال لهم فى العدد
السادس ((
ان خميرة صغيرة تخمر العجين كله ))
، واليك تفسير الكنيسة الكاثوليكية نفسها فى ذلك . قال
الخورى يوسف العلم الكاهن اللبنانى فى كتابه ( تيسير
الوسائل فى تفسير الرسائل صفحة 162) عند تفسيره قول
الرسول هذا ((
أى أبعدوا عنكم خميرة الانسان العتيق الفاسد ، أى كل
خطية ورذيلة . واطردوا من بينكم الزانى المشار اليه ،
لئلا يفسد غيره كما قال الذهبى ، لتكونوا أطهارا
قديسين كما أنتم كذلك . لأنكم بالمعمودية تطهرتم من كل
خطية . فيجب عليكم أن تكونوا هكذا دائما . وكما أن
العجين الفطير يخلو من كل فطير، كذلك أنتم يجب أن
تتنظفوا من كل خطية ))
وقال القديس يوحنا ذهبى الفم فى عظته التى قصد أن يوضح
بها شرف العهد الجديد على العهد القديم ما نصه ((
ان فى العهد القديم كان الكتاب ، ولكن هنا الروح .
هناك التابوت ، وهنا البتول . هناك عصا هرون ، وهنا
الصليب . هناك الحمل ، وهنا المسيح . هناك الفطير،
وهنا الخمير))
وقال القديس أبيفانيوس رئيس أساقفة قبرص ، فى دحضه
بدعة الأبيونيين ، الذين كانوا يتمسكون بالشريعة
الموسوية ويقدمون الفطير فى سر الشكر ((
أنهم يتممون الاسرار اقتداء بالقديسين فى الكنيسة من
الحول الى الحول بالفطير والجزء الآخر بالماء فقط ، أى
أن هؤلاء الهراطقة كانوا يريدون الاقتداء بآباء
الكنيسة القديسين فى تقديم سر الشكر الالهى ، ولكنهم
يريدون ان يتبعوا الانظمة اليهودية فيقدمون بدل الخبز
الخمير فطيرا وبدل الخمر ماء فقط فاستعمال الفطير فى
سر الشكر احياء لبدعة أبوليناريوس وأمثاله .
|