|
((
أما قرأتم أن الذى خلق من البدء خلقهما ذكرا وأنثى .
وقال : من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق
بامرأته ويكون الاثنان جسدا واحدا . اذا ليسا بعد
اثنين بل جسد واحد . فالذى جمعه الله لا يفرقه انسان
)) ( مت
19: 4-6) وقد أكد هذه الحقيقة بولس الرسول بقوله
(( لأن
الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل . ولأن الرجل
لم يخلق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل . غير
أن الرجل ليس من دون المرأة ولا المرأة من دون الرجل
فى الرب . لأنه كما أن المرأة هى من الرجل هكذا الرجل
أيضا هو بالمرأة . ولكن جميع الاشياء هى من الله
)) (
1كو11: 8-12) وقال ((
اذا من زوج عذراءه فحسنا يفعل ))
( 1كو7: 37) كم بالشجب على الذين يحتقرون رباط الزيجة
المقدس ( 1تى 4: 1و2) وقد حذا حذو الرسل جميع الاباء
القديسيين فى اعتبارهم أن الزيجة رباط مقدس مؤسس من
الله تعالى
الفصل الثانى
-
الغاية من الزيجة وتأسيس هذا السر
للزيجة
غايتان الغاية الأولى هى نمو النوع البشرى وحفظه
بالتناسل حسب الأمر الالهى ((
أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض ))
وترتبط بهذه الغاية غاية أخرى وهى نمو وازدياد أعضاء
كنيسة الله
والغاية
الثانية هى التعاون والتعاضد ومساعدة كل من الزوجين
للآخر وفقا لقول الرب :
((
ليس جيدا أن يكون آدم وحده . فاصنع له معينا نظيره
))
ولذلك
خلق الله المرأة من ضلع آدم ليكون بينهما اتحاد طبيعى
ويكون رباطهما قويا ويعيشا كل حياتهما بدون انفصال .
وبعد أن سقط الانسان فى الخطية أضيفت الى الغايتين
المذكورتين غاية أخرى هى تحصين الانسان من الخطية وكبح
جماح الشهوات بالاقتران الشرعى ، ولذلك قال الرسول
(( حسن
للرجل أن لا يمس أمراة . ولكن لسبب الزنا ليكن لكل
واحد أمراته وليكن لكل واحدة رجلها ... ليس للمرأة
تسلط على جسدها بل للرجل . وكذلك الرجل أيضا ليس له
تسلط على جسده بل للمرأة . لا يسلب أحدكم الآخر ))
الى أن قال ((
ولكن أقول لغير المتزوجين وللارامل أنه حسن لهم اذا
لبثوا كما أنا . ولكن أن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا .
لأن التزوج أصلح من التحرق ))
( 1كو7: 1-9)
وبناء على ما
تقدم نرى أن الزواج ناموس مقدس أسسه الله تعالى منذ
البدء وثبته الرب يسوع ورفع شأنه وسر أن يجعله سرا
مقدسا فى كنيسته ، وعلى ذلك نعرفه : بأنه سر مقدس به
يرتبط ويتحد الرجل والمرأة اتحادا مقدسا بنعمة الروح
القدس للحصول على ولادة البنين وتربيتهم التربية
المسيحية . وسمى هذا السر أكليلا بسبب الاكاليل التى
توضع فوق رؤوس العروسين وقت اتمام هذا السر المقدس وهى
رمز الى أكاليل النعمة والمجد والثبات كما هو مذكور فى
صلاة الاكليل
ولم يرد فى
انجيل متى كيف أسس الرب يسوع سر الزواج . كما أنه لم
يرد ذكر أشياء كثيرة غيرها مما صنعه أمام تلاميذه ،
كما روى يوحنا الانجيلى بقوله ((
وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب فى هذا
الكتاب ))
( يو20: 30)
ولقد ارتأى
بعض الآباء أن الرب يسوع أسس سر الزيجة لما حضر عرس
قانا الجليل وباركه بحضوره ( يو2: 1-11) وقال بعضهم
أنه أسسه بخطابه للفريسيين فى الزواج الحقيقى بقوله
(( فالذى
جمعه الله لا يفرقه انسان ))
( مت 19: 3-12) ورأى أخرون بأنه له المجد أسسه بعد
قيامته من الاموات مدة ظهوره لتلاميذه أربعين يوما وهو
يتكلم معهم عن الامور المختصة بملكوت الله ((
أى الكنيسة ))
( أع 1: 3) وعلى كل حال فانه من الثابت من أقوال الرسل
ومؤلفات الآباء والتقليد الشريف أن سر الزيجة قائم فى
الكنيسة منذ تأسيسها . وقال معلمنا بولس بصريح العبارة
فى ( أف ص5) هذا السر العظيم
وقد بين نفس
الرسول واجبات كل من الزوجين بقوله للنساء ((
ايها النساء أخضعن لرجالكن كما للرب . لأن الرجل هو
رأس المرأة كما أن المسيح أيضا رأس الكنيسة وهو مخلص
الجسد ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء
لرجالهن فى كل شىء ))
. وبقوله للرجال ((
أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضا الكنيسة
وأسلم نفسه لأجلها . لكى يقدسها .. كذلك يجب على
الرجال أن يحبوا نساءكم . من يحب امرأته يحب نفسه .
فانه لم يبغض أحد جسدة قط بل يقوتة ويربية كما الرب
ايضا للكنيسة .لاننا اعضاء جسمة من لحمة ومن عظامة.من
اجل هذا يترك الرجل اباة وامة ويلتصق بامراتة ويكون
الاثنان جسدا واحدا . هذا السر عظيم ولكننى أنا أقول
نحو المسيح والكنيسة ))
( أف 5: 22-32)
فمن قول
الرسول هذا يتضح جليا أن رباط الزيجة يصور اتحاد
المسيح بالكنيسة . وعلى هذا المعنى يكون الزواج سرا
عظيما لأنه ما دام رباط الزيجة هو صورة حقيقية فى
جوهره يصوره سريا اتحاد المسيح بالكنيسة ، وهذا
الاتحاد هو بلا ريب مقدس وبرىء من الدنس ، فمن الضرورة
أن نسلم بأن الزيجة أيضا قد تقدست فى الشريعة المسيحية
وامتلأت نعمة بوجه سرى واستوفت السر، وأنها سر من
الاسرار المقدسة . خصوصا وأن الرسول يقول : تخضع
المرأة لرجلها كما تخضع الكنيسة للمسيح ، وأن يحب
الرجل امرأته كما أحب المسيح الكنيسة . فهذه المقابلة
لا محل لها على الاطلاق لو لم ينل الزوجان نعمة خاصة
بسر الزواج
وقال هذا
الرسول فى رسالته الاولى الى أهل كورنثوس ((
المرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيا . ولكن أن
مات رجلها فهى حرة لكى تتزوج بمن تريد فى الرب فقط
)) ( 1كو7: 29) . وهذا يدل على أن الزيجة منذ أزمنة
الرسل كانت تعقد باسم الرب . بمعنى أنها كانت عملا
مقدسا دينيا بخدمة كنيسة منظورة ، مما يدل على أنها
كانت معتبرة سرا مقدسا من أسرار الكنيسة
الفصل الثالث -
اقوال آباء الكنيسة عن سر الزيجة
يظهر من أقوال
آباء الكنيسة اعتبارهم أن الزيجة سر مقدس. قال
القديس اغناطيوس الشهيد ((
يجب على المتزوجين والمتزوجات أن يجروا اتحادهم برأى
الاسقف ، لكى يكون الزواج مطابقا لارادة الله لا بحسب
الشهوة ))
( رسالة الى بوليكربوس فصل 6)
وقال العلامة
ترتليانوس ((
كيف يمكننا أن نعبر عن سعادة الزيجة التى تعقدها
الكنيسة ويثبتها القربان وتختمها البركة ))
( لامرأته 2: 9) وأشار الى أن الزواج سر مثل باقى
الاسرار كالمعمودية والميرون والشركة بقوله ((
ان الشيطان بما أنه يطلب أن يهدم الحقيقة فيقلد
الاسرار الالهية نفسها عند الأمم ، فيعمد بعضا من
اتباعه ويعدهم أن تغفر خطاياهم بالمعمودية ، ويختم
جبهة أضداده ، ويقيم احتفاليا تقديم الخبز ... ويدعو
الكاهن ليبارك الزيجة ))
( فى الهرطقات فصل 4)
وقال
القديس غريغوريوس الكبير ((
ألم تقترن بالجسد بعد ؟ لا تخف من تتميم ذلك فأنت طاهر
والمسئولية على لأنى أنا عقدته وأنا أعطيتك العروس
)) ( خطاب
فى المعمودية فصل 18)
وقال
القديس امبروسيوس
(( اذا كان
من الواجب أن يعقد الزواج بحلة كهنوتية وبركة فكيف
يمكن أن تكون زيجة حيث الايمان مختلف ؟ ))
( رسالة الى ويجبيليوس فصل 7: 19 و23) . وقال ((
اننا نعترف بأن الله هو سيد الزواج وحارسه ولا يطيق أن
يدنس المضجع . فمن يخطىء خطية كهذه يخطىء ضد الله اذ
يخالف شريعته ويسىء استعمال نعمته ، ومتى أخطأ ضد الله
لا يقدر أن يشترك فى السر الالهى ))
( فى ابراهيم 1: 7) .
وقال
القديس اغسطينوس ((
ان قداسة السر لها فى زيجتها ( المسيحية ) قوة أكثر من
قوة ثمرة الأولاد فى الأم ))
( فى الزيجة 18: 21، 24: 32)
وقال
القديس يوحنا ذهبى الفم عند كلامه ضد الاغانى
والاحتفالات غير اللائقة فى الاعراس ((
قل لى لماذا تسمح من بادىء الامر بأن تمتلىء آذان
ابنتك من الشوائب بالاناشيد القبيحة وبذاك الاحتفال
الذى لا محل له ؟ ألست تعلم أن الصبوة سهلة الزلق ؟
لماذا تهتك أسرار الزيجة الموقرة ؟ فانه ينبغى أن ترفض
كل هذه وتعلم ابنتك الحياة منذ البدء ، وتدعو الكهنة
وتعقد اتحاد الازواج بالصلوات والبركات لكى ينمو شوق
العريس وتزداد عفه العروس ، يدخل عمل الفضيلة فى
بيتهما بكل وجه ))
( على التكوين مقالة 48: 6)
الفصل الرابع
-
العمل المنظور فى اتمام السر وفعله غير المنظور
ان العمل
المنظور فى اتمام سر الزيجة يقوم بأمرين جوهريين :
أولهما اقرار كلا العروسين علنا قدام الكنيسة بأنهما
قابلان الزواج بحريتهما التامة ورضاهما المتبادل ،
وتعاهدهما بحفظ الامانة الزوجية الى آخر نسمة من
حياتهما . وثانيهما البركة التى تتم فى العقد وصلاة
الاكليل اللذين يتممهما الكاهن
أما فعل
النعمة غير المنظور فيقوم بأن النعمة الالهية حسب
تعليم الرسول تحول الزيجة الطبيعية الى سر مقدس عظيم
يصور اتحاد المسيح بالكنيسة اتحادا سريا . كما قال
(( هذا
السر عظيم ولكننى أنا اقول من نحو المسيح والكنيسة
)) ( اف 5:
32) .
ولزيادة
الايضاح نذكر :-
ان النعمة
الالهية تقدس رباط الزيجة وتجعله رباطا روحيا لأن
اتحاد المسيح بالكنيسة هو اتحاد روحى مقدس ولذلك يقول
الرسول ليكن الزواج مكرما عند كل واحد والمضجع غير نجس
...( عب 13: 4) ((
لأن هذه هى ارادة الله قداستكم . أن تمتنعوا عن الزنا
. أن يعرف كل واحد منكم أن يقتنى اناءه بقداسة وكرامة
. لا فى هوى شهوة كالامم الذين لا يعرفون الله ، ( 1تس
4: 3-5) وقال يوحنا ذهبى الفم فى مثل هذا
المعنى ((
لأن كل واحد أخذ ما له . فهذا الزواج اذن هو زواج بحسب
المسيح . هو زواج روحى وولادة روحية . لا من دم ولا من
المخاض كما أن ولادة اسحق هكذا كانت . واسمع ماذا يقول
الكتاب المقدس : وقد انقطع أن يكون لسارة عادة كالنساء
. فلم يكن الزواج عن هوى ولا كان زواجا جسديا بل كان
كله روحيا . زواج نفس اتحدت بالله اتحادا يفوق الوصف
كما يعلم هو وحده . ولهذا يقول أن من يلتصق بالرب يكون
روحا واحدا . وانظر كيف يجتهد فى أن يقرن الجسد بالجسد
ويجمع بين الروح والروح ))
( على أفسس مقالة 20: 5) .
أن النعمة
الالهية تساعد على أن يدوم رباط الزيجة غير منفصل كما
أن اتحاد المسيح بالكنيسة هو اتحاد أبدى كما قال الرب
نفسه ((
فالذى جمعه الله لا يفرقه انسان ))
فقد جمع الله بين الزوجين أولا بناموس الزيجة طبيعيا
ثم بنعمته التى منحها للمتحدين بالشركة الزوجية .
أن النعمة
الالهية تساعد الزوجين مدة حياتهما على اتمام الواجبات
المفروضة على كل منهما نحو الاخر حسب النموذج السامى
فى اتحاد المسيح بالكنيسة حسب وصية الرسول القائل
(( ايها
النساء اخضعن لرجالكن .. كما تخضع الكنيسة للمسيح
)) ....
وقوله ((
أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضا الكنيسة
واسلم نفسه لاجلها ))
( اف 5:
22-25) فلو لم تكن فى هذا السر نعمة لكان اقتداء
الزوجين بهذا النموذج يفوق حدودها . فبقوة النعمة اذن
وبمعاضدتها يؤدى كل من الزوجين واجباته نحو الاخر
ويتممان كلاهما مقاصد اتحادهما بالزواج أى الولادة
ببركة الله لنمو أعضاء الكنيسة ، ويعين بعضهما بعضا ،
ويحفظان نفسهما من كل دنس
الفصل الخامس -
الشروط المطلوبة لعقد رباط الزيجة
أن الذين
يتقدمون للاقتران بعقد الزواج ينبغى حسب القوانين
الكنسية الأرثوذكسية :-
أولا :
أن يكون العروسان مسيحيين لأنه بدون الايمان
بالمسيح لا يمكن نيل النعمة الالهية المعطاة بهذا السر
أو بغيره . وعلى ذلك تكون الزيجة مع غير المؤمنين
ممنوعة بالكلية حسب قول الرسول ((
لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين . لأنه أية خلطة
للبر والاثم . وأية شركة للنور مع الظلمة . وأى اتفاق
للمسيح مع بليعال . وأى نصيب للمؤمن مع غير المؤمن .
وأية موافقة لهيكل الله مع الاوثان ))
( 2كو6: 14-16) .
ثانيا :
أن يكونا أرثوذكسين لأنه لا وجه لنوال غير
الأرثوذكسيين اكليلا أرثوذكسيا من يد كاهن أرثوذكسى
قبل أن يعترف بالايمان الارثوذكسى . ومتى كان أحد
العروسين غير ارثوذكسى فانه يشترط أن ينضم الى الكنيسة
الارثوذكسية أولا
ثالثا :
أن يكونا بعيدين عن القرابة الجسدية والروحية
المعينة درجاتها من قوانين الكنيسة الأرثوذكسية
رابعا :
أن يكونا راضيين وقابلين الزواج بتمام الحرية والارادة
المطلقة . لأن طبيعة رباط الزواج حسب قول الرب هى أن
يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان
جسدا واحدا ، فاتحاد كهذا بين شخصين لا يمكن اتمامه من
دون الارادة الحرة والمحبة المتبادلة
الفصل السادس -
أوصاف الزيجة المسيحية
للزيجة
المسيحية صفتان :
الأولى :
وحدة الزيجة وهى أن يكون للرجل امرأة واحدة ،
وللمرأة رجل واحد ، أى منع تعدد الأزواج أو الزوجات .
بمعنى أنه لا يجوز زواج رجل مرتبط بامرأة ولا زواج
امرأة مرتبطة برجل
والثانية
: عدم انفكاك هذه الزيجة
أما الصفة
الأولى وهى وحدة الزيجة فتقوم بأن يقترن الرجل الواحد
بامرأة واحدة لا أكثر . وهذه الوحدة تنافى ( أولا )
تعدد الازواج ( ثانيا ) تعدد الزوجات
فالأول وهو اقتران المرأة الواحدة برجال كثيرين فى وقت
واحد ( كما كان عند بعض الامم ) ينافى الشريعة
الطبيعية لما فى هذا التعدد من المخالفة للغاية
المقصودة من الزواج وهى ولادة الأولاد وتربيتهم
التربية الصحيحة ، حيث أن قوة النسل تضعف اذ يقل خصب
المرأة كثيرا عند اقترانها برجال عديدين ، هذا فضلا عن
أن الأولاد فى هذه الحالة يبقون مجهولين ، وعليه يضحى
الالتزام باتقان التربية غير محقق
أما الثانى
وهو تعدد الزوجات أى اقتران الرجل الواحد بنساء عديدات
فيدل على عدم جوازه ما يأتى : -
+ ان الله
تعالى لما خلق آدم لم يخلق له سوى امرأة واحدة وقل
(( لذلك
يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدا
واحدا ))
( تك 2: 24) فلو أراد الله أن يكون للانسان أكثر من
امرأة لخلق له نساء عديدات ، خصوصا وأن الحالة وقتئذ
كانت داعية لزيادة النوع البشرى .وقصد الله ظاهر فى
خلق امرأة واحدة لرجل واحد ، وهذا دليل على أنه سن أن
لا يكون للرجل أكثر من زوجة واحدة .
+ أن
المخلص له المجد فى جوابه على الفريسيين اعلن وحدة
الزيجة ومنع تعدد الزوجات ، اذ أوضح أن الناموس الذى
وضعه الله تعالى عند البدء هو أن تكون امرأة واحدة
لرجل واحد اذ قال انه خلقهما ذكرا وأنثى وأنهما ليسا
بعد اثنين بل جسد واحد وأن موسى اذن لهم بالطلاق
لقساوة قلوبهم ولكن منذ البدء لم يكن هكذا ( مت 19: 4-
8) .
+ أن
الرسول بولس صرح بذلك بقوله ((
ليكن لكل واحد امرأته وليكن لكل واحدة رجلها ... ليس
للمرأة تسلط على جسدها بل للرجل . وكذلك الرجل أيضا
ليس له تسلط على جسده بل للمرأة ... لا تفارق المرأة
رجلها ... ولا يترك الرجل امرأته .. والمرأة مرتبطة
بالناموس ما دام رجلها حيا ))
( 1كو7: 2-5و10و11و39) .
+
ان الله
تعالى أعلن فى العهد القديم كراهته للطلاق وتعدد
الزوجات ، بقول ملاخى النبى ( 2: 14-16) ((
ان الرب هو الشاهد بينك وبين امرأة شبابك التى أنت
غدرت بها وهى قرينتك وامرأة عهدك . فاحذروا لروحكم ولا
يغدر أحد بامرأة شبابه لأنه يكره الطلاق قال الرب اله
اسرائيل ))
.
+ أن تعدد
الزوجات مجلبة لاضرار كثيرة عائلية واجتماعية ، ومدعاة
للشقاق والانقسام . اذ يضر بغاية الزواج وهى السلام
والاتفاق والمحبة فى العائلة لأن الرجل الواحد لا
يستطيع أن يرضى كلا من نساءه وأن يتمم رغبة كل منهن .
وكل امرأة منهن تجتهد أن تميله الى غرضها ومحبتها أكثر
من سواها ، واذا لم يحب نساءه كلهن محبة متساوية تتولد
الخصومات والمشاجرات وينتفى السلام والوفاق من العائلة
. واذا أحب الرجل أحدى نسائه أكثر من غيرها فانه يميل
بالطبع الى أولادها ميلا خاصا . مفضلا اياهم ، مهملا
تربية غيرهم من أولاده ، ولا يخفى ما فى ذلك من
الاضرار على الهيئة الاجتماعية . أضف الى ذلك أن الرجل
الواحد لا يقدر على تأدية الواجب الزوجى الى كل من
نسائه فتصبح تلك النساء معرضات لخطر فقدان العفة .
فاذن تعدد الزوجات مخالف لسنن الزواج ومضر بالعائلة
وبالهيئة الاجتماعية .
والكنيسة مع
تحريمها تعدد الزوجات لا تمنع اعادة الزيجة عن الذين
يريدون أن يتحدوا بزيجة ثانية رجالا كانوا أو نساء بعد
وفاة أحد الزوجين . لأن الموت يحل الرباط بين الزوجين
ولا يوجد اذن مانع لعمل رباط جديد بين متعاقدين ، على
أن بولس الرسول يفضل عدم زيجة الارامل لمن استطاع حيث
يقول ((
ولكن أقول لغير المتزوجين وللارامل أنه حسن لهم اذا
لبثوا كما أنا ولكن ان لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا .
لأن التزوج أصلح من التحرق . وقوله ((
المرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيا ولكن ان مات
رجلها فهى حرة لكى تتزوج بمن تريد فى الرب فقط .
ولكنها أكثر غبطة ان لبثت هكذا ))
( 1كو7: 8و9و39و40) .
قال
القديس اغسطينوس مفسرا آية الرسول فى وصيته
للأرامل ((
من عادة الناي أن يتباحثوا فى مسألة الزواج الثالث أو
الرابع وهلم جرا .وعليه فأجيب باختصار ، لا اتجاسر أن
أشجب شيئا فى مثل هذا الزواج ولا أقدر أن أحدد ما لم
يحدده الرسول نفسه ، فانه يقول ان المرأة مقيدة
بالناموس ما دام زوجها حيا ، ولم يقل الزوج الاول أو
الثانى أو الثالث أو الرابع بل قال ان المرأة مقيدة ما
دام رجلها حيا فاذا مات زوجها تعتق فلتتزوج بمن تشاء ،
لكن فى الرب فقط ، غير أنه أفضل لها ان استمرت على ما
هى عليه . فهل يمكن أن يزاد شىء على هذا الحكم أو
يستثنى منه شىء مما يتعلق بهذا الأمر ؟ لا أعلم ))
الفصل السابع
-
عدم
انفكاك الزيجة
اما الصفة
الثانية للزيجة المسيحية وهى عدم انفكاكها فهى نتيجة
طبيعية للناموس الالهى الموضوع منذ البدء الذى شرحه
الرب يسوع فى تعليمه فقد قال فى خطبته على الجبل
(( وقيل من
طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق وأما أنا فأقول لكم أن
من طلق امرأته الا لعلة الزنى يجعلها تزنى ومن يتزوج
مطلقة فانه يزنى ))
(مت 5: 31و32) ونأتى هنا بأقوال الانجيليين فى هذا
الموضوع
قال
القديس متى ((
وجاء اليه الفريسيون ليجربوه قائلين له هل يحل للرجل
أن يطلق امرأته لكل سبب . فأجاب وقال لهم أما قرأتم أن
الذى خلق من البدء خلقهما ذكرا وأنثى . وقال من أجل
هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون
الاثنان جسدا واحدا . اذا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد
. فالذى جمعه الله لا يفرقه انسان . قالوا له فلماذا
أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق . قال لهم أن موسى
من أجل قساوة قلوبكم اذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولكن من
البدء لم يكن هذا . واقول لكم أن من طلق امرأته الا
بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزنى . والذى يتزوج بمطلقة
يزنى . قال له تلاميذه ان كان هذا امر الرجل مع المرأة
فلا يوافق أن يتزوج . فقال لهم ليس الجميع يقبلون هذا
الكلام بل الذين اعطى لهم ))
( مت 19: 3-11)
وقال
القديس مرقس ((
فتقدم الفريسيون وسألوه . هل يحل للرجل أن يطلق امرأته
ليجربوه . فأجاب وقال لهم بماذا أوصاكم موسى . فقال
موسى اذن أن يكتب كتاب طلاق فتطلق . فأجاب يسوع وقال
لهم من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية ولكن من
بدء الخليقة ذكرا وأنثى خلقهما الله من أجل هذا يترك
الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدا
واحدا . اذا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد . فالذى جمعه
الله لا يفرقه انسان . ثم فى البيت سأله تلاميذه أيضا
عن ذلك فقال لهم من طلق امرأته وتزوج بأخرى يزنى عليها
وان طلقت امرأة زوجها وتزوجت بآخر تزنى ))
( مر10: 2-12) .
وقال
القديس لوقا ((
كل من يطلق امرأته وتزوج بأخرى يزنى وكل من يتزوج
بمطلقة من رجل يزنى ))
( لو16: 18).
وقال بولس
الرسول ((
ام تجهلون ايها الاخوة . لأنى اكلم العارفين بالناموس
أن الناموس يسود على الانسان ما دام حيا . فان المرأة
التى تحت رجل هى مرتبطة بالناموس بالرجل الحى . ولكن
ان مات الرجل فقد تحررت من ناموس الرجل . فاذا ما دام
الرجل حيا تدعى زانية ان صارت لرجل آخر ولكن ان مات
الرجل فهى حرة من الناموس حتى انها ليست زانية أن صارت
لرجل آخر ))
( رو7: 1-3) .
وقال جوابا
عم أسئلة وجهت اليه من أهل كورنثوس ((
وأما المتزوجون فأوصيهم ، لا أنا بل الرب ، ان لا
تفارق المرأة رجلها . وأن فارقته فلتلبث غير متزوجة أو
لتصالح رجلها . ولا يترك الرجل امرأته ))
( 1كو7: 10-11) .
فمن هذه
النصوص المقدسة يتضح أن الزيجة سر مقدس لا ينفك عقد
رباطها الا لسببين : أولهما الموت الذى يجعل الزوج
الحى حرا من رباط الزواج ، وثانيهما الزنا الذى ينجس
رباط الزيجة . كما يتضح من أن الله تعالى منذ البدء
قضى بأن يكون هذا الرباط مقدسا ((
لأن الذى جمعه الله لا يفرقه انسان ))
وعليه فلا يجوز للانسان أن ينقض ما وضعه الله . ولما
اعترض الفريسيون على الرب يسوع بكتاب الطلاق الذى أوصى
به موسى قال لهم ((
ان موسى من أجل قساوة قلوبكم اذن لكم أن تطلقوا نساءكم
. ولكن من البدء لم يكن هكذا ))
وكفى ما قاله آدم معلنا قوة هذه الزيجة ((
هذه الآن عظم من عظامى ولحم من لحمى ))
.
وقد سمح
بالطلاق فى العهد القديم بشروط ، فقد جاء فى سفر
التثنية ((
اذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فان لم تجد نعمة فى عينيه
لأنه وجد فيها عيب شىء ، وكتب لها كتاب طلاق ودفعه الى
يدها وأطلقها من بيته . ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت
لرجل آخر . فان أبغضها الرجل الأخير وكتب لها كتاب
طلاق ودفعه الى يدها وأطلقها من بيته أو اذا مات الرجل
الأخير الذى اتخذها له زوجة لا يقدر زوجها الأول الذى
طلقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجست .
لأن ذلك رجس لدى الرب فلا تجلب خطية على الأرض التى
يعطيك الرب الهك نصيبا ))
( تث 24: 1-4) ويحذر سفر اللاويين على الكاهن أن يتزوج
من امرأة مطلقة من زوجها لأنه مقدس لالهه . أما
الاقتران بامرأة مطلقة فكان مباحا لغير الكاهن .
وكان الطلاق
مكروها من الله كما يستدل من قول الرب على لسان ملاخى
النبى ((
ان الرب هو الشاهد بينك وبين امرأة شبابك التى أنت
غدرت بها وهى قرينتك وامرأة عهدك فاحذروا لروحكم ولا
يغدر أحد بامرأة شبابه لأنه يكره الطلاق قال الرب اله
اسرائيل ))
( ملا 2: 14و15)
ويظهر مما
تقدم :
(1)
ان الطلاق كان مباحا للرجل دون المراة
(2)
انة لم يكن جائزا للرجل ان يطلق امراتة اذا كان قد دخل
بها قبل ان تزوجها ،او اذا كان قد اشاع عنها سمعة
قبيحة ولم تكن الاشاعة صحيحة (راجع تث 19:22_29)
(3)
انة لم يكن جائزا للرجل ان يطلق امراتة من اجل كل علة
، بل من اجل كل عيب انكرة عليها. ويلزم ان يكون هذا
العيب من نوع الدنس والقباحة كما يستدل على ذلك من
القرائن . وعلى الرجل قبل ان يطلقها ان يكتب لها كتاب
طلاق ويدفعة الى يدها ،دليلا على انها اصبحت حرة
يمكنها ان تعقد زواجا جديدا مع اخر . واذا ابغضها
الزوج الآخر وكتب لها كتاب طلاق او مات ،فليس لزوجها
الاول الذى طلقها ان يعود فياخذها لتكون زوجة له بعد
ان تدنست.قال احد اللاهوتيين ((ان موسى سمح لهم
بالطلاق منعا لشر اعظم وهو قتل الامراة لان اليهود
كانوا ميالين لارتكاب مثل هذه الجريمة )).
اما فى العهد
الجديد فقد اعاد الرب يسوع الزواج الى وضعه الاصلى
الذى وضعه الله منذ البدء . ولذلك لم يبح زواج المراة
المطلقة بسبب الزنا . وقد سارت الكنيسه المسيحيه على
هذا السنن منذ نشاتها حتى اصبح معروفا لدى الجميع ان
الزواج المسيحى لا يقبل الانفكاك الا بالموت ،اوبتلك
العله التى تدنس رباط الزيجة .
قال
القديس أكليمنضس الاسكندرى ((
ان الكتب المقدسة بنصائحها عن الزواج وبمنعها المفارقة
منعا قطعيا قررت هذه الشريعة أن لا تهجر امرأتك الا
لعلة الزنا . وتعتبره زواجا زنائيا كل زواج يعقده أحد
المفترقين ما دام الآخر على قيد الحياة .. لأنه كتب من
تزوج مطلقة فقد زنى ))
( الكتاب المسمى استروماتا ك 2ف23) .
وقال العلامة
أوريجانوس ((
ان سماح بعض رؤساء الكنائس بأن المرأة تتزوج برجل آخر
فى حياة زوجها مضاد لشريعة الكتاب المقدس . لأنهم
خالفوا ما كتب . أن المرأة مرتبطة ما دام رجلها حيا .
فمن ثم ما دام رجلها حيا ان صارت لرجل آخر فانها تدعى
زانية . ولكن لا يخلو عملهم هذا من عذر لأنهم ربما
تساهلوا بمخالفة الشريعة المسطرة والمقررة من البدء
منقادين لارادة الغير تلافيا لشرور أعظم ))
( فى شرحه انجيل متى كتاب 14) .
وقال
القديس أمبروسيوس ((
لا يجوز لك وزوجتك حية أن تقترن بغيرها . لأن اقترانك
بزوجة ثانية وأنت مقيد بزوجة لهو زنا حقيقى ))
( ك1 على ابراهيم فصل 7) .
وقال
القديس أغسطينوس ((
أنها لشريعة تعلمها الكنيسة أنه لا يجوز أن يترك الرجل
امرأته العاقر ليأخذ امرأة أخرى كثيرة النسل فمن يفعل
ذلك يجرم بالزنا فى حق الشريعة الانجيلية ))
( مقالة فى الزواج ك1 فصل10 عدد 11)
وقال
القديس غريغوريوس الثاولوغوس ((
أن شريعتنا تحرم الطلاق وان كانت الشرائع المدنية تحكم
بخلاف ذلك ))
( فى رسالته الى أولمبيوس ) .
سئل
القديس تيموثاوس البطريرك الثانى والعشرون من
بطاركة الاسكندرية ان كانت امرأة مبتلية بروح شرير
بهذا المقدار حتى أنها تربط بسلاسل وأغلال ويقول زوجها
اننى ما أقدر أن أضبط ذاتى ويريد أن يتزوج غيرها . هل
يجو له أن يأخذ غيرها أم لا ؟ فأجاب : أن هذا الامر قد
يتداخله فسق كما يبين لى فما عندى ولا أجد ما أجاوب به
عن ذلك ))
.
ومن الرواية
الآتية يتبين شدة تمسك المسيحيين بعقد الزواج وتحريمهم
الطلاق . فقد ذكر جمال الدين القفطى فى تاريخ الحكماء
( صحيفة 159 وابن أبى أصيبعة فى طبقات الاطباء ( جزء
أول صحيفة 124، 125) وابن العبرى فى تاريخه مختصر
الدول ( صحيفة 214) أن أبا جعفر المنصور قال لجورجيس
ابن بختيشوع الطبيب الشهير ( سنة 770 ) من يخدمك ههنا
قال تلامذتى . فقال المنصور سمعت أنه ليس لك امرأة .
فقال : لى زوجة كبيرة ضعيفة لا تقدر على النهوض من
موضعها . ثم انصرف من الحضرة ومضى الى البيعة . فأمر
المنصور خادمه سالما أن يختار من الجوارى الروميات
الحسان ثلاثا ويحملهن الى جورجيس مع ثلثة الآف دينار.
ففعل ذلك . فلما انصرف جورجيس الى منزله عرفه عيسى بن
تهلاقا تلميذه بما جرى واراه الجوارى . فأنكر أمرهن
وقال لعيسى . يا تلميذ الشيطان لم أدخلت هؤلاء الى
منزلى ؟ أردت أن تنجسنى . امض وردهن الى اصحابهن . ثم
ركب جورجيس ومعه عيسى مع الجوارى ومضى الى دار الخليفة
وردهن على الخادم . فلما اتصل الخبر بالمنصور أحضره
وقال لم رددت الجوارى ؟ قال لا يجوز أن يكون مثل هؤلاء
فى منزلى لأننا معشر النصارى لا نتزوج أكثر من امرأة
واحدة . وما دامت المرأة حية لا نأخذ غيرها . فحسن
موقع هذا مع المنصور. وأمر فى الوقت أن يعالج جورجيس
حظاياه وحرمه وزاد موضعه عنده . وهذا ثمرة العفة
)) .
وللطلاق مضار
كثيرة نذكر منها :
أولا
:
انه يضاد الناموس الزوجى وينافى الغاية التى من أجلها
انعقد فيصبح أحد الزوجين به أسوأ حالا من الآخر .
فالرجل لا يفقد من شرفه الا قليلا . أما المرأة فتفقد
شرفها وتضحى محتقرة وبالكاد تستطيع أن تعقد زواجا آخر
جديدا .
ثانيا :
انه يضر بسعادة الزوجين لأنه يزيل المحبة
المتبادلة بينهما ويهدم ما كان قد بناه الزوجان من
الاخلاص مدة سنين طويلة ، وسعادة المحبة وأساسها
الدوام والثبات . والحب الذى بين الرجل وامرأته عظيم
جدا حتى شبه باتحاد المسيح بالكنيسة . اذ يترك الرجل
أباه وأمه ويلتصق بامرأته . فالطلاق ينزع هذا الرباط ،
ويلاشى هذا الاساس المتين ، وينمى الخلاف ، ويكثر
الشقاق ، ويفتح ابواب الشر بين العائلات .
ثالثا :
انه يضر بتربية النسل التربية الصحيحة ، فان
الاولاد فى حاجة الى مساعدة كل من الوالدين ، ليس فى
زمن الطفولة فقط بل مدة الحياة كلها . فان الاولاد بعد
أن يتغذوا ويقتاتوا من ألبان أمهاتهم يحتاجون الى
عناية الآباء . وهم دائما فى شديد الحاجة الى محبة
الأم وعطفها الحلو ، وعنايتها الساهرة ، والى سلطة
الأب وحكمته السامية . وهذا يقتضى اتحاد الزوجين . أما
الطلاق فيفصل هذا الاتحاد ويضر ضررا بليغا بمصلحة
الأولاد . فالى أية جهة يتجه الاولاد ؟ ان لحقوا الأب
خسروا محبة أمهم ، واذا تبعوا الام خسروا سلطان الاب
وعنايته ، وفى كلتا الحالتين خسارة الأخلاق وفقد الصيت
الحسن .
رابعا :
انه
يضر الجماعة لأنه ينزع السلام من العائلات ويلقى
الشقاق بين أفراد الهيئة الاجتماعية . فكما ان بالزواج
تتحد العائلات ، وتنضم بعضها الى بعض ، وتشتد روابط
الحب ووثائق الالفة . فهكذا بعكس ذلك الطلاق فانه
ينشىء الانشقاقات وبه ينتشر البغض وتشتد العداوات .
وهذا كله مما ينزع السلام من المجتمع ويعم الخراب .
أضف الى ذلك أنه يفسد الآداب السليمة اذ فيه نكث
العهود وعدم الوفاء وتصبح غاية الانسان اتباع شهواته
الجسدية .
أما اعتراضات
الذين يصورون تعاسة الزوجين من خصام وشقاق . ويقولون
ان الافضل لمثل هذين الزوجين الانفصال بعضهما عن بعض .
وان يعقد كل منهما عقدا جديدا ، أفضل من تلك الحياة
المملوءة شقاء وتعاسة . فيرد عليهم بأن العقل يقضى
بتفضيل خير الجماعة على خير الافراد ، وخير الجماعة
البشرية يقتضى أن لا يفتح السبيل الى مثل تلك النتائج
السيئة التى تنجم عن الطلاق . فاذا لحق ضرر ببعض
الافراد من جراء صرامة ناموس الزواج ، فليس ذلك مسوغا
لفسخ شريعة من شأنها ايجاد السلام وخير الجماعة وسعادة
المتزوجين . أضف الى ذلك ان الناموس وضع للجماعات وليس
للافراد ، وان هذا الناموس ليس ناموسا بشريا يمكن
تغييره وانما هو ناموس الهى ينبغى الخضوع له . هذه
شريعة قد وضعها الله نفسه ويسوع المسيح شرحها فمن أحق
بأن يصدق ويتبع . المسيح أم هوى القلب البشرى ؟
ففى شريعة
الكمال هذه وفى هذه القداسة يجب أن يصان سر الزواج
حفظا للآداب وضمانا لسعادة الاسرة وتأييدا للعمران
الفصل الثامن -
حالة
البتولية أشرف من حالة الزواج
ان بولس
الرسول الذى شرح سر الزيجة شرحا وافيا وقال عنه ((
هذا سر عظيم ))
وقال ((
ليكن الزواج مكرما عند كل واحد والمضجع غير نجس ))
( عب 13: 4) قد فضل حالة البتولية على حالة الزواج حيث
قال ((
لأنى أريد أن يكون جميع الناس كما أنا . لكن كل واحد
له موهبته الخاصة من الله الواحد هكذا والآخر هكذا .
ولكن أقول لغير المتزوجين وللارامل انه حسن لهم اذا
لبثوا كما أنا ولكن ان لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا .
لأن التزوج أصلح من التحرق وأما العذارى فليس عندى أمر
من الرب فيهن ولكنى اعطى رأيا كمن رحمه الرب أن يكون
أمينا . فأظن أن هذا حسن لسبب الضيق الحاضر، أنه حسن
للانسان أن يكون هكذا . أنت مرتبط بامرأة فلا تطلب
الانفصال . أنت منفصل عن امرأة فلا تطلب امرأة . لكنك
وان تزوجت لم تخطىء . وأن تزوجت العذراء لم تخطىء .
ولكن مثل هؤلاء يكون لهم ضيق فى الجسد . وأما أنا فانى
أشفق عليكم . فأقول هذا أيها الاخوة الوقت منذ الآن
مقصر لكى يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم . والذين
يبكون كأنهم لا يبكون والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون
والذين يشترون كأنهم لا يملكون . والذين يستعملون هذا
العالم كأنهم لا يستعملونه . لأن هيئة هذا العالم تزول
. فأريد أن تكونوا بلا هم . غير المتزوج يهتم فى ما
للرب كيف يرضى الرب . وأما المتزوج فيهتم فى ما للعالم
كيف يرضى امرأته . ان بين الزوجة والعذراء فرقا . غير
المتزوجة تهتم فى ما للرب لتكون مقدسة جسدا وروحا .
وأما المتزوجة فتهتم فى ما للعالم كيف ترضى رجلها ...
اذا من زوج فحسنا يفعل ومن لا يزوج يفعل أحسن . المرأة
مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيا . ولكن أن مات رجلها
فهى حرة لكى تتزوج بمن تريد فى الرب فقط . ولكنها أكثر
غبطة ان لبثت هكذا بحسب رايى ))
( 1كو7: 7-40) .
فمن أقوال
بولس الرسول هذه يتضح أن حالة العزوبة أشرف من حالة
الزواج . وهذه المقابلة ليست مطلقة بل بالنسبة الى
الحالة فى ذاتها لا الى الأشخاص . فقد يوجد اشخاص
متزوجون أفضل من كثيرين ممن يعيشون فى حالة العزوبة .
ولا نقصد المقابلة بين حالة العزوبة والزواج من حيث هو
سر. بل نقصد المقابلة بين حالة البتولية وحالة الزواج
باعتبار كونها حالة لا باعتبار كونها سرا . وليس
المراد بحالة العزوبة الخلو من رباط الزواج ، فقد يتفق
أن تكون تلك الحالة مقرونة بسيرة رديئة ، بل المقصود
هنا بحالة البتولية ، تلك الحالة التى يقضى فيها المرء
حياة نقية طاهرة منزهة عن شهوات الجسد ، وعلى ذلك نقول
أن هذه الحالة أفضل وأشرف من حالة الزواج بالأدلة
الآتية :
أولا :
من تعليم الكتاب فقد قال الله تعالى ((
ولا يقل الخصى ها انا شجرة يابسة . لأنه هكذا قال الرب
للخصيان الذين يحفظون سبوتى ويختارون ما يسرنى
ويتمسكون بعهدى . أنى أعطيهم فى بيتى وفى أسوارى نصبا
واسما أفضل من البنين والبنات . أعطيهم اسما أبديا لا
ينقطع ))
( أش 56: 3-5) وقال الرب يسوع لتلاميذه عندما قالوا ان
كان هكذا أمر الرجل مع المرأة فلا يوافق أن يتزوج
(( ليس
الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطى لهم لأنه يوجد
خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم . ويوجد خصيان خصاهم
الناس . ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لاجل ملكوت السموات .
من استطاع أن يقبل فليقبل ))
( مت 19: 10-12) ولما قال له بطرس ((
ها نحن قد تركنا كل شىء وتبعناك . فأجاب يسوع وقال
الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتا أو اخوة أو أخوات أو
أبا أو أما أو امرأة أو أولاد أو حقولا لأجلى ولأجل
الانجيل . الا ويأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان بيوتا
واخوة وأمهات وأولادا وحقولا مع اضطهادات وفى الدهر
الآتى الحيوة الأبدية ))
( مر10: 28-30) فمن أقوال مخلصنا له المجد يتضح أن
الذين يكرسون ذواتهم بالبتولية ويعيشون بطهارة وقداسة
لأجل اسمه ولأجل الانجيل ، لهم مرتبة رفيعة ، وحالتهم
أفضل من حالة الذين يرتكبون بأمور العالم ، خصوصا وانه
له المجد يبين حالة النفوس فى السماء لأنهم ((
لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله فى
السماء ))
( مت 22: 30) .
قال
القديس ايرونيموس ((
هكذا ينبغى أن نفهم كلام المسيح ... يسرنى أولئك الذين
صاروا خصيانا بارادتهم غير مجبرين . انى بملء الرضى
أقبل فى أحضانى أولئك الذين قد امتنعوا عن الزواج لأجل
ملكوت الله . أولئك الذين لم يريدوا أن يكونوا كما
ولدوا مخصصين ذواتهم لعبادة الله ، ايمانهم عظيم
وفضيلتهم سامية لأنهم صاروا هيكل الله النقى ، لأنهم
قدموا ذواتهم بكليتها ضحية للرب لأنهم حسب قول الرسول
تقدسوا بالجسد والروح ))
( ضد يوفينيانوس ك1 ف7) .
ثانيا :
ان الحالة التى فيها يفضل الخير الروحى على
الزمنى، وخير النفس على خير الجسد ، هى أشرف وأسمى
حالة ، وغاية البتولية هى الخير الروحى لأنها ترذل
شهوات الجسد حتى المسموح بها ، وذلك لأجل محبة الله ،
وغايتها أيضا خير النفس لأنها تعدها للحياة الروحية
والتأمل والصلاة وخدمة الله . أما غاية الزواج فهى خير
الجسد وتكثير النسل البشرى . فحالة البتولية اذا أفضل
من حالة الزواج .
وليست
البتولية حالة مستحيلة كما يظن البعض ، فقد استطاعها
كثيرون عاشوا فى غاية الطهارة ، وتسلحوا بالفضيلة ،
وسلكوا كأنوار فى العالم . نعم انها حالة صعبة
ومستحيلة على الذين ليست لهم دعوة البتولية والذين لا
يستعملون الوسائط اللازمة لحفظها ، ولكنها سهلة على
الذين يهربون من أسباب الخطية ويسلكون بحسب النعمة
ويقمعون شهوات الجسد ويصلبون أهواءهم بالامانة والتعب
والصلاة والصوم والاشغال . ثم يواظبون على العبادة
وتلاوة الكتب المقدسة .
ثالثا :
لا صحة لما يزعمه البعض من أن البتولية لا تساعد
على الخير العام كالزواج ، لأن البتولية تساعد كثيرا
على عمل الخير والمثل الصالح وقهر الشهوات وممارسة
أفعال الرحمة والعناية بالفقراء والايتام والمرضى
وكثيرا ما جلبت خيرا على الجنس البشرى بأعمال التضحية
، ومن نظر الى أعمال الرهبنات وتاريخها المجيد وما
قامت به قديما وحديثا من انشاء المدارس والملاجىء
وأعمال الخير لا ينكر فضلها . فلو كان هؤلاء مقيدين
بقيود الزواج وأثقالة وهموم العائلة والاولاد لكانت
هذه المشاغل عائقا كبيرا لهم عن أداء تلك الاعمال .
أضف الى ذلك
أن النفس التى تكون فى حالة البتولية مجردة من كل شهوة
جسدية تتصرف بملء التصرف فى قواها وتسيرها كيف شاءت ،
وكذلك الجسد وهو فى حالة البتولية يكون غير خاضع
للتحول السريع ويخدم النفس الى أمد بعيد وديعا هادئا
مطيعا
رابعا :
رب معترض يعترض بأن البتولية مخالفة لقول الله
تعالى ((
أكثروا وأثمروا واملأوا الأرض ))
وقوله ((
ليس حسنا أن يكون آدم وحده ))
ــ فنقول أن هذه الاقوال لا تضاد البتولية ولا تنكرها
عندما تكون البتولية غير مضرة بنمو الجنس البشرى فلقد
أراد البارى تعالى نمو الجنس البشرى وتكاثره بواسطة
الزواج ، لكن هل تدعو الضرورة لبلوغ هذه الغاية الى
اشتراك كل فرد من أفراد الجنس البشرى بهذا النمو من
غير استثناء ؟ لعمرى أن ذلك بعيد عن الصواب . والواقع
خلاف ذلك لأن العالم مكتف من النمو وقد كثر عدد
العاجزين عن الزواج طبعا . وعندما قال الله هذه
الاقوال وجهها الى الانسانيين الأولين آدم وحواء ، اذ
لم يكن فى العالم سواهما . وعليهما يتوقف نمو الجنس
البشرى ، فتكاثرهما ونموهما كان واجبا ، واليهما اتجه
أمر الله هذا لا الى عامة الجنس البشرى من غير استثناء
. بل بالعكس يستفاد من ذات الآية أنها وصية آمرة ،
ومجرد كونها آمرة ينفى عنها الشمول العام الذى هو شأن
الوصايا الناهية ، وبالتالى فليست ملزمة فى كل الاحوال
ولكل فرد من الآنام
خامسا :
وأخيرا نرد على الذين يقولون ان القدماء أنكروا
العزوبة وقاوموها ، بأن لا صحة لهذا الكلام فقد كان
كهنة ازيس عند المصريين ملزمين بحفظ العفة ، والعذارى
اللواتى كن مخصصات لخدمة الشمس عند الفرس كن بتوليات ،
وكهنة أثينا وتلامذه ديوجين وأكثر أتباع فيثاغورس وكل
الذين كانوا مكرسين لخدمة آلهة كانوا غير مرتبطين
بزواج . وقد كان فى تراكيا ( من أقاليم مملكة اليونان
) شركة اسمها شركة العزاب . نعم أن ليكورغوس اليونانى
سنة 884 ق. م. طعن فى العزوبة ، وشرائع يوليانوس حتمت
بوضع حد للعزاب والسبب فى ذلك أن أولئك الذين كانوا
يعيشون فى حالة العزوبة ما كانوا يقصدون منها حفظ
نفوسهم بالطهارة والفضيلة ، وانما قصدوا ارخاء العنان
لشهواتهم هاربين من روابط الزواج لئلا تلجم شهواتهم ،
فتلك العزوبة لا تدل الا على فساد الاخلاق ، وشتان
بينها وبين البتولية الطاهرة المقدسة التى نتكلم عنها
|