سر الكهنوت

ارتباط هذا السر بباقى الأسرار وتعريفه

قد بينا فيما سبق أن الاسرار تنشىء النعمة فى النفوس ، وتفيض بركات المسيح على المؤمنين . ولما كان المسيح مخلصنا هو الذى باستحقاقه وموته عنا نلنا جميع النعم ، لزم أن الاسرار تستمد قوتها من استحقاقه هذا ، لأنه هو الذى كفر عن خطايانا ( 1يو2: 2) وهو الذى استحققنا به النعم اللازمة للتبرير والخلاص (( لأنه ان كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد فبالاولى كثيرا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون فى الحياة بالواحد يسوع المسيح . فاذا كما بخطية واحدة صار الحكم على جميع الناس للدينونة هكذا ببر واحد صارت الهبة الى جميع الناس لتبرير الحياة )) ( رو5: 17و18) والمسيح له المجد لم يكن سفيرا ووكيلا كما كان موسى فى العهد القديم ، بل كان باستحقاقاته غير المتناهية منشئا للعهد الجديد وضامنا له ، كما يقول بولس الرسول (( لاحظوا رسول اعترافنا ورئيس كهنته المسيح يسوع . حال كونه أمينا للذى أقامه كما كان موسى أيضا فى كل بيته . فان هذا قد حسب أهلا لمجد أكثر من موسى بمقدار ما لبانى البيت من كرامة أكثر من البيت لأن كل بيت يبنيه انسان ما ولكن بانى الكل هو الله . وموسى كان أمينا فى كل بيته كخادم شهادة للعتيد أن يتكلم به . وأما المسيح فكابن على بيته

 

 

 

وبيته نحن )) ( عب3: 1-6) وفى هذا العهد أقيم المسيح كاهنا الى الأبد على رتبة ملكى صادق ( راجع عب ص7و8) وهو رأس الكنيسة ( أف 4: 15و كو1: 18) فلا نعمة ولا موهبة روحية تستمد الا من استحقاقاته ولا تفاض علينا بركة الا به . وان كل سلطة روحية وكل وسيلة من وسائل النعمة ووسائط الخلاص المودعة فى كنيسته لا تقتبس ولا تصدر الا عن جوده وكرمه . وهذه النعم والبركات التى أودعها مخلصنا فى كنيسته قد أمر خدامه بمباشرتها وأعطاهم سلطانا على توزيعها على المؤمنين . فقد قال له المجد (( دفع الى كل سلطان فى السماء وعلى الأرض . فاذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس . وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به . وها أنا معكم كل الايام الى انقضاء الدهر )) ( مت 28: 18-20) وقال لهم أيضا (( كما أرسلنى الآب أرسلكم أنا . ولما قال هذا نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس . من غفرتم خطاياه تغفر له . ومن أمسكتم خطاياه أمسكت )) ( يو20: 21-23)

ينتج من ذلك أن الرب يسوع أنشأ الاسرار ومنحها ، وشاءت ارادته أن يوزعها فى كنيسته بواسطة خدام أقامهم ووعدهم بأن يكون معهم كل الايام . وقد قال بولس الرسول (( وهو اعطى البعض أن يكونوا رسلا . والبعض أنبياء . والبعض مبشرين . والبعض رعاة ومعلمين . لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح )) ( اف 4: 11و12) .

وهؤلاء الذين يقامون لخدمة الكنيسة وتوزيع نعم الله وبركاته واسراره التى أنشأها يمتازون عن باقى الشعب بهذه الرتبة بمقتضى الترتيب الالهى وينالون هذه الموهبة بواسطة طقس احتفالى بوضع اليد عليهم ، وهذا ما يسمى بسر الكهنوت أو سر الدرجة .

ويراد بهذا السر رتبة الاكليريكيين المكرسين للوظائف المعينة بالكنيسة ، ومنزلة هذه الدرجة تسمو فوق كل سمو لأن ما يتولاه الكاهن من السلطان على غفران الخطايا وعلى تقديم سر جسد المسيح ودمه مما يفوق ادارك العقل البشرى .

وقد عرف بعضهم هذا السر بأنه سر يقلد ولاية روحية ، ويخول نعمة مباشرة الخدم الكنسية كما ينبغى ، وعرفه آخرون بأنه عمل مقدس ، به يضع الاسقف يده على رأس الشخص المنتخب ويطلب من أجله فتنسكب عليه النعمة الالهية التى ترفعه الى احدى درجات الكهنوت ، وتساعده على اتمام واجباته الكهنوتية . وعلى ذلك فان هذا السر لا يخول فقط النعمة بل يخول أيضا السلطان لمباشرة الخدم الروحية الكنسية من اسرار وغيرها، ويدعى هذا السر شرطونية ( أى وضع اليد ) .

الفصل الثانى  - الكهنوت من حيث هو رتبة مختصة بأفراد معينين فى الكنيسة

ان الذين انشقوا عن الكنائس الرسولية لا يعترفون بأن المسيح أقام فى كنيسته وظيفة خاصة أعنى وظيفة الكهنوت ويزعمون أن جميع المؤمنين هم كهنة الله العلى . وهذا مخالف لتعليم الكتاب . وسنبرهن فيما يأتى على أن المخلص له المجد أقام فى كنيسته صفا خصوصيا لهذه الرتبة ، وخول الذين انتخبهم القوة ومنحهم السلطان ليكونوا معلمين وخداما ، وسلم لهم ما سلم من الخدم التى يجب أن يتمموها . ولم يسمح بهذه الوظائف لأحد غيرهم من عامة المؤمنين :-

أولا: ان الرب يسوع اختار بنفسه من بين تلاميذه اثنى عشر تلميذا معروفين بأسمائهم وسماهم رسلا . وقال لوقا الانجيلى (( وفى تلك الايام خرج الى الجبل ليصلى . وقضى الليل كله فى الصلاة لله . ولما كان النهار دعا تلاميذه واختار منهم اثنى عشر الذين سماهم أيضا رسلا الخ )) ( لو6: 12و13) وقال متى الانجيلى (( هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا : الى طريق أمم لا تمضوا والى مدينة للسامرين لا تدخلوا . بل اذهبوا بالحرى الى خراف بيت اسرائيل الضالة ... أكرزوا قائلين انه قد اقترب ملكوت السموات ... ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فاخرجوا خارجا من ذلك البيت أو من تلك المدينة وانفضوا غبار أرجلكم ... من يقبلكم يقبلنى ومن يقبلنى يقبل الذى أرسلنى )) ( مت10) وفى انجيل يوحنا قال لتلاميذه (( ليس أنتم اخترتمونى بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر ويدوم ثمركم )) ( يو15: 16) .

ثم أنه له المجد عين سبعين آخرين أيضا وأرسلهم اثنين اثنين امام وجهه الى كل مدينة وموضع حيث كان هو مزمعا أن يأتى وقال لهم أنا أرسلكم مثل حملان بين ذئاب ... الخ ( لو10: 1-4) .

ثانيا : انه له المجد أعطى هؤلاء الرسل السلطان والحقوق فى تعليم الامم واتمام الاسرار. فقد قال لهم وحدهم (( دغع الى كل سلطان فى السماء وعلى الارض . فاذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس . وعلموهم ان يحفظوا جميع ما أوصيتكم به . وها أنا معكم كل الايام الى انقضاء الدهر )) ( مت 28: 18-20) ولهم وحدهم قال عن سر جسده ودمه الاقديسين (( اصنعوا هذا لذكرى )) ( لو22: 19) وأيضا (( كما ارسلنى الآب أرسلكم أنا . ولما قال هذا نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس . من غفرتم خطاياه تغفر له . ومن أمسكتم خطاياه أمسكت )) ( يو20: 21و22) .

ثالثا : لما أرسل تلاميذه الاثنى عشر والسبعين وأمرهم بالكرازة بالانجيل للخليقة كلها ( مر16: 15) قال لهم (( وها أنا معكم كل الايام الى انقضاء الدهر )) ( مت 28: 20) .

فمن قوله لتلاميذه ها أنا معكم الى انقضاء الدهر، يستدل على حضور المسيح الدائم فى كنيسته ومساعدته لخلفائهم الذين يقومون من بعدهم فى وظيفتهم . أضف الى ذلك أنه امر بطاعتهم واكرامهم وعدم مخالفتهم . فقد قال (( وأية مدينة دخلتموها ولم يقبلوكم فاخرجوا الى شوارعها وقولوا حتى الغبار الذى لصق بنا من مدينتكم ننفضه لكم وأقول لكم انه يكون لسدوم فى ذلك اليوم حالة أكثر احتمالا مما تلك المدينة . الذى يسمع منكم يسمع منى والذى يرذلكم يرذلنى . والذى يرذلنى يرذل الذى ارسلنى )) ( لو10: 10-16) .

رابعا : بعد صعود المخلص الى السماء اجتمع الرسل (( وأقاموا اثنين يوسف الذى يدعى بارسابا الملقب يوستس ومتياس . وصلوا قائلين : أيها الرب العارف قلوب الجميع عين أنت من هذين الاثنين أيا اخترته . ليأخذ قرعة هذه الخدمة والرسالة التى تعداها يهوذا ليذهب الى مكانه . ثم القوا قرعتهم فوقعت القرعة على متياس فحسب من الاحد عشر رسولا )) ( أع 1: 23-26) وذكر فى سفر الاعمال عن الرسل (( وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا لى برنابا وشاول للعمل الذى دعوتها اليه . فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا عليهما الايادى ثم اطلقوهما )) ( أع 13: 2و3) .

خامسا : ان الرسل القديسين أقاموا فى الكنائس التى أسسوها أساقفة وشمامسة ، ومنحوهم موهبة الخدمة بوضع أيديهم عليهم . كما أمروهم أن ينوبوا عنهم فى سياسة الكنيسة ، وخولوا لهم سلطان اقامة الاساقفة والقسوس فى كل مدينة لرعاية شعب الله واتمام الخدمة الالهية .

ففى سفر اعمال الرسل كرسوا شمامسة ووضعوا عليهم الايادى ( أع 6: 4-6) وانتخب بولس وبرنابا قسوسا فى كل كنيسة ثم صليا بأصوام واستودعاهم للرب الذى كانوا قد آمنوا به ( أع 14: 23) وقال بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس (( وما سمعته منى بشهود كثيرين أودعه أناسا أمناء يكونون اكفاء أن يعلموا آخرين ايضا )) ( 2تى 2: 2) (( لا تهمل الموهبة التى فيك المعطاة لك بالبنوة مع وضع أيدى المشيخة )) ( 1تى 4: 14) وقال لتيطس (( من أجل هذا تركتك فى كريت لكى تكمل الامور الناقصة وتقيم فى كل مدينة قسوسا كما أوصيتك )) ( تى 1: 5) وبين لهم المؤهلات الخاصة التى بموجبها ينتخبون الأساقفة والقسوس والشمامسة والاوصاف الخاصة التى تميز المدعوين الى هذه الرتب والقوانين لمكافأة الذين يحسنون الخدمة ( راجع 2تى 2: 2، تى 1: 5-9 ، 1تى 3: 1-10، 5: 9و17و22 ، تى1: 5-16) وقال (( ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضا )) ( عب 5: 4) (( وكيف يسمعون بلا كارز . وكيف يكرزون ان لم يرسلوا )) ( رو10: 14و15) (( فوضع الله اناسا فى الكنيسة أولا رسلا ثانيا أنبياء ثالثا معلمين ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء أعوانا تدابير وأنواع ألسنة . العل الجميع رسل العل الجميع أنبياء . العل الجميع معلمون . العل الجميع أصحاب قوات الخ )) ( 1كو12: 28و30) وأمر الشعب قائلا (( أذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله . انظروا الى نهاية سيرتهم فتمثلوا بايمانهم ... اطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف يعطون حسابا لكى يفعلوا ذلك بفرح لا انين لأن هذا غير نافع لكم )) ( عب 13: 7و17) (( ثم نسألكم أيها الاخوة ان تعرفو االذين يتعبون بينكم ويدبرونكم فى الرب وينذرونكم . وأن تعتبرونهم كثيرا جدا فى المحبة من أجل عملهم )) ( 1تس 5: 12و13) .

سادسا : أن أقوال آباء الكنيسة تدل على هذه الحقيقة ، وتشهد بأن العصور التى تلت عصر الرسل كانت ، فى كل زمان ومكان، فيها هذه الرتبة الرعوية من أساقفة وقسوس وشمامسة .

قال القديس اكليمنضس الرومانى تلميذ بطرس الرسول (( اذ قد اخذ الرسل معرفة كاملة بما سيكون بعدهم أقاموا الذين سبق ذكرهم ( أى الأساقفة والشمامسة ) وبالوقت نفسه حددوا أمر الخلافة حتى كلما رقد واحد منهم يخلفه فى الخدمة رجال آخرون مختبرون )) ( رسالة 1: 44) وقال القديس أغناطيوس تلميذ يوحنا الرسول (( ان الأساقفة قد أقيموا فى جميع أماكن الأرض بحسب مشيئة يسوع المسيح )) ( رسالته الى أفسس ) وقال القديس ايريناوس (( أنه يمكنا أن نذكر الذين أقامهم الرسل أساقفة فى الكنائس وخلفاءهم أيضا بأسمائهم ، الى أيامنا الذين لم يعلموا شيئا البتة ولم يروا شيئا مما تصوره الهراطقة ، لأنه اذ عرف الرسل الاسرار المكتومة كانوا يظهرونها للكاملين وحدهم دون جميع الآخرين ، فبحق أقوى اذن قد باحوا بها وسلموها للرجال الذين ائتمنوهم على الكنائس نفسها . اذ كانوا يرغبون أن يكون خلفاؤهم المقامون فى رتبهم الخاصة كاملين فى التعليم وبلا لوم من كل الاوجه )) ( ضد الهراطقة 3: 3) وقال (( يجب الخضوع للكهنة الذين أقيموا فى الكنيسة متسلسلين بحسب الخلافة من الرسل ، وأخذوا المواهب الحقيقية بمسرة الآب مع الخلافة الاسقفية . وأما الباقون الذين لم ينالوا الكهنوت بخلافة رسولية وهم يجتمعون خارج الكنيسة حيث اتفق ، فيجب أن نحسبهم أناسا مشبوهين وهراطقة وأردياء وعصاة ومتعجرفين ومتكبرين ومرائين ، وانهم لا يتعاطون ذلك الا محبة فى الربح والمجد الفارغ )) ( ضد الهراطقة 4: 26) وقال القديس كبريانوس (( نحن خلفاء الرسل ومدبرو كنيسة الله عينها )) وقال أيضا (( ان سلطان حل الخطاة أعطى للرسل وللكنائس التى هم أسسوها اذ أرسلوا من الله وللأساقفة الذين خلفوهم بحسب ترتيب النيابة )) ( رسالة 25) وقال أيضا (( ان الشعب المتحد مع الكاهن والقطيع الخاضع لراعيه يشخص الكنيسة ولهذا يجب أن تعلموا أن الاسقف بالكنيسة والكنيسة بالأسقف ، ومن لم يكن مشتركا مع الأسقف فليس فى الكنيسة البتة )) ( رسالة 69: 8) .

وقال القديس غريغوريوس الثاولوغوس (( ان فى الجسد قسمين قسم يسوس ويرأس ، وقسم يساس وينقاد . وهكذا فى الكنائس أيضا . فان الله قد رتب أن يكون هؤلاء المحتاجون الى أولئك ملازمين واجباتهم التى عرفوها بالقول والمثال ويلبثوا رعية مرؤوسة ، وأما الاخرون فلانهم أعلى رتبة بفضائلهم ، ومقربون من الله أكثر منهم فقد رتب أن يكونوا رعاة ومعلمين لكمال الكنيسة . وان يحفظوا نحو أولئك التناسب الذى بين النفس والجسد ، وبين العقل والروح ، حتى يكون كلا الامرين أعنى نقص الرعية وفضل الرعاة شبيهين بالاعضاء فى الجسد ومتحدين كواحد ومنضمين ومرتبطين برباط الروح ، فيؤلفان جسما واحدا فقط كاملا ولائقا حق اللياقة بالمسيح رئيسنا )) ( خطاب 3) .

وقد كتب القديس أوسيوس أسقف قرطبة الى الملك قسطنت ما نصه : (( لا تتداخل فى الامور الكنسية ولا تأمرنا بها ، بل أحرى بك أن تتعلمها منا ، لأن الله سلمك الملك ، وأما الكنيسة فقد استودعت لنا نحن . وكما أن من يختلس الملك منك يقاوم الله الذى رتب ذلك ، هكذا خف من أن تجرم جرما كبيرا بأن تختلس لنفسك ما يخص الكنيسة ، فانه مكتوب : اعطو ما لقيصر لقيصر وما لله لله )) ( ذكره القديس أثناسيوس فى تاريخ الاريوسيين عدد 44) .

وقال القديس اغسطينوس عند كلامه عن الملاك الذى ظهر لكرنيليوس قائد المئة (( كل هذه الاشياء ( أى التعليم والتعميد ) كان ممكنا أن تتم بواسطة الملاك . ولكن لو كان الله لا يريد أن يعلن كلمته للبشر بواسطة البشر أنفسهم لاضحى الطبع البشرى زريا وساقطا ، هذا فضلا عن أن المحبة تربط البشر بعضهم ببعض وتوجب عليهم أن يتعلموا بعضهم عن بعض )) ( فى مقدمة التعليم المسيحى عدد 6) .

سابعا : شهادة التاريخ . فقد شهد المؤرخ موسهيم البروتستانتى قائلا (( لا ريب بأنه كان للكنيسة خدام عامة وشمامسة منذ أول تأسيسها لانه لا يمكن ان يقوم اجتماع بدون خدامه ولا سيما كتلك الاجتماعات التى كانت فى الكنائس المسيحية الاولى ... واقتدى بمثال كنيسة أورشليم كل الكنائس اطاعة لاوامر الرسل . ومن المعلوم انهم عينوا كذلك شمامسة ( 1تى 3: 8و9) وكان أيضا فى كنائس كثيرة ولا سيما فى كنائس آسيا خادمات عامة وشماسات ... وحينما اتسعت الكنائس وازداد عدد الشيوخ والشمامسة والواجبات المطلوبة اقتضى أن يكون لمجمع الشيوخ رئيس مشهور برزانته وذكائه يوزع على رفقائه أشغالهم المتنوعة ، ويكون كمركز لكل الجماعة ، وهذا كان يسمى أولا ملاكا ( رؤ 2و3) ثم سمى بعدئذ أسقفا ، وهى كلمة يونانية تدل على شغله الاصلى ... فمع هذا كله لم تطل المدة الا وازدادت الأسقفية اتساعا وسطوة لان الأساقفة الذين سكنوا المدن أما باتعابهم واما باتعاب قسوسهم استحدثوا كنائس فى القرى والمزارع المجاورة . وهذه الكنائس استمرت تحت حماية ومناظرة الأساقفة الذين بخدمتهم او عن يدهم قبلت الديانة المسيحية . ورويدا رويدا نشأت ولايات كنائسية سماها اليونانيون بعدئذ أبروشيات ، والذين سلمهم أساقفة المدن سياسة وتعليم كنائس القرى والمزارع دعوا (( تس خورى ابسكوبى )) أى أساقفة المسارح والحقول ، وكانوا فى الرتبة الوسطى بين الأساقفة والقسوس فكانوا دون الأساقفة لأنهم يخضعون لهم وفوق القسوس لأنهم تصرفوا بحكمتهم ونباهتهم وعملوا كل واجبات الأساقفة )) ( موسهيم ك1 قرن1 قسم 2 فصل 2) وقال أيضا (( ان نظام سياسة الكنيسة الذى ابتدأ فى القرن السابق ( الاول ) تقرر وتثبت فى هذا القرن بأكثر همة ونشاط فى كل أجزائه فكان رئيس واحد أو أسقف يتنصب على كل كنيسة من الكنائس ، وتنصيبه عليها باستدعاء عام من كل الشعب ، وكان عليه أن يسهر على مصالح الكنيسة مع الشيوخ الذين لم تتعين كميتهم ويفرض لكل منهم مركزه . وكان تحت رئاسة الأسقف والشيوخ أيضا الشمامسة أو الخدام الذين انقسموا الى رتب اذ لا يمكن أن يقوم شخص واحد بكل مصالح الكنيسة المطلوبة )) ( ك1 قرن 2قسم 2 فصل 2) .

ثامنا : شهادة الكنيسة الأسقفية والبروتستانت . فقد جاء فى كتاب الصلاة العامة للكنيسة الانكليزية فى فصل الكلام على الصورة والطريقة لاقامة ورسامة وتكريس الأساقفة والقسيسين والشمامسة ما يأتى : (( جميع الذين يطالعون الكتاب المقدس ومؤلفات الاقدمين باعتناء يتبين لهم أن درجات الخدام هذه كانت فى كنيسة المسيح فى عهد الرسل وهى الأسقفية والقسوسية والشماسية . وكانت هذه الوظائف تعتبر موقرة دائما . فلم يكن أحد يجترىء على اجراء احداهما الا اذا دعى أولا وامتحن وفحص وعلم أنه متصف بالصفات المطلوبة فكانوا يستصوبون ويقبلون بالصلاة الجمهورية مع وضع الايدى بسلطان شرعى . ولغاية أن تبقى هذه الرتب وتستعمل بالتوقير والاعتبار فى كنيسة انكلترا لا يصح أن يحسب أحد أو يتخذ أسقفا شرعيا أو قسيسا أو شماسا فى كنيسة انكلترا أو يؤذن له فى أن يجرى احدى هذه الوظائف المذكورة الا أن يدعى ويمتحن ويفحص ويقبل على الصورة الاتية، أو يكون قد كرسه قبلا أو رسمه أسقف ما . فلا يقبل احد شماسا الا اذا بلغ سنة ثلاثا وعشرين سنة ، الا ان كان معه اجازة . وكل من يقبل قسيسا لابد أن يكون قد بلغ اربعا وعشرين سنة كاملة . وكل من يرسم أو يكرس أسقفا لابد أن يكون عمره ثلاثين سنة تامة )) ويلى هذا الكلام صورة الرسامة لكل من الدرجات الثلاث . وفى سنة 1891 نشر أساقفة انكلترا باللغة الانكليزية نبذة عن الخلافة الرسولية ترجمت وطبعت باللغة العربية بانكلترا ووزعت فى مصر ، وفى فاتحتها مقدمة بقلم طيب الذكر المتنيح الايغومانوس فيلوثاوس رئيس الكاتدرائية القبطية بمصر جاء فيها (( قد تحفظت البيعة المسيحية فى جميع أنحاء العالم على الثلاث وظائف المذكورة مدة الف وخمسماية سنة بعد المسيح ، انما اكراما للرسل الاولين قد استصوبت عدم استعمال كلمة رسول لخلفائهم . وكانت تسمى رؤساء الاكليروس أساقفة ، وهذا الاسم يعطى فى الانجيل لثانى درجة من الاكليروس أعنى بهم القسوس ( فى 1: 1) وكان محصورا فى الأساقفة حق تكريس آخرين لوظيفتهم أو الوظائف أدنى منها . وكما أن الكهنة المتناسلين من الكهنة الحقيقيين فى الشريعة اليهودية تتألف منهم سلالة هرون ، كذلك تتألف الخلافة الرسولية من الأساقفة والقسوس المسيحيين الذين رسموا لوظائفهم من جيل الى جيل )) .

وقد ورد فى كتاب مصابيح الدعاة فى واجبات الرعاة تأليف القس هنرى جسب الامريكانى ما يأتى خلاصته .

 

      (( الوظيفة الرعوية من مقتضيات الطبيعة الروحية )) .

 

      ولنا على ذلك اربعة ادلة :-

 

1-     ان كل أمر يفتقر اليه البشر يستلزم خدمة أو وظيفة .

2-     انه يتعذر انتظام فرقة من الناس دون متوظفين وأعضاء وقوانين .

3-   أنه لم تخل جماعة على وجه الأرض من وظيفة دينية ، والشاهد على ذلك تواريخ الكلدانيين والمصريين والفرس واليونانيين وما يشاهد فى أيامنا من أمر الهنود والصينيين والبرابرة والوثنيين .

4-  أن لبعض الناس سجايا وخواص ينظر اليه الناس باعتبار واحترام غير اعتياديين تصيرهم رعاة أى رؤساء أو مرشدين للشعب ، وفى ذلك ترتيب الهى لمقاصد خيرية ( فصل1 قسم 1صحيفة 3و4) .

 

الفصل الثالث

 

الكهنوت من حيث هو سر وله طقس خاص

 

      ان المسيح تقدس اسمه أراد أن يقام اكليريكيون ويمتازون عن عامة الشعب بطقس خاص ، يكرسون به لأجل مباشرة الخدم الكنسية ويقلدون به الولاية الروحية على الشعب . وهذا أمر يقتضيه الطبع لأن الاكليريكيين لا يولدون اكليريكيين ، ولا يعينهم الله رأسا ، فمن ثم يقتضى اذن وجود علامة حسية وطقس خاص احتفالى لسيامتهم ، به يعينون على مرأى من الشعب ، وبه يستدل على منحهم هذه النعمة وتقليدهم هذه الولاية .

 

      ويتضح تأسيس سر الكهنوت من الله تعالى مما يأتى :

 

      أولا : من الكتاب المقدس الذى يدلنا على أن الرسل الاطهار فى سفر الأعمال وفى رسائلهم كانوا يتممون هذا السر بوضع أيديهم على المنتخبين لترقيتهم الى الدرجة الكهنوتية ، وقد قال بولس لتلميذه تيموثاوس (( لا تهمل الموهبة التى فيك المعطاة لك بالنبوة مع وضع أيدى المشيخة )) ( أى القسوس ) 1تى 4: 14 وقال له أيضا (( اذكرك أن تضرم أيضا موهبة الله التى فيك بوضع يدى )) ( 2تى 1: 6) .

 

      ومن هذه النصوص يتضح أن فيها كل مقتضيات السر:-

 

1-   علامة حسية وهى وضع الأيادى كما هو مذكور فيما سبق وفى ( 1تى 5: 22، أع6: 6، 13: 3) .

2-           له الوعد بالنعمة أو الموهبة من الله .

3-   الوضع الالهى حسب قول الرب (( أفرزوا لى برنابا وشاول )) ( أع 13: 2) ، (( احترزوا اذا لانفسكم ولجميع الرعية التى أقامكم الروح القدس فيها أساقفة )) ( أع 20: 28) ويقرر بولس الرسول فى رسالته الى أهل أفسس أن الله هو الذى أقام هؤلاء الخدام بقوله (( وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلا والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين الخ )) ( اف 4: 11) ومما تقدم نرى أن المفرزين لهذه الخدمة يكرسون بعمل خاص وينالون نعمة وموهبة خاصة من الروح القدس الذى يقيمهم .

 

      وفى كتاب أعمال الرسل نرى أن بولس وبرنابا بينما كانا يجولان للكرازة فى لسترة وايقونية وانطاكية يشددان التلاميذ (( انتخبا لهم قسوسا فى كل كنيسة ثم صليا بأصوام واستودعاهم للرب )) ( أع 14: 21-23) كذلك الشمامسة الذين اختارهم المؤمنين فقد وضع الرسل عليهم الأيادى ( أع 6: 6) .

 

      ثانيا : أن نظام العناية الالهية يقتضى أن يكون فى الكنيسة قواد ورؤساء يقودون الشعب ، ويسوسونه ويؤدون الخدم اللازمة لهم ، كما يقتضى ذلك نظام كل جماعة بشرية تقلد وظائفها باحتفال خاص وعلامات ظاهرة حسية واذا كانت المعمودية التى هى سر يراد به صيرورة البشر أبناء الله واعضاء فى الكنيسة اقتضى أن تكون سرا حقيقيا بطقس خاص ، فبالأولى كثيرا يليق بهذه الرتبة التى بها يصير بعض المؤمنين قادة لجنود المسيح ومعلمين للايمان وخدمة لباقى الأسرار .

 

      ثالثا : من التقليد : فان القديس أغسطينوس يقول ردا على تعاليم الدوناتيين (( فليفهمنا الدوناتيون لماذا رسم المعمودية لا يمحى ، ورسم الدرجة يمحى حسب اعتقادهم . فان كان كلاهما سرين حقيقين كما هو مقرر عند الجميع ، فلماذا الواحد يبقى والآخر يمحى ؟ )) ( رد على رسالة برمينيون ) وقال القديس باسيليوس (( أما الذين خرجوا عن الكنيسة فلن ينالوا بعد ذلك نعمة الروح القدس عليهم ، لأن منح النعمة قد زال لانقطاع الخلافة لأن الذين خرجوا أولا كانوا قد نالوا الشرطونيات ( وضع اليد ) من الآباء وبوضع أيديهم حصلوا على الموهبة الروحانية )) ( رسالة قانونية أولى قانون 1) .

 

      وقال القديس يوحنا ذهبى الفم (( انظر كيف أن المؤلف لا يذكر شيئا عبثا . لأنه لم يقل كيف شرطن بل قال قولا بسيطا انه شرطن بالصلاة وهذه هى الشرطونية كلها ، اذ توضع اليد على رأس الرجل والله يفعل كل شىء ، ويده هى التى تمس رأس المشرطن اذا شرطن كما يجب ، وأنظر كيف كان بين السبعة ( الشمامسة ) واحد ( استفانوس) مميزا ونال الأولية . فان الشرطونية وان كانت عامة ولكن هذا نال نعمة أكثر، وقبل الآن لم يكن يفعل آيات بل بعد أن نؤدى به ، لكى يتضح أن النعمة وحدها لا تكفى وأن الشرطونية ضرورية معها ، فقد زادت عليهم نعمة الروح القدس وان كانوا قبل الآن مملوئين من الروح غير ان ذلك يشير الى نعمة الحميم فقط )) ( مقالة 14: 3، 15: 1 على سفر الاعمال ) .

 

      رابعا : من شهادة البروتستانت . ان البروتستانت المسيحيين أقروا بأن الاسرار لا يمكن أن يتممها الا القسوس الذين لهم وحدهم هذا الحق . فقد جاء فى نظام التعليم فى علم اللاهوت القويم تأليف القس جيمس انس الامريكانى جوابا على سؤال بمن يختص حق ممارسة المعمودية .أى من له حق أن يعمد ؟ جاء فيه أن (( حق ممارسة المعمودية يختص بالقسوس المعينين قانونيا لوظيفتهم فى الكنيسة المسيحية )) ( جزء 2 صحيفة 420) وقال جوابا على سؤال هل فى الكنيسة وظائف وما هى ؟ (( ان فى كنيسة المسيح وظائف معينة من قبل السيد المسيح له المجد الذى هو رأس الكنيسة الوحيد ، وتلك الوظائف بعضها وقتى وبعضها دائم . فالوظائف الوقتية هو وظائف الانبياء والرسل وليس لها وجود فى الكنيسة الآن ، والوظائف الدائمة بموجب النظام النيابى المار ذكره ثلاث ... وقد سمى التوظف فيها بأسماء مختلفة فى العهد الجديد فمنها قسيس وأسقف وشيخ وناظر وخادم وراع ووكيل سرائر الله ( أع 14: 23، 20: 17و28 ، 1كو 4: 1، فى 1: 1، 1تى 5: 1و19، تى 1: 5، يع 5: 14، 1بط 5: 1-5) .

 

      وجاء فى النبذة المسماة (( الخلافة الرسولية )) السابق ذكرها التى طبعها ونشرها اساقفة انكلترا ما يأتى :-

 

      كل من يدعى بأن يكون قسيسا وراعيا للشعب المسيحى فلابد أن يبنى ادعاءه على أحد الاربعة الاوجه الاتية :-

 

      ( أ) أما أن يدعى أن الله نفسه أرسله مباشرة .

      ( ب) أو أنه تحصل على مأموريته حسب الأصول من قبل الذين أرسلهم الله مباشرة وأعطاهم سلطانا بارسال آخرين كذلك .

 

      ( جـ ) أو يدعى بكونه مختارا ومنتخبا من الجماعة التى يرعاها أو الشركة التى يكون عضوا منها .

 

      ( د) أو أنه يكتفى باعتقاده فى نفسه أنه جدير بأن يكون معلما . ففى الوجهين الأولين فقط يكون مرسلا من الله . ويكون له الحق فى التكلم باسمه ، وفى الوجه الثالث يعتبر مرسلا من الناس، وفى الأخير غير مرسل من أحد بل مرسلا من نفسه ... الى أن قال . والوجه الثانى هو طريقة التوراة فهو مطابق للشريعة والانجيل معا . أما مطابقته للانجيل فهى فى كون الله أرسل الرسل الحقيقيين الشرعيين أولا وفوض لهم تعيين خلفائهم من بعدهم ... وأما مطابقته للشريعة فلأن الله جعل هرون رئيس الكهنة وبنيه كهنة من تحته (( وقرب اليك هرون أخاك وبنيه معه من بين بنى اسرائيل ليكهن لى )) ( خر28: 1) وأمر أن الكهنة ينبغى أن ينتخبوا من عائلة هرون فقط (( وقال الرب لهرون أنت وبنوك وبيت أبيك معك تحملون ذنب المقدس وأنت وبنوك معك تحملون ذنب كهنوتكم . )) ( عدد 18: 1) وحكم بالموت على من يتجاسر على التقلد بهذه الوظيفة من سواهم ((  وأما أنت وبنوك معك فتحفظون كهنوتكم مع ما للمذبح وما هو داخل الحجاب وتخدمون خدمة . عطية أعطيت كهنوتكم والاجنبى الذى يقترب يقتل . )) ( عدد 8: 7) وقد نفذ هذا الحكم فعلا بمعجزة فى قورح وداثان وأبيرام (( وفتحت الأرض فاها وابتلعتهم وبيوتهم وكل ما كان لقورح مع كل الاموال ... وخرجت نار من عند الرب وأكلت المايتين والخمسين رجلا الذين قربوا البخور )) . ( عدد 16: 31و35 ) وهكذا كل رجال عائلة هرون كان ممكنا انتخابهم للكهنوت ولو أنهم بتناسلهم منه كان لهم حق فى الكهنوت غير أنه كان ولا يمكنهم التقرب لهذه الوظيفة الا بعد أن يمسحهم الكهنة الذين قبلهم (( والثياب المقدسة التى لهرون تكون لبنيه بعده ليمسحوا فيها أيديهم )) ( خر29: 29) وبعد هرون بزمن طويل ضرب الرب عزيا الملك يهوذا بالبرص لاقدامه على التبخير فى هيكل اورشليم ( 2 أى 26: 21) .

 

      وبعد أن أثبت مؤلفو تلك الرسالة الكهنوت من العهد الجديد (( ترى الاكليروس المؤلف من الثلاث الوظائف المذكورة وهى الأسقفية والقسوسية والشماسية قائما بأداء وظيفته من بعد موت الرسل )). وذكر ذلك مار أكليمنضس رفيق بولس الرسول وصاحبه ( فى 4: 3) وأيضا ذكرهم مار أغناطيوس تلميذ مار يوحنا أو صاحبه ومار ايرانيوس تلميذ مار بوليكار أحد تلاميذ مار يوحنا الذى مات شهيدا فى سنة 178 للمسيح . وأما مار اكليمنضس فيخبرنا جليا أن الرسل لما تراءى لهم
أنه ستحصل منازعات من جهة رعاية الكنيسة قد استصوبوا وقرروا انتخاب آخرين لينوبوا عنهم وأوصوهم بتعيين خلفاء لهم بعد وفاتهم حرصا على بقاء الخلافة الرسولية . وقد صار اتباع هذا الامر مدة الف وخمسماية سنة عند جميع المسيحيين ما عدا بعض طوائف قليلة العدد والاهمية يعرفون بالبروتستانت )) الى أن قالوا :-

 

      (( بعض البروتستانت يتفقون مع الكنيسة الأسقفية على أن راعى كنيسة الله الحقيقى يلزم أن يتعين ويرسل بواسطة وضع الأيادى من الذين أرسلوا من خلفاء الرسل أنفسهم ويقولون أن الدرجة الثانية من الاكليروس أعنى القسوس أو المشايخ لهم الحق فى وضع الايدى والتكريس مثل الأساقفة . ويبنون على ذلك وجود الخلافة الرسولية عندهم وذلك لأن بعض القسوس أو الشيوخ هم الذين أسسوا الكنيسة البروتستانتية ، فيوجد ثلاثة أجوبة على هذا الادعاء .أولا انه لم يحصل فى الكنيسة فى مدة الف وخمسماية سنة أن أحد من الاكليروس أقل من درجة الأسقف منح رتبة القسوسية أو الشماسية ، وغاية ما هناك كان القسوس يحضرون فى أثناء التكريس علامة على الرضاء العام . ثانيا ولو أنه فى الامكان التوضيح بأن الشيوخ فى الكنيسة القديمة كانوا قادرين على التكريس . ولكن المحقق أنه فى مدة الف وستماية سنة تقريبا قد فقدوا هذه القوة حيث الكنيسة قاطبة الغتها بنوع ما والحالة هذه لا يمكنهم استرجاعها لأنفسهم الا بسماح الكنيسة المذكورة ثالثا أن أكبر كنيسة بروتستانتية فى اسكوتلاندا وهى تعتبر أصل الكنائس البروتستانتية الانكليزية والايرلندية والامريكانية وتأسست فى سنة 1560مسيحية بطريقة الاستقلال بمعرفة شخص يدعى حنا نوكس كان ذلك بدون تعيين قسوس ولا رعاة بواسطة وضع الايدى ولم يحصل ذلك الا بعد مدة من السنين ولم توضع الايدى على أول من انتخبوا لوظيفة القسوسية الذين كان معظمهم من العلمانيين ، وكان يندر وجود قسوس من الكنيسة القديمة بينهم ، وحتى لما فهموا ضرورة وأهمية التكريس بواسطة وضع الايدى كان أغلب لا بل جميع الذين كانوا قسوسا فى الكنيسة القديمة ماتوا . وهكذا فالمكرسون كانوا ممن لم توضع عليهم الايدى ولم يكرسوا أنفسهم . وبناء على ذلك حتى لو صدقنا على ادعاء البروتستانت أن القسوس لهم حق فى التكريس ، فلا يمكن بواسطة ذلك المدافعة عن قسوسهم لأن الذين كرسوهم كانوا علمانيين وليسوا قسوسا كما سبق القول .

 

      (( اما الكنيسة المصرية تحت الخلافة المرقسية الرسولية والكنيسة اليونانية الأرثوذكسية والكنيسة الانكليزية وغيرها من الكنائس الأسقفية فقد حافظت بغاية التيقظ والاعتناء على استمرار الخلافة الرسولية فيها بدون خلل أو عيب ، وفى امكانها أن تثبت أن أساقفتها متسلسلون من وقت المسيح )) .

 

      وقد الف القس ناصر عودة التابع للكنيسة الانكليزية موعظة فى الكهنوت المسيحى فى سنة 1889 طبعت باللغة العربية وفى مقدمتها حكم المطران الانكليزى ج. ف يوبهام بليث مطران الكنيسة الانكليزية فى أورشليم والشرق . قال فى حكمه على تلك الموعظة (( ربما لا يوجد عضو فى الكنيسة يرتاب فى حكم مار ايرونيموس المقدم من الأسقف ورتسورث أن الكنيسة التى ليس لها كهنة ليست بكنيسة )) .

 

      أما هذه الموعظة فهى اثبات لوجود كهنوت مسيحى فى العهد الجديد ، نذكر منها هنا بعض فقراتها :-

 

      ((  أنه مما نلاحظ فى الكتاب نتأكد أنه يوجد بركات مختصة بالخلاص يعطيها الله لنا ، ليس رأسا ، بل بواسطة وسائل النعمة التى قد ثبتها هو ذاته ، والتى قد عين لها البعض من اخواننا بنى البشر خداما ليجروها .

 

      (( الجميع يسلم أن فى ارجاع النفس الى الله ( مثلا ) يستعمل الله غالبا واسطة بشرية . هولا يكرز بالانجيل كما نطق مرة بالناموس بصوته من السماء ، بل يدعو الخطاة للتوبة بصوت اخوتهم رفقائهم فى الخطية . وكما أنه يستعمل الخدمة البشرية فى توبة وارجاع الخاطىء ، هكذا أيضا يستعمل تلك الخدمة فى أمور اخر لها علاقة كلية بخيرنا الروحى .

 

      (( يوجد لنا مثل فى استعمال الله العلامة الخارجية لايصال النعمة الروحية فى اشعياء ص6 حيث ظهر الرب ذاته الى النبى بينما كان يستجد فى الهيكل فتحير وارتبك لأنه نظر اعلان مجد الله فقال : (( ويل لى انى هلكت لأنى انسان نجس الشفتين لأن عينى قد رأتا الملك رب الجنود )) فعند ذلك طار اليه واحد من السيرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقط من على المذبح ومس بها فم النبى ونطق له بهذا الحل . (( ان هذه قد مست شفتيك فانتزع اثمك وكفر عن خطيتك )) .

 

      (( ولا ريب ان اشعياء امن بحصوله على الحل من خطاياه لأنه لما سأله الرب (( من أرسل )) أجابه بكل ثقة (( هأنذا أرسلنى )) : أننا كنا ننتظر أن الله يصرح بهذا الحل للنبى أشعياء بذات صوته الالهى . أو بالحرى يعطيه التأكيد الداخلى على غفران خطاياه لأنه كان معتادا على الاعلانات الالهية . غير أن الله لم يستعمل احدى هاتين الطريقتين بل بالحرى ارتضى عز وجل أن يصرح بهذا الحل بواسطة ملاك ، وأن يستعمل فعلا خصوصيا أى علامة خارجية لتأكيد النبى ، وأكثر من ذلك أنا نرى ان الملاك قد جعل علاقة كلية بين (( انتزاع الاثم )) وبين ذبيحة الهيكل الكفارية التى قد عينت لأنه مس شفتى النبى بجمرة قد أخذها من على المذبح الذى كان يوقد عليه تلك الذبيحة .

 

      (( انى لا أقدم هذه الرؤيا برهانا على الكهنوت المسيحى فى العهد الجديد بل أقدمها كمثال نستنتج منه أن الله يستخدم فعلة ينوبون عنه وعلامات ظاهرة خارجية ليعطى عبيده بركات كالتطهير والغفران . لأنه ان استخدم هذين الأمرين ليبارك على عبده اشعياء الذى منحه اعلانات عن ذبيحة الكفارة الوحيدة كما فى الأصحاح 53 من نبوته ، فكم بالحرى يستخدم هذين الأمرين الآن لأولاد كنيسته الاعتياديين .

 

      (( ولاثبات وجود كهنوت مسيحى فى العهد الجديد لنتكلم عن وجوده فى النظام البطارقى ، والنظام الموسوى ، والنظام المسيحى .

 

      (( أولا : من جهة النظام البطارقى ، فأول ذكر لكاهن نراه فى الآيات الواردة فى ( تك 14: 18-20) (( وملكى صادق ملك شاليم اخرج خبزا وخمرا وكان كاهنا لله العلى . وباركه وقال مبارك أبرآم من الله العلى مالك السموات والأرض ، ومبارك الله العلى الذى أسلم أعداءك فى يدك . فأعطاه عشرا من كل شىء )) .

 

      (( فان وجد انسان على وجه البسيطة لا يحتاج الى بركة من فم انسان نظيره فذلك الانسان هو ابراهيم الذى كان قد ظهر له الرب قبل هذه الواقعة ثلاث مرات ، وكان قد وعده أن فيه تتبارك جميع قبائل الأرض ، فما هى الحاجة لأن يتوسط كاهن بين الله وبين ابراهيم . ومع ذلك كان ابراهيم فى احتياج الى ذلك لأن الله قد عين أن ذلك الكاهن والملك ينبغى أن يبارك من كانت له المواعيد .

 

      (( فمن فعل البركة هذا يظهر لى أن الله لم يمنح شرفا وقدرا لرتبة بشر من كهنة أو خدام بل بالحرى قد صرح بسلطته المطلقة أى أنه يحق له أن يوصل بركاته كيفما اختار)) .

 

      (( ابراهيم كان بنوع خصوصى رمزا الى المسيحى الذى يتبرر بالايمان ويتمسك بالمواعيد . وان كان قد شرفه الله بالتكلم معه مرارا وبتسميته اياه خليله الا أن العناية أرشدت هذا الانسان الى كاهن ليتبارك منه ، ومهما كانت امجاد ذلك الكاهن الرمزية عظيمة الا أنه فى زمان ابراهيم لم يكن معروفا الا ككاهن وملك فى أرض كنعان .

 

      (( فمهما تعلمنا من هذا الخبر نتعلم بلا ريب أمرين أنه مهما كان المسيحى متقدما فى الحياة الروحية ومتمسكا بالمسيح لا يجب أن يدعى أنه أتصل الى درجة لا يحتاج فيها الى نوال البركة ممن قد عينهم الله لايصالها أن مخاطبة الله رأسا للمؤمنين لا تضاد ولا تمنع لزوم مخاطبته لهم بواسطة لايصال بركاته ان كان ذلك بموجب تعيينه الالهى .

 

      (( ثانيا : لنأت الآن الى النظام اليهودى . لا احتياج لتكثير البراهين أنه فى هذا النظام كان الكهنة يوصلون بركات الله للشعب الاسرائيلى ، الأمر المسلم به من الجميع .

 

      (( الله كان قد رتب ان سبطا بين أسباط اسرائيل الاثنى عشر يجب أن يخدمه فى الهيكل . وأهم واجبات خدمته كان عمل الكفارة . كان الله يستطيع أن يغفر خطايا شعبه بدون واسطة الوسائل الظاهرة ولا سيما لأنه كان مزمعا أن يعد ذبيحة كاملة كافية . غير أنه سر أن يعين أن خطايا شعبه لا تغفر الا بتقديم ذبائح معلومة يقبلها الكهنة من الشعب ويقدمونها للرب ...

 

      (( خدم أخرى كانت مختصة بالكاهن : مثل تقديم البخور، والحكم فى تطهير الابرص ، ووضع خبز التقدمة على المائدة بترتيب ، وبركة الشعب باسم الرب ...

 

      (( فمن جهة النظام اليهودى اذن واضح كل الوضوح أن الله عين أن شعبه ينتظرون بركات معلومة عظيمة بواسطة خدمة اخوتهم ...

 

      (( أنه يوجد ثلاث قضايا فى هذا الكهنوت الاستعدادى الى خدمة كهنة نظام العهد الجديد : اختيار الله وتقديسه كل الشعب اليهودى ليكون مملكة كهنة لم يمنعه عن افراز سبط لاوى ليكونوا كهنة له بمعنى خصوصى ، وليجروا أمورا بالنيابة عن أخواتهم لم يسمح لهم الله أن يجروها هم أنفسهم ، وليصلوا بركات معلومة لا ينتظر اعتياديا الحصول عليها الا على يدهم .

 

      (( ومار بطرس حينما يشير الى كهنوت جميع المسيحيين كأعضاء جسد الكاهن الواحد السرى بقوله (( وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكى )) ( 1بطرس 2: 9) أهو لا يعترف بكهنوت المسيحيين العام أكثر مما اعترف بكهنوت الاسرائيليين العام فى النظام اليهودى الذى يشير اليه الله ذاته بواسطة موسى قائلا (( وأنتم تكونون لى مملكة كهنة وأمة مقدسة )) ( خر19: 6) لا بل نقول ان كلام مار بطرس عن المسيحيين ليس الا اقتباسا أو تخصيصا لكلام الله عن اليهود .

 

      (( اذن كون جميع أعضاء كنيسة المسيح كهنة لله لا يناقض مطلقا اختيار الله رتبة معلومة من البشر من وسط كنيسته وجعله اياهم كهنة بمعنى خصوصى ليجروا خدمة لأخوتهم .

 

      (( القضية الثانية التى تستحق الذكر هنا هى : أنه منذ سقوط آدم لم يوجد ولن يوجد الا كاهن واحد حقيقى وهو الرب يسوع ، وكفارة واحدة أى جسده الذى بذل ، ودمه الذى سفك لمغفرة الخطايا .

 

      (( والرسول مار بولس يصرح أن دم الثيران والماعز لا يرفع الخطية ومع ذلك فمما نقرأه فى سفر اللاويين يتضح جليا أن ارادة الله كانت أن شعبه يعتبر تلك الذبائح والمحرقات انها تكفر كفارة حقيقية .

 

      (( وهكذا قال عن المحرقه ( لا 1: 4) (( فيرضى عليه للتكفير عنه )) وعن ذبيحة الاثم يقال ( لا5: 10) (( فيكفر عنه الكاهن من خطيته التى أخطأ فيصفح عنه )) ولا سيما يقال عن ذبيحة الكفارة السنوية ( لا 16: 30) (( لأنه فى هذا اليوم يكفر( الكاهن ) عنكم لتطهيركم من جميع خطاياكم أمام الرب تطهرون )) .

 

      (( لا يمكننا أن نتصور كلمات تصف كفارة حقيقية ذات فاعلية أوضح من هذه الكلمات التى اشرت اليها لأنها تشير الى تطهير لكى يتطهر الساجدون (( أمام الرب )) .

 

      (( والتفسير الوحيد الذى يوفق بين هذه العبارات وبين قول مار بولس عن دم الثيران والماعز انه لا يستطيع ان يرفع الخطية هو أن تلك الذبائح طهرت ليس بقوة فيها هى ذاتها بل لأنها كانت وسيلة معينة لجعل البشر يشتركون على طريقة ما فى الذبيحة الواحدة الكافية للجميع . فتلك الذبائح كانت فعالة للتكفير وطهرت من الخطية ( أمام الرب ) ليس لأن الله رأى فيها هى ذاتها أدنى قوة ، بل لأن قوة الذبيحة الوحيدة كانت منعكسة اليها الى درجة ما .

 

      (( وهكذا الامر فى الكهنة بالمقابلة مع الكاهن الوحيد الذى مزمعا أن يبذل ذاته ، فهم بالمقابلة معه ليسوا بكهنة لأنه لم يوجد ولن يوجد الا الكاهن الوحيد الحقيقى . ولكن بالمقابلة مع اخواتهم الاسرائيليين هم كهنة لأنهم بتعيين الله اجروا بخدمتهم الكفارة وطهروا ايضا ( امام الرب ) ...

 

      القضية الثالثة فى كهنوت العهد القديم التى لها علاقة بالكهنوت المسيحى فى العهد الجديد هى أنه يوجد جملة نبوات فى العهد القديم تشير إلى ملكوت المسيح ، وفى هذه النبوات سبق الروح فصرح جليا أن ( كهنة ) و( لاويين ) سيجرون واجبات وظائفهم المتنوعة تحت حكم داود الروحى العظيم .

 

      ( أ ) ارميا ( 33: 15-22) خصوصا (الاعداد 17و18و 21) فبلا شك أن هذه النبوة تشير الى المسيح والى خدمة كنيسته والذبائح الروحية التى يقدمها الخدمة لا سيما تلك الذبيحة غير الدموية التذكارية أى سر الافخارستيا . وهنا خدمة الانجيل يسمون بذات الاسم الذى تسمى به خدمة العهد القديم .

 

      ( ب) ملاخى ( 3: 3) الروح سبق فقال عن المسيح ملاك العهد (( فيجلس ممحصا ومنقيا للفضة فينقى بنى لاوى ويصفيهم كالذهب والفضة ليكونوا مقربين للرب تقدمة بالبر )) ولا نستطيع أن نفسر هذه النبوة الا عن تنقية المسيح خدمة دين لنفسه من وسط شعبه المسيحى . لأننا أن فسرناها عن كهنوت المسيحيين العام نغلط لأن المراد هو تنقية ليس كل الشعب بل سبط من وسط الشعب وذلك السبط هو السبط المعين لخدمة المقدس . وأما بقية الشعب بجملته فيدعى فى النبوة ( يهوذا وأورشليم ) ( عدد 4) حتى المفسر الشهير ( سكوت ) يسلم أن هذه النبوة والنبوة المذكورة فى ارميا التى مر ذكرها تشيران الى خدمة الدين المسيحى بالامتياز عن كهنوت المسيحيين العام .

 

      أن كان الله لم يقصد فى العهد الجديد أن خدمة الدين يكونون كهنة خاضعين للكاهن الحقيقى الوحيد ، وأن كان الاعتقاد بذلك تجديفا كما يزعم البعض مغائرا لكهنوت المسيح الحقيقى الوحيد ، فلماذا ألهم الله أرميا أن يتنبأ عن خدمة ( كهنة ) تحت حكم ابنه فى العهد الجديد ؟

 

      أن كان الله لم يقصد فى العهد الجديد أن خدمة الدين يكونون كهنة خاضعين لكهنوت ابنه وكهنوت المسيحيين العام فلماذا جعل ملاخى يتنبأ عن ابنه أنه عند مجيئه الى العالم سينقى ليس كل اسرائيل فقط بل بنوع خصوصى ( بنى لاوى ) ــ أى سبطا واحدا من وسط الشعب المقدس ، مفرزا الى خدمة المذبح ، ممتازاً عن اخوته .

 

      ثالثا : لنأت الآن إلى نظام الكاهن الحقيقى الوحيد والذبيحة الحقيقية الوحيدة . هل عين رئيس كهنتنا العظيم خدمة دين . فان كان قد عينهم فما هو المركز وما هى الخدمة التى عينها لهم فى نظامه هذا ؟

 

      فأن اتضح من الانجيل ان المسيح رتب أن خدامه يجب أن يوزعوا فوائد كفارته لاخوتهم أما بواسطة الكرازة أو بواسطة أفعال ذات معنى كالأسرار ، فحينئذ يكون هؤلاء الخدام كهنة حقيقيين كما كان كهنة النظامين اليهودى والبطارقى . لأن الأمر المهم فى هذه المسألة هو ليس الاسم الذى سمى به خدام الانجيل بل الواجبات التى تعينت لهم ..

 

      وهنا افاض المؤلف فى ذكر الآيات الكتابية الدالة على وظيفة الرسل وخلفائهم من بعدهم ، وسلطانهم الكهنوتى الذى منح لهم ومركزهم وخدمتهم التى خصصوا لها كالكرازة والمعمودية واجراء سر الأفخارستيا وتفويضهم حل الخطايا ، وختم كلامه بما يأتى :-

 

      (( علينا أخيرا أن نرى هل كان للرسل سلطان أن يسلموا اجراء هذه الخدمة لغيرهم فان لم يكن لهم سلطان على ذلك فحينئذ يكون أولئك المسيحيون فقط الذين عاصروهم وعاشروهم قد تعمدوا وتناولوا العشاء الربانى وحصلوا على الحل . لأنه لا يجب أن ننسى أن التفويض الأصلى بالكرازة والمعمودية وإجراء خدمة العشاء الربانى وسلطان الربط والحل لم يعط إلا للرسل وحدهم . لأنهم هم وحدهم كانوا حاضرين كما يذكر الإنجيل حين اعطاء ذلك التفويض وفضلا عن هذا توجد كلمات معلومة فى سفر الأعمال يستنتج منها أن التفويض كان محصورا فى الرسل فقط ( أع 1: 2) بالمقابلة مع ( مت 28: 16و18و19، مر16: 14و 15، يو20: 19- 27، أع 10: 40-42) فلو أراد الرب يسوع المسيح أن يفوض كافة المسيحيين إجراء هذه الخدمة لكان على الأقل جمع كل التلاميذ عند اعطائه التفويض أو اعطاه فى وقت اجتماع المائة والعشرين والخمسمائة . ولكنه لم يشأ ذلك بل اراد أن يكون كهنوت مسيحى خصوصى فى كنيسة العهد الجديد كما كان فى كنيسة العهد القديم كهنوت خصوصى بالامتياز عن كهنوت المسيحيين العام . ولذلك الى وقت صعود المسيح كان الرسل وحدهم خدمة الدين الذين فوضوا ليخدموا فى كنيسته .

 

      لأجل دوام هذه الخدمة أعطى المسيح أو الروح القدس الرسل سلطانا ليسلموا إجراء هذه الخدمة بواسطة وضع اليد أى الرسامة .

 

      ووضع اليد هذا كان من أركان النظام المسيحى حتى ذكر مع المبادىء الاولية للتعليم المسيحى أى أساسات الديانة المسيحية ( عب 6: 1-4) .

 

      فكل متوظف فى الكنيسة من الرسل ( أع 13: 2) الى الشماس ( أع 6: 6) افرز إلى خدمة وظيفته بوضع الايدى هذا . لأنه أن كان الرسل فعلوا ذلك فى أمر الشمامسة الذين فوضوا لهم خدمة روحية .

 

      فى الرسائل الرعوية نجد أن وضع اليد لنقل هذا السلطان هو الواسطة المعتبرة لابقاء خدمة خدام الدين فى الكنيسة . فمار بولس يأمر تيموثاوس قائلا (( اذكرك أن تضرم أيضا موهبة الله التى فيك بوضع يدى )) ( 2تيمو 1: 6) وأيضا (( لا تضع يدا على أحد بالعجلة )) ( 1تيمو 5: 22) .

 

      اذا الأمر واضح أن المسيح لم يوكل فقط خداما لإجراء أسمى الخدمات الكهنوتية بل قد عين طريقة أيضا لدوام إجراء تلك الخدمات .

 

      فعليكم اذن أيها الاخوة أن تعتبروا خدمة ووكلاء أسرار الله لا كأنهم يكرزون أو يعمدون أو يجرون سر الشركة المقدسة أو يعملون بسلطانهم ، بل بسلطان المسيح الذى فوض لهم تلك الخدمة، فآمنوا أنهم يخدمونكم بالنيابة عن المسيح واسمه وبحسب ايمانكم يكون لكم .

 

الفصل الرابع

 

رد اعتراضات البليموثيين والاصلاحيين

 

      يزعم البليموثيين والاصلاحييون ، وهم مذاهب حديثة نشأت من البروتستانت . بأن خدم الكنيسة وأسرارها يتممها كل واحد من المؤمنين وينكرون السلطان المعطى لأناس مخصوصين فى الكنيسة . وقد ثبت مما أوردناه فى الفصول السابقة بأن الله تعالى كما قال الرسول (( وضع فى الكنيسة أولا رسلا ثانيا أنبياء ثالثا معلمين ثم قوات ... ألعل الجميع رسل . ألعل الجميع أنبياء . ألعل الجميع معلمون . ألعل الجميع أصحاب قوات )) ( 1كو 12: 28و29) وقوله (( وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلا والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين . لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح )) ( اف 4: 11و12 ) (( ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضا )) ( عب 5: 4) فاذا كان الكل رعاة فأين تكون الرعية . وهل يمكن وجود رعاة حيث لا خراف ولا قطيع غنم . وكل هيئة اجتماعية لا ينظم حالها الا بموجب قانون يديرها . ويلزمها تخصيص البعض القيام بوظائف الخدم اللازمة لتلك الجماعة بناء على الاوامر العالية الصادرة من تلك السلطة الشرعية والا فماذا تكون تلك الهيئة التى يجوز فيها لاى كان من افرادها أن يجلس على منصة القضاء ويصدر الاحكام ويسن الشرائع ويشكل المجالس كما يشاء ؟ ألا تكون الهيئة فوضى عاقبتها الخراب . ألم يعين الله للشعب الاسرائيلى كهنة لتدبير أموره وافرز لهم سبطا خاصا للكهنوت وخصص فى كتابه سفر خاصا بهم . فهل يصح أن يترك المسيح كنيسته بدون تدبير كهذا . هل يعقل أنه يجعلها فوضى يجوز للكل أن يباشروا ما فيها من الخدم الدينية والاسرار الالهية . هذا أمر لا يقبله العقل فكم بالحرى لا تأتيه الحكمة العلوية التى تضع كل شىء بنظام عجيب . فالبليموثيون الذين ينكرون كل سلطة فى الكنيسة ، ويقولون بالمساواة المطلقة ، ويسمون أنفسهم اخوة ولا يسلمون بوجود قسوس ولا وضع يد ، وينادون بأن للجميع الحق فى مباشرة الخدم الدينية على السواء ، يخالفون بتعليمهم هذا العقل والكتاب .

 

      ونأتى هنا بالاعتراضات التى يتذرعون بها فى تعلميهم مفندين اياها :- الاعتراض الأول – يقولون أن الكتاب يدعو كل المؤمنين كهنة بقوله (( كونوا أنتم مبنيين كحجارة حية بيتا روحيا كهنوتا مقدسا لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح ... وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكى أمة مقدسة )) ( 1بط 2: 5و9) وقوله (( الذى أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكا وكهنة لله أبيه )) ( رؤ 1: 5و6) وأيضا قوله (( وجعلتنا لالهنا ملوكا وكهنة )) ( رؤ 5: 10) .

 

      وندفع هذا الاعتراض بأن الكتاب ذكر مرارا بأن المؤمنين هم كهنة ، وهذه الكلمة تأتى فى الكتاب بمعنى حقيقى عن الكهنة خدام الله المكرسين للخدمة ، وبمعنى مجازى عن جميع المؤمنين لأنهم يقدمون لله ذبائح روحية هى صلواتهم وعبادتهم له تعالى . والدليل على ذلك أن بطرس الرسول بعدما دعا المؤمنين (( بيتا روحيا )) وأضاف حالا بأن الله جعلهم (( كهنوتا مقدسا لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله )) تمييزا لها عن الذبائح الحقيقية التى لا يجوز لغير الكهنة تقديمها . خصوصا وأن بطرس الرسول يقتبس هذه الآية من سفر الخروج ( 19: 6) حيث قيلت أولا عن الشعب الاسرائيلى . ومن المعلوم أن هذا الشعب الذى اعلنه الله بأن يكون له مملكة كهنة وأمة مقدسة لم يحصل بأجمعه على الكهنوت الحقيقى الذى اختص به سبط لاوى دون سواه . حتى ان قورح وداثان وأبيرام الغرباء عن الكهنوت عندما تعدوا على الكهنوت فتحت الأرض فاها وابتلعتهم وكل ما لهم فهبطوا أحياء الى الهاوية ( راجع عدد 16: 1-40) .

 

      قال القديس امبروسيوس (( ان كل مؤمن يمسح كاهنا وملكا غير أنه لا يصير ملكا حقيقيا ، ولا كاهنا حقيقيا ، بل ملكا روحيا وكاهنا روحيا يقرب لله ذبائح روحية وتقدمات الشكر والتسبيح )) ( ك4 فى الكهنوت ) . وقال القديس أغسطينوس (( أن الكهنوت الملكى لا يقال عن الأساقفة والقسوس فقط الذين هم فى الواقع وحقيقة الأمر كهنة فى بيعة الله ، ولكن الجميع يدعون مسيحيين بسبب المسحة السرية ، كذلك الجميع يدعون كهنة لأنهم أعضاء كاهن واحد وهو المسيح ، وعنهم قال الرسول أنهم (( أمة مقدسة وكهنوت ملوكى )) ( مدينة الله ك 20فصل 10) .

 

      والبليموثيون أنفسهم يفسرون هذا التفسير ، فقد جاء فى تفسيرهم لسفر الرؤيا المطبوع بالاسكندرية سنة 1910 عند تفسير قوله (( وجعلنا ملوكا وكهنة لله )) رؤ1: 6 ما نصه (( هذه التسبحة تقدم من المؤمنين عندما يسمعون الكلام عن عمل المسيح لأجلهم ، وهذا يصدق على حالتهم الحاضرة لكونهم كهنة لله وقريبين منه بدم المسيح لتقديم السجود والتسبيح للذى دعاهم من الظلمة الى نوره العجيب ( 1بط 2: 9) وهم ملوك أيضا بالقوة لا بالفعل لأنهم طول مدة غياب المسيح فى السماء مضطهدون ومدوسون من العالم . ولكن متى جاء ربهم يصيرون ملوكا معه بالفعل .

 

      الاعتراض الثانى ــ يقولون ان جميع المؤمنين متساوون فى الحقوق وعليه يجوز لهم اداء الخدم المقدسة ومباشرة الأسرار مستندين على قول الرسول (( لأنكم جميعا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع . لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح ليس يهودى ولا يونانى . ليس عبد ولا حر . ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعا واحد فى المسيح يسوع )) ( غل 3: 26-28) .

 

      وندفع هذا الاعتراض بأن الرسول هنا لا يتكلم عن سلطة الخدام ولا مباشرة الأسرار المقدسة . وذلك ظاهر من سوابق الكلام ولواحقه . بل فرض الرسول بيان الحقوق التى للمؤمنين فى الميراث السماوى مهما كانت جنسيتهم ، أن كانوا يهودا أو يونانيين ، ومهما كانت منزلتهم عبيدا أو أحرارا . لأن الجميع صاروا أبناء الله بالإيمان بالمسيح والمعمودية المقدسة ولا فضل لأحد على آخر بل جميعهم اخوة فى المسيح وأعضاء فى جسده ، وهو الرأس . وانهم تساووا من هذه الحيثية فلم يعد لليهودى أن يفتخر على الأممى ، بأنه من ذرية ابراهيم الذى كان له الموعد ، بل الجميع صاروا أولاد أبراهيم بالايمان و ورثة البركة التى وعد الله بأن تكون لهم المسيح . أما عن خدم الكنيسة فقد شرح الرسول فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس المواهب التى وزعها الروح القدس على المؤمنين وختمها بقوله (( وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادا . فوضع الله أناسا فى الكنيسة أولا رسلا ثانيا أنبياء ثالثا معلمين ثم قوات . وبعد ذلك مواهب شفاء أعوانا تدابير وأنواع ألسنة العل الجميع رسل . ألعل الجميع أنبياء . ألعل الجميع معلمون . ألعل الجميع أصحاب قوات . ألعل للجميع مواهب شفاء الخ )) ( 1كو12) .

 

      الاعتراض الثالث ــ يزعمون أن المخلص لم يجعل سلطة فى كنيسته بل جعل الكل اخوة ، وسندهم فى ذلك قوله له المجد (( أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم . فلا يكون هكذا فيكم بل من أراد أن يكون عظيما فليكن خادما ومن أراد أن يكون فيكم أولا فليكن لكم عبدا. كما أن ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فديه عن كثيرين )) ( مت 20: 25-28) .

 

      وندفع هذا الزعم بأن المسيح له المجد أقام فى كنيسته رعاة ومعلمين وآباء وقضاة روحين . ولابد للرعاة من رعية تسمع لهم، وللمعلمين من تلاميذ يتعلمون منهم ، وللآباء من بنين مطيعين ، وللقضاة من مرؤوسين ينفذون أحكامهم ولا ثبات ذلك نورد ما جاء فى الإنجيل ورسائل الرسل فى هذا المعنى . قال الرب يسوع لتلاميذه (( اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس . وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به )) ( مت 28: 19و20) وقال لهم أيضا (( الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا فى السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا فى السماء ( مت 18: 18) (( اقبلوا الروح القدس . من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أمسكت )) ( يو20: 22و23) وقال بطرس الرسول (( اطلب الى الشيوخ الذين بينكم انا الشيخ رفيقهم والشاهد لآلام المسيح وشريك المجد العتيد أن يعلن . ارعوا رعية الله التى بينكم نظارا . لا عن اضطرار بل بالاختيار. ولا لربح قبيح بل بنشاط . ولا كمن يسود على الانصبة بل صائرين أمثلة للرعية . ومتى ظهر رئيس الرعاة تنالون اكليل المجد الذى لا يبلى )) ( 1بط 5: 1-4) وقال بولس الرسول لقسوس أفسس (( احترزوا اذا لأنفسكم ولجميع الرعية التى أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التى اقتناها بدمه )) ( أع 20: 28) وقال لأهل كورنثوس (( لأنه وان كان لكم ربوات من المرشدين فى المسيح لكن ليس آباء كثيرون . لأنى أنا ولدتكم فى المسيح يسوع بالإنجيل )) ( 1كو 4: 15) وقال لأهل غلاطية (( يا أولادى الذين أتمخض بكم أيضا الى أن يتصور المسيح )) ( غل 4: 19) ( راجع أيضا عب 13: 17) ألا ينتج من هذه النصوص المقدسة وجود آباء وقضاة ومعلمين فى الكنيسة أقامهم المسيح لرعايتها وخيرها ؟ أما ما يتذرع به الاخوة البليموثيون من قول السيد لتلاميذه (( من أراد أن يكون فيكم عظيما فليكن لكم خادما )) فهذا ما يفترض وجود أكبر وأصغر فى الكنيسة ومع ذلك يعلمهم المسيح أن لا يكونوا كالأمم فى طلب الرئاسة والعظمة الدنيوية والأبهة العالمية ، وانما يعلمهم أن يكونوا خداما متواضعين مع الرعية . ولا يستعملون سلطانهم لفائدة أنفسهم بل لخير الرعية ، وليعلم الجميع ان العظمة الحقيقية هى فى التواضع والخدمة والتضحية .

 

      الاعتراض الرابع ــ يزعم الاصلاحيون الذين يجيزون تأدية النساء للخدم الدينية أن الكتاب يساعدهم على زعمهم هذا اذ يستندون على قول يوئيل النبى (( انى اسكب روحى على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاما ويرى شبابكم رؤى )) ( يؤ 2: 28) وما جاء فى سفر الأعمال من أنه كان لفيلبس المبشر أربع بنات عذارى يتنبأن ( أع 21: 9) وما قاله بولس الرسول (( أما كل امرأة تصلى أو تتنبأ ورأسها غير مغطى فتشين رأسها )) ( 1كو 11: 5) مستنتجين من ذلك أنه يجوز للنساء الوعظ والتعليم وتأدية الخدم الدينية فى الكنيسة .

 

      ونرد عليهم بأن ظهور النساء فى وسط الرجال لتعليمهم ينافى الحشمة والآداب المسيحية . أما ما يرددونه من الآيات فلا يفيدهم شيئا لاثبات مدعاهم لأن كلمة تنبأ تدل في الكتاب على معنيين أحدهما الاخبار بالمستقبل بوحى الروح القدس ، ثانيهما تفسير الأسرار وتأويل كلام الله . فالامر الاول ليس خاصا بالكهنة، وانما هو هبة تعطى من الله لكثير من خدام الدين . للرجال وللنساء . فداود وايليا وأشعياء وكثيرون غيرهم لم يكونوا كهنة ومع ذلك كانوا يتنبأون ، أى يخبرون عن الأمور المستقبلية بوحى الروح القدس . وهذا ما يشير اليه يوئيل النبى ، وأما النبوة بمعنى تفسير كلام الله والوعظ فى الكنيسة بصورة رسمية لاجل تعليم الشعب ، فهذا مقرر على خدام الدين دون غيرهم . وقد زجر بولس الرسول النساء بأن يصمتن فى الكنيسة ولا ترفع امرأة صوتها فيها بقوله (( لتصمت نساؤكم فى الكنائس لأنه ليس مأذونا لهن أن يتكلمن بل يخضعن كما يقول الناموس أيضا ولكن ان كن يردن أن يتعلمن شيئا فليسألن رجالهن فى البيت لأنه قبيح بالنساء أن تتكلم فى كنيسة )) ( 1كو 14: 34و35) وقوله (( لنتعلم المرأة فى سكوت فى كل خضوع . ولكن لست آذن للمرأة أن تعلم ولا تتسلط على الرجل بل تكون فى سكوت . لأن آدم جبل أولا ثم حواء آدم لم يغو لكن المرأة اغويت فحصلت فى التعدى )) ( 1تى 2: 11- 14) .

 

      ونختم هذا الفصل بايراد ما جاء فى آخر النبذة التى أشرنا اليها سابقا التى وضعها أساقفة الكنيسة الانكليزية لرد الاعتراضات على الخلافة الرسولية وهى كما يأتى :-

 

      (( كثيرون يعارضون فى تعاليم الخلافة الرسولية رغما عما ذكرناه من أقوال الكتاب المقدس فيقولون :

      أولا ــ ان كل المسيحيين هم كهنوت مقدس وجنس مختار ( 1بط 2: 5و9) ( كونوا أنتم أيضا مبنيين كحجارة حية بيتا روحيا كهنوتا مقدسا لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح . وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكى أمة مقدسة شعب اقتناء لكى تخبروا بفضائل الذى دعاكم من الظلمة الى نوره العجيب ) ويبنون على ذلك عدم وجود تمييز بين الشعب المسيحى وأنه لا يوجد اكليروس مخصوص . فالجواب على ذلك أنه هو عين ما قاله قورح لموسى وهارون كل الجماعة مقدسة ( فاجتمعوا على موسى وهارون وقالوا لهما كفاكما . ان كل الجماعة بأسرها مقدسة وفى وسطها الرب فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب ) ( عدد 16: 3) وأن الله قال أنتم لى كهنوت ملوكى ( خر19: 6) (( وأنتم تكونون لى مملكة وكهنة وأمة مقدسة )) . وبنى قورح على ذلك أن له حق فى الكهنوت مثل هارون فعاقبه الله بالموت . ويعلمنا يهوذا الرسول أن كثيرين يرتكبون خطية قورح ( يهو 1: 11) (( ويل لهم لأنهم سلكوا طريق قايين وانصبوا الى ضلالة بلعام وهلكوا فى مشاجرة قورح )) فبناء على هذا لا يمكن أى طائفة من البروتستانت لها رعاة ( ويندر من ليس لهم رعاة ) أن تدافع عن نفسها بهذا الاحتجاج الباطل . وحتى لو فرضنا أن احتجاجهم صحيح فانهم انفسهم يميزون ما بين الرعاة والشعب وما رأيهم فى قول الإنجيل ان المسيحيين يدعون ملوكا وكهنة ( رؤ 1: 6) (( وجعلنا ملوكا وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان )) ( رؤ 5: 10) (( وجعلتنا لالهنا ملوكا وكهنة فسنملك على الأرض )) فهل هذا يعنى أن كل إنسان يعتبر فى منزلة الملك؟

 

      ثانيا ــ يقولون أن السيد المسيح حين رأى تلاميذه يمنعون رجلا غريبا من اخراج الشيطان قال لهم لا تمنعوه (( لأن من ليس علينا فهو معنا )) ( لو9: 50) وعليه فلا وجود للوظيفة الدينية والخدمة حق لكل الناس .

 

      ونجيب :-

 

    1- أن اخراج الشياطين ليس موقوفا على رجال الدين كعمل الرعاية وممارسة الخدمات الكنسية والأسرار، ولكنه هبة من الله للمؤمنين الذين يمارسونها بانكار الذات والعطف على المعذبين . وفى قول السيد لتلاميذه عن الرجل (( لا تمنعوه لأن الذى ليس علينا هو معنا )) . ( لو9: 50) شهادة عن ايمان هذا الرجل واخلاصه . ولو كان محتالا من الطوافين المعزمين لما حياه السيد ولوثب عليه المريض الساكن به الروح الشرير، كما وثب على أولاد سكاوا الدجالين الذين غلبهم وهربوا امامه عراة مجرحين . ( أع 19: 13-16) .

 

      2- حين أمر السيد تلاميذه ان لا يمنعوا هذا الرجل لم يكن السيد قد رتب الكنيسة التى تم نظامها بعد حلول الروح القدس فى يوم البنديقسطى . هذا بالاضافة الى ما قلناه سابقا .

 

      3- ليست الوظائف الدينية سلعا يمكن شراؤها أو اغتصابها لكنها دعوة من الله (( لا يأخذ أحد هذه الوظيفة لنفسه بل المدعو من الله كما هارون أيضا )) . ( عب 5: 4) . أما ظهور واحد كأبلوس على مسرح التعليم والوعظ فلا ينفى موضوع الدعوة للخدمة وقد دعا السيد تلاميذه واختارهم للرسالة وهكذا اعطت الكنيسة السلطان لتقديم خدامها . ولا ننسى أن التلاميذ لما سمعوا بغيرة ابلوس هذا ومحبته قرروا دعوته رسميا . أنظر ( أع 18: 24-28، 1كو 3: 6، 1كو 16: 12) . ومما يذكر أن ابلوس كان يمارس شرح تعليم الرسل كمفسر وهذا واضح من قول بولس الرسول (( أنا غرست وابلوس سقى لكن الله كان ينمى )) ( 1كو 3: 6) .

 

      ثالثا ــ يقولون ولو فرضنا ان الخلافة الرسولية كانت موجودة أنها قد انحلت وتلاشت من زمان طويل وذلك على تمادى الزمن لأنه واضح أنه لو أنكسرت حلقة واحدة من السلسلة فتتلف جميعها . ولابد قد انكسر أكثر من حلقة لسبب أو آخر.

 

      فالجواب (( ان من يتعقل هذه المسألة بتدقيق فلا يقبل دعوى واهية كهذه لأنه قد أخذت كل الاحتياطات اللازمة منذ الابتداء لمنع حصول ذلك . وقد جعلت قاعدة عمومية أنه يلزم وجود ثلاثة أساقفة لقسمة كل أسقف جديد ومع أنه كان واحد يكفى الا أن العادة قد جرت بذلك لكى اذا اجتمع أساقفة لقسمة أسقف جديد وكان اثنان منهم ليسا حقيقيين وكان الثالث حقيقيا فتصبح القسمة صحيحة . أما موت القسوس الذين يكونون قد كرسهم الأساقفة غير الحقيقيين فلا ضرر من ذلك وهكذا استمرت الخلافة الرسولية تتقوى باضافة كل أسقف جديد اليها حتى أنه يتعسر جدا انقراضها فهى لا تشبه سلسلة مركبة من حلقات منفردة اذا انكسرت حلقة منها تنقطع وتتلف بل هى كجديلة مركبة من الآف الحلقات المجدولة بعضها ببعض . أو التى كل حلقة منها ترتبط بثلاث حلقات أخرى أو أكثر بحيث أن تنكسر جملة حلقات بدون أن تتلف الجديلة .

 

      رابعا ــ يقولون انه ليس من الرحمة أن نجحد الطقوس والخدمة من رجال صالحين أتقياء بين قسوس البروتستانت .

 

      فالجواب على ذلك أن هذا هو عين ما يقوله الوثنيون عندما يقال لهم اذا لم تؤمنوا بالمسيح فلا تخلصوا فانهم يجاوبون قائلين ان رحمة الله واسعة ولا تنحصر فى شىء واحد . ولكن المحبة والرحمة الحقيقية هى قول الحق ، واذا كان أناس عندهم نية صالحة ولكنهم يغشون أنفسهم والآخرين بكونهم يتقلدون وظائف لا تخصهم فأعظم شفقة عليهم هى تحذيرهم من ضلالهم . وفى الواقع أن الكنيسة تعتبر رعاة البروتستانت بنفس اعتبارهم لأنفسهم فانهم أولا لا يدعون أنهم مرسلون من الله وثانيا لا يتجاسرون على تقديم ذبيحة جسد المسيح ودمه ، ولا على حل وربط الخطايا . وبما أن هذا هو اعترافهم وعدم ايمانهم بالأسرار وسلطان الكنيسة التى هى من أخض مزايا رتبة القسوسية فقد حكموا بأنه لا حق لهم فى هذه الرتبة الدينية . وهذا لا يمنع أن يأتوا أعمالا خيرية أو يقوموا بتعليم أو بوعظ بطرقهم غير النظامية .

 

      خامسا ــ يقولون حتى ولو سلمنا بأن الخلافة الرسولية هى حقيقية وواضحة فلا يهم وجودها بين الجماعة ما دامت الكرازة بالإنجيل جارية بمعرفة رجال أتقياء ، فالتقوى هى الخلافة الرسولية الحقيقية ولا لزوم لشىء خلافها .

 

      فالجواب على ذلك تقول (( ان الإنجيل يقضى علينا باطاعة المسيح وخدامه عوضا أن نصنع مثل الذين يجمعون لأنفسهم معلمين مستحكة آذانهم ( 2تيموثاوس 4: 3) (( لأنه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح بل حسب شهواتهم يجمعون لأنفسهم معلمين مستحكة مسامعهم )) وهكذا الناس الذين ينتخبون رعاتهم يفضلون أنفسهم على بيعة الله . وأما من جهة التقوى فلا دخل لها فى مادة الأحقية ، فان أولاد عالى رئيس الكهنة كانوا رجالا أشرارا ومع ذلك كانوا كهنة حقيقيين ( 1 صموئيل 2: 12) (( وكان بنو عالى بنى بليعال لم يعرفوا الرب )) وكذلك يهوذا الاسخريوطى كان شريرا ومع ذلك كان رسولا حقيقيا ( يوحنا 6: 70) و(( أجابهم يسوع أليس أنا اخترتكم اثنى عشر وواحد منكم شيطان )) فهل كان يمكن لأحد أن يقيم نفسه كاهنا أو رسولا بدعوى أنه أحسن من حفنى أو فنحاس أو يهوذا الاسخريوطى كلا فانه لا ينتج عن التعدى عمل صالح . نعم قد يكون من بين الخدام أشرارا ولكن لا تقدر التقوى وحدها أن تصير صاحبها راعيا شرعيا وتفرضه على الكنيسة ، كما أن حسن التبصر ومعرفة الشرائع لا تكفيان لجعل رجل قاضيا للمدينة بدون أمر من السلطان . وبناء على ما ذكر لا تقدر التقوى على اغتصاب الوظائف التى لم تمنح حسب الاصول وبالاجمال :-

 

 أولا ـــ    الخلافة الرسولية هى حسب تعاليم الكتاب المقدس .  ثانيا ــــ    الخلافة الرسولية هى عادة اتبعتها الكنيسة بأسرها .

ثالثا ــــ    الخلافة الرسولية ليست ضد الرحمة والمحبة .

رابعا ــ  الخلافة الرسولية تعتبر ضرورية عند كل الذين لا يريدون نسخ الشرائع ولا مقاومة رؤساء كنيسة المسيح .

 

الفصل الخامس

 

درجات الكهنوت الثلاث وترتيبها من الله

 

      يتضح لنا من الإنجيل أن درجات الكهنوت ثلاث : الاولى درجة الأسقف وهى العليا والثانية درجة القس وتخضع للاولى ، والثالثة درجة الشماس وهى الاخيرة .

 

      واليك الأدلة على ذلك :-

 

      أولا ــ من الكتاب المقدس ــ حيث نجد الامتياز الواضح لرتبة الأسقف عن رتبة القس ، فان الرسل الأطهار أعطوا الأساقفة سلطاناً وامتيازا خاصا عن القسوس ، لأنهم منحوهم حق اقامة القسوس ووضع اليد عليهم ، كما قال بولس الرسول لتلميذه تيطس (( من أجل هذا تركتك فى كريت لكى تكمل ترتيب الأمور الناقصة وتقيم فى كل مدينة شيوخا ( قسوسا ) كما أوصيتكم )) ( تى 1: 5) وأمروهم بعدم الاسراع فى وضع اليد (( لا تضع يدا على أحد بالعجلة ولا تشترك فى خطايا الآخرين )) ( 1تى 5: 22) كما أعطوهم حق محاكمتهم حسب قول الرسول لتلميذه تيموثاوس (( لا تقبل شكاية على شيخ ( قس ) الا على شاهدين أو ثلاثة شهود . الذين يخطئون وبخهم أمام الجميع لكى يكون عند الباقين خوف )) ( 1تى 5: 19و20) وأعلنوا حق مكافأتهم (( أما الشيوخ ( القسوس ) المدبرون حسنا فليحسبوا أهلا لكرامة مضاعفة ولا سيما الذين يتعبون فى الكلمة والتعليم )) ( 1تى 5: 17) .

 

      أما تسمية القسوس أحيانا بالأساقفة ، أى رقباء ونظار ومحافظون على الشعب ( لأن كلمة أسقف فى اليونانية (( أبيسكوبوس )) معناها ناظر أو رقيب أو محافظ . وكلمة قس باليونانية (( بريسفيتيروس )) ومعناها شيخ ) فذلك لا يلغى الامتياز الجوهرى بين الرتبتين ، لأن الرسل سموا أنفسهم بتلك الأسماء فقد قال بطرس الرسول (( أطلب الى الشيوخ ( القسوس ) الذين بينكم أنا الشيخ ( القس) رفيقهم )) ( 1بط 5: 1) وقال يوحنا الرسول (( الشيخ الى كيرية المختارة )) ( 2يو1: 1، 3يو 1: 1) .

 

      قال القديس ابيفانيوس أسقف قبرص (( أنه لا يمكن أن يكون القس والأسقف متساويين ، وقد علم الكتاب الالهى ما هو الأسقف وما هو القس بقوله لتيموثاوس (( لا تزجر شيخا )) وفى محل آخر (( لا تقبل شكوى على قس الا بشهادة اثنين أو ثلاثة )) ( ضد الهراطقة ك 3 هرطقة 75: 5) والبرهان على أن الرسل القديسين علموا أن درجة الأسقف غير درجة القس هو أن تلاميذ الرسل جميعهم فهموا ذلك وعلموه فى أقوالهم كما يأتى :

 

      ثانيا ــ ان خلفاء الرسل الذين تسلموا التعاليم من الرسل أنفسهم ، وقبلوا الكهنوت من أيديهم علموا هذا التعليم : قال القديس اكليمنضس أسقف رومية تلميذ بطرس الرسول (( أنه يجب علينا أن نعمل كل ما أمرنا به سيدنا فى أوقاته المعينة بالترتيب ، وأن نتمم القرابين والخدم التى أمر أن تصير لا كيفما اتفق وبلا ترتيب، بل فى أوقات وساعات معينة وقد حدد أيضا بمشيئته السامية أين وممن يريد أن تتمم ، لكى يكون كل ما يصير ببر مقبولا لدى مشيئته حاصلا على تعطفه . فالذين يقدمون قرابينهم فى أوقاتها المعينة هم مقبولون عنده ومغبوطون . فانهم اذ تبعوا شرائع الرب لا يخطأون لأن (( رئيس الكهنة )) أعطيت له خدم خصوصية و(( للكهنة )) تعين مكان خصوصى و(( اللاويين )) ( أى الشمامسة ) لهم خدم خصوصية ، وأما العامى فانما هو مرتبط بالاوامر المتعلقة بالعوام )) ( رسالة الى أهل كورنثوس فصل 40) وقد أوضح القديس اغناطيوس تلميذ يوحنا الرسول هذه المسألة بأكثر ايضاح حيث قال فى رسالته الى أهل أفسس (( أن الأساقفة قد تعينوا الى أقاصى الأرض بحسب مشيئة يسوع المسيح )) ( فصل 3) وقال فى رسالته الى أهل أزمير (( اتبعوا الأسقف كلكم كما يتبع يسوع المسيح أباه ، واتبعوا الكهنة كالرسل ، وأكرموا الشمامسة حسب وصية الله )) ( فصل 8) وقال فى رسالته الى أهل مغنيسيا (( أتوسل اليكم أن تعملوا كل شىء بسلام الله وتحت رياسة الأسقف حيث مكان الله ذاته ، والكهنة حيث مصاف الرسل ، والشمامسة المحبوبين منى جدا الذين أؤتمنوا على خدمة يسوع المسيح )) ( فصل6) .

 

      ثالثا ــ أن رؤساء الكنائس وعلماءهم فى القرون الاولى يذكرون هذا الترتيب في درجات الكهنوت . قال القديس ايريناوس (( جميع المخالفين لتعليم الكنيسة قد ظهروا متأخرين كثيرا عن هؤلاء الأساقفة الذين أؤتمنوا من الرسل على الكنائس )) ( ضد الهراطقة 5: 20) وقال العلامة ترتوليانوس (( قد تخصص حق التعميد بالكهنة الاعظمين ( الأساقفة ) ثم أعطى للكهنة والشمامسة فقط ولكن ليس من دون الأسقف )) ( فى المعمودية فصل 17) وقال العلامة أوريجانوس (( يطلب منى أنا القس أكثر مما يطلب من الشماس ومن الشماس أكثر من العامى ، ولكن الذى يضبط بيده السلطة الكنسية يطلب منه أكثر منا كلنا )) ( مقالة 11 على ارميا فصل 3) .

 

      رابعا ــ القوانين الرسولية وقوانين المجامع المسكونية والمكانية تبين هذه الحقيقة ، اذ تذكر الواجبات التى على كل من أصحاب هذه الدرجات ، الأساقفة والقسوس والشمامسة . فقد جاء فى قانون 15 من قوانين الرسل (( كل قس أو شماس أو أحد المعدودين من الاكليروسيين عموما يترك محل سكناه وينتقل الى ابروشية اخرى بقصد السكنى الدائمة بدون رأى اسقفه وأقام الصلاة منفصلا عنه وبنى مذبحا آخر من دون أن يثبت على الأسقف شيئا لا يوافق الإيمان والبر فليقطع اذ هو محب الرياسة )) وجاء فى قانون 29 (( لا يجوز للقسوس والشمامسة أن يفعلوا شيئا البتة من غير رأى أسقفهم ، لأنه هو المؤتمن على شعب الرب وهو العتيد أن يحاسب عن أنفسهم )) وجاء فى قانون 18 من قوانين المجمع المسكونى الاول (( ليلبث الشمامسة ضمن حدودهم عالمين أنهم خدام للأسقف وأقل من القسوس )) وقانون 56 و57 من قوانين مجمع اللاذقية يأمر القسوس بعدم تقدمهم على أسقفهم ووجوب انقيادهم له ، وغير ذلك من القوانين .

 

      خامسا ــ ومما يثبت سمو درجة الأسقفية وامتيازها عن درجة القس ، وأنها مقامة من الله تعالى ولها سلطان ورياسة فى الكنيسة ، الجداول القديمة لأسماء الأساقفة الاولين فى كنائس رسولية عديدة . وقد كانت هذه الجداول قديما سلاحا فى وجه الهراطقة ، فقد قال القديس ايريناوس (( يمكننا أن نعد الأساقفة الذين حكموا فى الكنائس من عصر الرسل وأن نحصى خلفاءهم أيضا حتى ايامنا هذه )) وأوسابيوس المؤرخ الكنسى الشهير حفظ جداول قديمة عن سلسلة الخلافة لأساقفة كنيسة كورنثوس ورومية وأورشليم ويبين فهرس أساقفة الكنائس القديمة ( كتاب 4 فصل 5 22) .

 

      سادسا ــ ما ذكرناه فى الفصول السابقة من شهادة موسهيم المؤرخ البروتستانتى وما هو واضح فى تاريخ الكنيسة منذ العصور الأولى يثبت أن الدرجات الكهنوتية كانت ولا تزال ثلاث، وهى أسقف وقس وشماس وأنها رتبت فى الكنيسة بسلطان الهى وأن هذه الرتب أشبه شىء برتب الملائكة كما قال القديس اكليمنضس الاسكندرى (( أن درجات الأسقف والكهنة والشمامسة تشبه بحسب رأيى المجد الملائكى )) ( فى البديعيات 6: 13) لأن رتب الملائكة ثلاث وكل رتبة منها ثلاثة أصناف .. فالرتبة الأولى تشمل الكروبيم ( خر10: 18) والسرافيم ( أش 6: 2) والعروش ( كو1: 16) والرتبة الثانية تشمل الرياسة والسادات والسلاطين ( كو1: 16) والرتبة الثالثة تشمل القوات ( 1بط 3: 22) والملائكة ورؤساء الملائكة ( رو8: 38 ، 1تس 4: 16) وعلى هذا المثال رتبت الدرجات الكهنوتية الثلاث . فالأولى وهى الأسقفية تشمل وظائف البطريرك والمطران والأسقف : والثانية وهى القسيسية تشمل وظائف الخوريبيسكوبوس والايغومانوس والقس والثالثة وظيفة الشماسية تشمل الابودياكون ( أى معين الشماس ) والاغنسطس ( القارىء ) والابصلتس ( المرتل ) .

 

 

الفصل السادس

 

درجات الشماسية والقسيسية والأسقفية

 

      أن الشماسية هى درجة من درجات الكهنوت ، بل يتولى صاحبها ولاية خاصة لمساعدة القسيس عند تلاوة القداس واتمام الخدم المنوط بها ، وهى درجة مستوفاة جميع مقتضيات السر، اذ فيها مادة السر وصورته وخادمه فمادة السر وضع اليد وصورته الصلاة كما يظهر مما فعله الرسل اذ (( أقاموهم ( أى الشمامسة ) امام الرسل فصلوا ووضعوا عليهم الايادى )) ( أع 6: 6) واليهم اشار الرسول بولس فى ( 1تى 3: 2و8 ، فى 1: 1و2) أما خادم السر فهو الأسقف .

 

      والشماس لفظة سريانية وفى العبرية شماس ومعناها خادم وباليونانية (( دياكون ))  والشمامسة واجبات منها أن يوزعوا الصدقات على الفقراء ( أع 6: 1-4) ولهم أن يكرزوا بالأنجيل ولكن بأذن الأسقف ( راجع أع 6: 5 ، 8: 4، 21: 8) وكان لهم أن يحملوا الكأس ويقربوا الشعب ، ليس لأنهم كهنة ، بل لأنهم خدام الكهنة ( راجع ما لهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات فى الباب السابع من كتاب المجموع الصفوى للشيخ الصفى ابن العسال ) .

 

      وواضح فى الكتاب ان درجة القسيسية تختلف عن درجة الشماسية حيث يختلف الشماسية والكهنة بالأسم والوظيفة . فالكهنة موكول اليهم مباشرة وتوزيع سر المسحة كما جاء فى ( يع 5: 14) وتدبير الكنائس كما ورد فى ( أع 14: 22، 1تى 5: 17، تى 1: 5) وقسيس لفظة سريانية ، وباليونانية ابريسفيتيروس ، وبالقبطية ( نى خيلو ) وترجمتها بالعربية الشيخ ، ووظيفته تقديس القرابين وعماد المعتمدين وتزويج المتزوجين وتأدية خدمة الأسرار وتوزيعها على الشعب وتعليمهم ووعظهم وباقى الخدمات الدينية وحقوق القسوس وواجباتهم واضحة فى كتب القوانين ــ راجع الباب السادس من كتاب المجموع الصفوى للشيخ الصفى ابن العسال ) .

 

      أما الأسقفية فهى الدرجة العليا فى الكهنوت ، والأسقف كاهن ذو درجة ورتبة أولى ، موكول اليه كما للكاهن ، أن يقدم القرابين ويعمل ما يعمله الكاهن ، وهو فى كنيسته ورعيته نائب المسيح . ومن ثم له حق الرياسة على الكهنة الذين تحت ادارته وعلى رعيته . وله السلطان أن يقيم الكهنة لشعبه ويمنحهم الحقوق والسلطة الروحية . فهو الذى يعلم الشعب ويدبره ويقيم لهم الرعاة المدبرين والمعلمين أما حقوقه وواجباته فمذكورة فى الباب الخامس من كتاب المجموع الصفوى للشيخ الصفى ابن العسال .

 

الفصل السابع

 

القسم المنظور من سر الكهنوت وفعله غير المنظور

 

وعدم اعادته

 

      أن القسم المنظور من سر الكهنوت يتألف من أمرين :

           1- وضع اليد              2- الصلاة

 

      ونرى هذين الأمرين واضحين فى الكتاب فى سيامة الأساقفة والقسوس والشمامسة ( راجع 1تى 4: 14، 5: 22، 2تى 1: 6، أع 6: 6) كذلك جميع القوانين الرسولية فانها تقرر وضع اليد ، فقد جاء فى هذه القوانين (( أيها الأسقف عندما تشرطن قسا ضع يدك على رأسه )) ( كتاب 8: 16و17) وكذلك المجامع المسكونية والمكانية فانها تعلم هذا التعليم ، وجميع آباء الكنيسة ومعلموها يصرحون ان سيامة الأسقف أو القس أو الشماس لا تتم الا بوضع اليد . ووضع اليد كان مصحوبا بالصلاة دائما كما جاء فى سفر الأعمال عن الذين اختاروهم (( الذين أقاموهم امام الرسل فصلوا ووضعوا عليهم الايادى )) ( أع 6: 6) وبولس وبرنابا عندما كانا يثبتان ويشددان التلاميذ (( انتخبا لهم قسوسا فى كل كنيسة ثم صليا بأصوام واستودعاهم الرب )) ( أع 14: 23) ولا تزال الكنيسة سائرة على هذه الطريقة الموضوعة من الرسل وتستعمل ذات الصلوات التى كانت تستعمل منذ القديم .

 

      أما نتيجة سر الكهنوت غير المنظورة فى المشرطن ( الموضوع عليه اليد ) فهى أنه يقبل بهذا السر مفعولين : أولهما الوسم ، وثانيهما النعمة . فالوسم هو السمة التى يرسمها سر الكهنوت فى نفس من يناله ، وهذه السمة دائمة لا تمحى ( راجع ما ذكرناه عن الوسم عند كلامنا فى مفعول الاسرار ) . أما النعمة فهى الهبة التى ينالها المشرطن من الله ، المناسبة لخدمته التى انتدب اليها وهى نعمة الكهنوت . وقد اشار الرسول بولس الى هذه الموهبة بقوله لتلميذه تيموثاوس (( ولا تهمل الموهبة التى فيك المعطاة لك بالنبوة مع وضع أيدى المشيخة )) ( 1تى 4: 14) (( أذكرك أن تضرم أيضا موهبة الله التى فيك بوضع يدى )) ( 2تى 1: 6) وقال القديس يوحنا ذهبى الفم (( أنى أذكرك أن تذكى موهبة الله التى فيك بوضع يدى ، يعنى هنا نعمة الروح التى نالها الرؤساء لرياسة الكنيسة وللاباء ولكل العبادة فانها فى يدهم أن يطفئوها أو يذكوها )) ( تفسيره على 2تى 1: 2) وقال القديس أيضا (( لو افتكر أحد بأنه يستطيع الدنو من تلك الطبيعة المغبوطة النقية لكان يرى جيدا الى أى كرامة أهلت نعمة الروح الكهنة . لأنه بهم تتمم هذه وغيرها مما لا بديل لها فى أمر وظيفتنا وخلاصنا . فان رجالا ساكنى الأرض وسالكين فيها نيط بهم أن يسوسوا ما فى السموات ، ونالوا سلطانا لم يعطه الله للملائكة ولا لرؤساء الملائكة )) ( فى الكهنوت 3: 5) وقال القديس غريغوريوس النيسى (( أن قوة الكلمة عينها تجعل الكاهن وقورا ومكرما بالبركة الجديدة اذ ينفصل عن الجماعة الكثيرة ( الشعب ) لأنه كان أمس وقبل واحدا من الكثيرين ومن الشعب ، فصار حالا دفعة واحدة متقدما ومعلما للايمان وكانما للاسرار الخفية . وهذا كله يصنعه من دون أن يتغير شىء فى جسده أو هيئته . بل وهو لم يزل فى الظاهر كما كان تتغير نفسه غير المنظورة فى ما هو أفضل بقوة ونعمة غير منظورتين )) ( على معمودية المسيح 10).

 

      ونعمة الكهنوت تمنح على درجات متنوعة للمشرطنين . فالشماس ينالها بدرجة أقل . والقس ينالها بدرجة ارفع منه . والأسقف ينالها بدرجة أسمى ، وذلك بنسبة الدرجة التى ينالها كل من اصحاب هذه الدرجات .

 

      اما من جهة عدم اعادة وضع اليد مرة ثانية على المشرطن فذلك لاننا أوضحنا بأن السر يمنح صاحبه السمة ويطبعها فيه طبعا لا يمحى ، وعليه لا يجوز اعادة السر بوجه من الوجوه . وقد قال قانون 68 من قوانين الرسل (( كل أسقف أو قس أو شماس ينال الشرطونية ثانية من أحد يقطع هو والذى شرطنه )) وجاء فى قانون 35 من قوانين مجمع قرطاجنة وقانون 57 منه أيضا (( لا يسمح باعادة المعمودية واعادة الشرطونية أو نقل الأساقفة )) .

 

الفصل الثامن

 

خادم سر الكهنوت

 

      أن خادم سر الكهنوت هو الأسقف وحده الذى له حق الشرطونية ( وضع اليد ) وهذا واضح مما يأتى :-

 

      أولا ــ من الكتاب المقدس حيث يتضح ان الرسل وحدهم كانوا يقيمون الأساقفة والقسوس والشمامسة وأعطوا هذا السلطان لخلفائهم الأساقفة من بعدهم . فقد وضعوا اليد على أساقفة ( 2تى 1: 6) وعلى قسوس ( أع 14: 22و23) وعلى شمامسة ( أع 6: 5) وبولس الرسول قال لتيطس أسقف كريت (( من أجل هذا تركتك فى كريت لكى تكمل الامور الناقصة وتقيم فى كل مدينة شيوخا ( قسوسا ) كما أوصيتك )) ( تى 1: 5) وقال لتيموثاوس أسقف افسس (( لا تضع يدا على أحد بالعجلة ولا تشترك فى خطايا الآخرين )) ( 1تى 5: 22) أما قول بولس الرسول  ــ مع وضع ايدى المشيخة ــ فقد شرحها القديس يوحنا ذهبى الفم بقوله : ((  أن الكلمة بريسفيتيريون ( التى اصطلح على ترجمتها بالقسوس أو المشيخة ) فانها تدل على جمعية رعاة الكنيسة الذين كان أحدهم بولس الرسول . لا على القسوس فقط فلم يقل عن القسوس بل عن الأساقفة . لأن القسوس لم يكونوا يشرطنون الأسقف )) ( مقالة 13: 1 على 1تى ) .

 

      ثانيا ــ من القوانين الرسولية والمجمعية فان قانون 1 من قوانين الرسل يقول (( الأسقف يشرطن من أسقفين أو ثلاثة )) وقانون 2 منها يقول (( القس والشماس وسائر الاكليروس يشرطنون من أسقف واحد )) وقانون 19 من قوانين المجمع الأول المسكونى المجتمع فى نيقية حدد أن يسام الاكليروس من أسقف الكنيسة . وقانون 9 من قوانين مجمع انطاكية فوض للأسقف أن يشرطن قسوسا وشمامسة ويقضى كل الأعمال بتدقيق .

 

      ثالثا ــ أن آباء الكنيسة فى تعاليمهم يعلنون هذه الحقيقة ، فقد قال القديس يوحنا ذهبى الفم (( ان الأساقفة يسمون عن القسوس بالشرطونية فقط وبها وحدها يظهر أنهم يمتازون عنهم )) ( على 2تى مقالة 10: 1) وقال القديس ابيفانيوس (( أن درجة الأساقفة تمتاز بنوع خصوصى بأنهم يلدون آباء . لأن تكثير الآباء فى كنيسة المسيح يختص بالأساقفة . وأما الرتبة الثانية ( الكهنة ) فلا يمكنها أن تلد آباء أو معلمين . وكيف يمكن أن يشرطن كاهن كاهنا آخر وليس له سلطة الشرطونية ؟ )) ( هرطقة 75: 4) وقال القديس ايرونيموس (( ماذا يعمل الأسقف ولا يعمله القس خلا الشرطونية )) ( رسالة 85) .

 

الفصل التاسع

 

الدعوة الى الرتبة الكهنوتية وعلاماتها

 

ومؤهلات المدعوين اليها

 

      بما أن الدرجة الكهنوتية درجة سامية وشريفة ، فقد أمر الله تعالى أن لا يدنو منها ويقتبلها الا من كان مستحقا لها ، بناء على دعوة الهية . وهذه الدعوة واضحة فى الكتاب المقدس من النصوص الآتية :-

 

      ففى العهد القديم . قال الرب (( وتخدمون خدمة . عطية أعطيت كهنوتكم والاجنبى الذى يقترب يقتل )) ( عدد 18: 7) وقوله (( من أرسل ومن يذهب من أجلنا . فقلت هأنذا أرسلنى ( أش 6: 8) وقوله (( روح السيد الرب على لأن الرب مسحنى لأبشر المساكين . أرسلنى لأعصب منكسرى القلب )) . ( أش 61: 1) وقوله لارميا (( قبلما خرجت من الرحم قدستك . جعلتك نبيا للشعب .. فقال الرب لى لا تقل انى ولد لأنك الى كل من أرسلك اليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به )) ( ار1: 4-7) وقوله (( هأنذا على الذين يتنبأون بأحلام كاذبة يقول الرب.. وأنا لم أرسلهم ولا أمرتهم . فلم يفيدوا هذا الشعب فائدة يقول الرب )) ( ار23: 32) .

 

      وفى العهد الجديد قال المخلص لتلاميذه (( كما أرسلنى الآب أرسلكم أنا )) ( يو20: 21) وقال لهم (( ليس أنتم اخترتمونى بل أنا أخترتكم )) ( يو15: 16) وقال أيضا (( الحق الحق أقول لكم أن الذى لا يدخل من الباب الى حظيرة الخراف بل يطلع من موضع آخر فذاك سارق ولص . واما الذى يدخل من الباب فهو راعى الخراف الخ )) ( يو10: 1-5) وقوله (( اطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة الى حصاده )) ( مت 9: 28) ويتم ذلك بفعل روح الله القدوس بدليل ما جاء فى سفر الأعمال ( 13: 2) (( وبينما يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس افرزوا لى برنابا وشاول للعمل الذى دعوتهما اليه )) وقول الرسول بولس (( احترزوا اذا لأنفسكم ولجميع الرعية التى أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله )) ( أع 20: 28) وقوله (( الكرازة التى أؤتمنت أنا عليها بحسب أمر مخلصنا الله )) ( تى 1: 3) وقوله (( الذى خلصنا ودعانا دعوة مقدسة )) ( 2تى 1: 9) وقوله (( وكيف يكرزون ان لم يرسلوا )) ( رو10: 15) وقوله (( لا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هارون )) ( عب 5: 4) لأن خدمة الكهنوت خدمة سماوية خدمة أسرار تشتهى الملائكة أن تطلع عليها ، وقال عنها القديس يوحنا ذهبى الفم (( خدمة لم يعطها الله للملائكة ولا لرؤساء الملائكة . وقد سميت هذه الخدمة خدمة الروح ( 2كو 3: 8) وخدمة البر وخدمة المصالحة ( 2كو 3: 9، 5: 18) وسمى الرعاة ملائكة رب الجنود ( ملا 2: 7، رؤ2: 1) وخدام الله لبناء بيت الله ( 1كو 3: 5-10 ، 4: 1) وملح الأرض ( مت 5: 13) ونور العالم ( مت 5: 14) وسراج موقد على منارة ( مت 5: 15و16) وهكذا من الأسماء الشريفة والالقاب السامية الدالة على شرف وعظمة هذه التوبة لذلك اقتضى الأمر أن لا يقبل أحد الى هذه الدرجة المقدسة الا بناء على دعوة الهية ، والرب يسوع المسيح نفسه المذخر فيه كل كنوز الحكمة والعلم الذى به كان كل شىء وبغيره لم يكن شىء مما كان، قيل عنه انه انتدب الى الكهنوت حسب قول الرسول (( كذلك المسيح أيضا لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذى قال له انت ابنى ان اليوم ولدتك . وكما يقول فى موضع آخر أنت كاهن الى الأبد على رتبة ملكى صادق )) ( عب 5: 5و6) وهو له المجد خصص الكلام فى أشعياء القائل (( روح السيد الرب على لأن الرب مسحنى )) ( أش 61: 1) بدعوته الى بشارة الإنجيل . وعند معموديته انفرز انفرازا خاصا لعمله لما حل الروح القدس عليه ( مت 3: 16و17) وتثبتت دعوته بالصوت الآتى من الآب على جبل التجلى بقوله تعالى (( له اسمعوا )) ( مت 17: 5) وكما قال القديس كبريانوس (( هل يمكن أن يوجد أحد جسور حتى أنه يروم الحصول على الكهنوت من تلقاء نفسه ومن دون أن يدعوه الله )) لذلك كان أكثر الآباء القديسين يهربون من قبول هذه الرتبة ويفرون من مسئولياتها .

 

      فالذين يختارهم الله للكهنوت ينتدبهم ويدعوهم ليكونوا خداما له كما قيل فى سفر العدد (( الذى يختاره يقربه اليه )) ( 6: 5) قال القديس افرآم السريانى (( ان من يتجاسر وصار كاهنا من غير ان يدعوه الله يهلك )) فيا لجسارة أولئك الذين يجترئون ويسعون للحصول على درجة الكهنوت وهم غير اكفاء لها وغير مدعوين اليها ويظنونها مهنة يتعيشون منها ! أولئك يتم عليهم ما قال الله عن الذين يبقون من أولاد عالى (( ويكون أن كل من يبقى فى بيتك يأتى ليسجد له لأجل قطعة فضة ورغيف خبز ويقول ضمنى الى احدى وظائف الكهنوت لآكل كسرة خبز )) ( 1صم 2: 36) . أمثال هؤلاء نصيبهم نصيب الأنبياء الكذبة الذين قال عنهم الرب (( لم أرسل الأنبياء بل هم جروا . لم أتكلم معهم بل هم تنبأوا . ولو وقفوا فى مجلسى لأخبروا شعبى بكلامى وردوهم عن طريقهم الردىء وعن شر أعمالهم .. هم أنبياء خداع قلبهم .. لذلك هأنذا على الأنبياء يقول الرب الذين يسرقون كلمتى بعضهم من بعض .. الذين يأخذون لسانهم ويقولون هأنذا على الذين يتنبأون بأحلام كاذبة .. ويضلون شعبى بأكاذيبهم ومفاخراتهم وأنا لم أرسلهم ولا أمرتهم فلم يفيدوا هذا الشعب فائدة يقول الرب )) ( ار23: 21-32) (( كل غرس لم يغرسه أبى السماوى يقلع )) ( مت 15: 13) .

 

      ليس لنا اليوم صوت مسموع من الله يدعو به الإنسان الى خدمته ، ولا يرسل الينا ملاكا لانتداب المدعو الى الكهنوت ، ولكن هذه الدعوة الالهية تعرف بطريقتين ظاهرة وباطنة . فالظاهرة هى تصديق الكنيسة وشهاداتها للأهلية ، لأنها تمنح السلطان الرسمى لهذه الخدمة . وأما الباطنة فهى صوت روح الله وقوته اللذان يؤثران فى ارادة الإنسان واقناعه حين يكون طالب هذه الخدمة مملوءا بالرغبة الشديدة والقصد الثابت فى خدمة الله تعالى وخلاص النفوس ، علاوة على تجدده بروح الله وحصوله على المؤهلات الكافية لهذه الخدمة . فالمدعو من الله لخدمة الكهنوت يجب أن يكون محركا من الله لمجرد خدمة اسمه القدوس وليس لأجل طمع ، ولا لربح دنيوى ، ولا لمجد عالمى ، ويجب أن يكون مستعدا لأن يكرس ذاته لله ويضحى نفسه فى خدمته وخدمة النفوس التى اشتراها المسيح بدمه .

 

      وأخص علامات الدعوة الالهية لهذه الدرجة هى :

 

1- الميل القلبى للخدمة فان هذا الميل دليل على استعداد النفس للأمور الروحية .

 

2- المناسبة للخدمة روحا وعقلا وجسدا ، فان الله تعالى لا يدعو الى هذه الخدمة من ليس أهلا لها .

 

3- الدعوة من كنيسته اذ يرى شعب تلك الكنيسة الصفات والمؤهلات فى شخص ، فيزكونه بعد أن يختبروه الخبرة التامة .

 

4- بعض حوادث وأحوال من العناية الالهية تدل على موافقة الإنسان لهذه الخدمة ، كما حصل فى قصة انتخاب القديس امبروسيوس فان هذا الأسقف ولد سنة 340م من عائلة شريفة وكان واليا على ولاية ميلان ، ولما مات أسقفها الآريوسى وحدث شغب عظيم فى انتخاب خليفة له ، دخل أمبروسيوس الوالى ليهدىء الشعب ، فرفع ولد صوته قائلا امبروسيوس أسقف !! فقبل الشعب ورفعوا أصواتهم علامة على قبولهم . ثم انتخبوه أسقفا ، ولم يقبلوا منه رفضه الشديد ، بل أجبروه على قبول درجة الأسقفية فصار أسقفا عظيما مشهورا ، وأبطل التعليم الأريوسى .

 

      وبناء على ما تقدم تحترم الكنيسة جدا قداسة الخدمة الرعوية وكانت منذ القديم تهتم بالمرشحين الى الدرجات الكهنوتية وأسست لهم المدارس اللاهوتية لاعدادهم وتثقيفهم ولا تضع يدا على أحد منهم بالعجلة حسب اشارة بولس الرسول ، بل تفحصهم أولا فى قواهم الطبيعية والعقلية والأدبية :-

 

       أولا ــ القوة الطبيعية ــ فان كنيسة العهد القديم كانت تشترط أن ينتخب الكاهن من الخالين من كل عيب جسدى ومن كل تشويه فى الأعضاء وكان اذا أصيب أحد بشىء من ذلك بعد اقامته كاهنا يطرد من الخدمة لئلا يدنس قدس الله ( راجع لا21: 16-24) وذلك لأن كنيسة العهد القديم كان جل اهتمامها فى الأمور الخارجية والطقسية . اما كنيسة العهد الجديد فلأنها ديانة الروح والحياة وجل اهتمامها بالأمور الباطنية وليس الخارجية ، فلا تمنع عن الكهنوت من كان فيه عيب جسدى ، اذا كانت فيه المؤهلات السامية ، وإنما تمنع من لا يسمح له عيبه الجسدى بتتميم فروضه الكهنوتية كالأعمى والأصم والمريض بأمراض تعطل خدمته ، ومن كان كاهنا وأصيب بمثل تلك الأمراض فلا يجرد من وظيفته بل يوقف عن خدمته مع بقاء الاحترام والوظيفة له . وصحة الجسد وسلامة البنية والقوة فى العمل من الشروط اللازمة لكل عمل من أعمال الدنيا ، فكم بالحرى لهذه الخدمة المقدسة التى تقتضى بذل النفس والجسد في تأدية واجباتها .

 

      ثانيا ــ القوى العقلية ــ فان جميع القوانين الكنسية تقرر أن يكون المنتخب للوظيفة الكهنوتية مثقفا بكل أنواع الثقافة ، وبالأخص فى العلوم الدينية . وان يكون قادرا على التعليم حسب قول الرسول بولس لتلميذه تيموثاوس (( يجب أن يكون الأسقف بلا لوم بعل امرأة واحدة صاحيا عاقلا محتشما مضيفا للغرباء صالحا للتعليم غير مدمن الخمر ولا ضراب ولا طامع بالربح القبيح ... بل حليما غير مخاصم ولا محب للمال . يدبر بيته حسنا . له أولاد فى الخضوع بكل وقار . وإنما ان كان احد لا يعرف ان يدبر بيته فكيف يعتنى بكنيسة الله . غير حديث الإيمان لئلا يتصلف فيسقط فى دينونة ابليس . ويجب ان تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج لئلا يسقط فى تعيير وفخ ابليس . وكذلك يجب أن يكون الشمامسة ذوى وقار لا ذوى لسانين غير مولعين بالخمر الكثير ولا طامعين بالربح القبيح . ولهم سر الإيمان بضمير طاهر . وإنما هؤلاء أيضا ليختبروا أولا ثم يتشمسوا ان كانوا بلا لوم . ليكن الشمامسة كل بعل امرأة واحدة مدبرين أولادهم وبيوتهم حسنا . لأن الذين تشمسوا حسنا يقتنون لأنفسهم درجة حسنة وثقة كثيرة فى الإيمان الذى بالمسيح يسوع )) ( 1تى 3: 2-13) وقوله الى تلميذه تيطس (( من أجل هذا تركتك فى كريت لكى تكمل الأمور الناقصة وتقيم فى كل مدينة شيوخا ( قسوسا ) كما أوصيتك . أن كان احد بلا لوم بعل امرأة واحدة . له أولاد مؤمنون ليسوا فى شكاية الخلاعة ولا متمردين لأنه يجب أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل الله غير معجب بنفسه ولا غضوب ولا مدمن الخمر ولا ضراب ولا طامع فى الربح القبيح . بل مضيفا للغرباء محبا للخير متعقلا بارا ورعا ضابطا لنفسه ملازما للكلمة الصادقة التى بحسب التعليم لكى يكون قادرا أن يعظ بالتعليم الصحيح ويوبخ المناقضين )) ( تى 1: 5-9) (( وما سمعته منى بشهود كثيرين أودعه أناسا أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا )) ( 2تى 2: 2) (( اكرز بالكلمة اعكف على ذلك فى وقت مناسب وغير مناسب وبخ انتهر عظ بكل اناة وتعليم ... احتمل المشقات اعمل عمل المبشر . تمم خدمتك )) ( 2تى 4: 2-5) .

 

      فبناء على نصوص الكتاب وقوانين الرسل والمجامع لا ينتخب الى الوظيفة الكهنوتية الا من كان عالما بالكتب المقدسة متضلعا فى قوانين الكنيسة ، غير حديث الإيمان .

 

      ثالثا ــ القوى الأدبية ــ ان نصوص الكتاب وقوانين الكنيسة تقرر أن لا يقبل فى الكهنوت إلا الأشخاص المشهود لهم بالسيرة الحسنة والورع والقداسة والإيمان الحى . وقد اشار بولس الرسول الى ذلك بقوله لتلميذه تيموثاوس (( اجتهد ان تقيم نفسك لله مزكى عاملا لا يخزى مفصلا كلمة الحق بالاستقامة )) ( 2تى 2: 15) (( لا يستهن احد بحداثتك بل كن قدوة للمؤمنين فى الكلام فى التصرف فى المحبة في الروح في الإيمان في الطهارة الى أن أجىء ... اعكف على القراءة والوعظ والتعليم ... اهتم بهذا وكن فيه لكى يكون تقدمك ظاهرا في كل شىء . لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك لأنك ان فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضا )) ( 1تى 4: 12-16) .

      ولا يسع المجال هنا أن نذكر جميع نصوص الكتاب وأوامر المجامع وأقوال الآباء عن شرف هذه الوظيفة وسموها ، والواجبات المطلوبة من الكهنة ، والفضائل التى يجب أن يكونوا حاصلين عليها ، والاستعداد التام لقبول هذه الدرجات المقدسة .

 

      وحبا فى الاختصار نورد هنا بعض أقوال الآباء الذين وضعوا المؤلفات الثمينة فى هذا الصدد :

 

      وقال القديس غريغوريوس الثاولوغس (( لا يقدر أحد فى العالم أن يعلم غيره صناعة ان لم يكن هو قد درسها قبلا وطالعها بانتباه تام ، فكيف اذن ينخرط البعض فى الأكليروس ويقبلون الخدمة الرعوية من غير استعداد البتة . مع أن ادارة النفوس صناعة من أهم الصنائع )) .

 

      وقال القديس غريغوريوس الكبير (( أن أولئك الذين خصهم الله بمواهب سامية هم أسمى من سواهم ويمتازون بميلهم الى خير الغير فهم أتقياء والفضل فى ذلك لفقههم .. وأقوياء نتيجة امساكهم، وميالون للجميع بقوة المحبة التى تورث البرارة . فان دعى مثل هؤلاء الى الخدمة الرعوية ورفضوها فيهلكون مواهبهم التى خصهم الله بها ، فلا تعود تنفعهم ولا تنفع غيرهم ، لا سيما الذين تخرجوا من مدارس لاهوتية ، عليهم أن يتذكروا قول الرب (( الحصاد كثير والفعلة قليلون )) وأيضا لا تخفى مدينة مبنية على جبل ، ولا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال بل على المنارة ليضىء على كل الذين فى البيت ، ولذلك يقول الرسول بولس ان اشتهى أحد الأسقفية يشتهى عملا صالحا .. من عنده كل الصفات اللائقة لرعاية قطيع الله ولا يقبلها فهو لا يحب رئيس الرعاة . وبالعكس من يقبل على خدمة الكهنوت باستحقاق يبرهن بذلك على محبته لله وللقريب محبة تدفعه الى أن يبذل نفسه أمام الله )) .

 

      قال أيضا (( ان على راعى الكنيسة أن يقف مع الملائكة وأن يسبح مع رؤساء الملائكة ، وأن يقدم الذبيحة على المذبح الذى هو فى الاعالى ، وأن يقدس الأسرار مع المسيح وأن يعمل كل شىء للبنيان )) وقال (( انه لمشين للأنسان أن يأخذ على عاتقه العمل المقدس ولا يتقدس كأن يقبل الى قدس الأقداس بأيد غير نظيفة ونفس مدنسة . فكأن خدمة الهيكل لا يعدون وظيفتهم مثالا للفضيلة فيتزاحمون ويتضاربون حول المائدة المقدسة ظانين أن وظيفتهم هذه ليست مثالا للفضيلة بل وسيلة لاقتناء المعاش ، ولا يفكرون بما على صاحبها من المسئولية العظمى حاسبين اياها سلطة غير محاسبة عما تأتى به من الأفعال فمثل هؤلاء الخدمة القليلى التقوى الذين وهم فى حالة السعادة يستوجبون البكاء والنحيب كادوا يكونون أكثر عددا من مرؤوسيهم الذين هم على هذه الصورة ، فالجدير بمن على هذه الشاكلة أن يتعلم أولا واجباته ثم يحمل على عاتقه هذه المهمة . والا فمثله يكون مثل من يأخذ على عاتقه وظيفة التعليم وهو غير أهل لها ، وكمثل رجا أراد أن يتعلم عمل القدور رأسا من نظره الى قدر كبير ، فلا شك أن مثل هذا جاهل وأحمق )) ثم بدأ هذا القديس يوبخ الذين قبل أن يعرفوا أسماء الكتب المقدسة وكتابها ومؤلفيها ، انهم لدى استظارهم كلمتين أو ثلاث بالسمع لا بالكتب يظنون أنفسهم معلمين ماهرين ويريدون أن يدعوهم الناس يا معلم )) .

 

      وقال القديس يوحنا ذهبى الفم (( الكهنوت يكمل على الأرض ولكنه مشروع سماوى ، فأنه لا إنسان ولا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا غيرها من قوات مخلوقة أقام هذه الخدمة ، بل الروح القدس نفسه هو الذى رفع الإنسان وهو على الأرض الى رتبة الملائكة ، ولذلك فعلى الكاهن أن يكون نقيا طاهرا كأن بين الملائكة أنفسهم . أيفتكر الإنسان حين يرى الرب يقدم ذبيحته والكاهن أمام المذبح يصلى ويرش الجميع بالدم الذكى أنه بين العالم وعلى الأرض . كلا ثم كان فان العقل يصعد الى السماء ويطرح الأفكار العالمية جانبا . فالكهنة انتدبوا ليديروا السماويات وهم على الأرض ، وأخذوا سلطانا لم يعطه الله للملائكة ولا لرؤساء الملائكة . لأنه لم يقل لهؤلاء ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا فى السماء وما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء .. ))

 

      وبعد ان تكلم عن نقاوة الكاهن الادبية اللائقة بخدمته السامية قال ، كيف يجب أن يكون ذاك الذى يصلى عن بلدة بأسرها لا عن العالم كله ويطلب من الله تعالى مغفرة خطايا الأحياء والأموات أيضا . بالحق أنا أعد أن جسارة موسى وايليا غير كافية لذلك . لأن الكاهن يتقدم الى الرب كأنه موكل عن كل العالم ، وكأب للجميع ، ويصلى لكى يمنع الله الحروب ويخمد الفتن ، ويطلب تعميم السلام وخصب اثمار الأرض ، وزوال المصائب . ولذلك يجب أن يفوق من يصلى عنهم بمقدار ما يفوق المحامى عنه . وأى نقاوة تطلب منه حين يستدعى الروح القدس ويكمل الذبيحة الالهية الرهيبة ، وبلمس سيد العالم ، بل يضعه فى قلبه . وأى نقوة يجب أن تحويها تلك الايدى التى تخدم ذلك وكيف يجب أن يكون اللسان الذى يفوه بكلمات التقديس ، وكم تكون مقدسة التى تقبل الروح الكلى قدسه فان الملائكة وكل الطغمات السماوية تقف اذ ذاك أمام الكاهن على المائدة المقدسة متهللة ... فلا عجب بعد أن علمنا ذلك اذا رأينا الرجال العظام كالاناء المصطفى الذى خطف الى السماء الثالثة واستحق أن يرى أسرار الله يرهبون دائما لدى نظرهم الى أهمية هذه الوظيفة )) .

 

      وعندما بدأ بذكر الأسباب التى دعته الى الهروب من قبول وظيفة الكهنوت قال (( فليتهمونى بمحبة الشرف والمجد الفارغ ، اذا كان يكفى فقط فى رياسة الكهنوت أن أسمى راعيا وأتمم هذه الوظيفة كيفما كان ولا يكون خطر من ذلك ... على الذين يقتبلون الرعاية أن يكونوا ذوى فكر ثاقب ، وأن يعرفوا مقدار هذه النعمة العظيمة ، وأن يتجملوا بالآداب اللازمة الكاملة ، وأن يتزينوا بالفضيلة أكثر من بقية الناس . فأنت ( القديس باسيليوس الذى كتب له ) لا ترفض أن تسامحنى لانى ما أردت أن أهلك نفسى عبثا وبدون فكر ... فأنا أعرف ذاتى وأعرف ضعفها وحقارتها وأعرف أهمية الخدمة وصعوبة العمل العظيم ... فأمواج الشهوات والآلام تهزم نفس الكاهن أكثر من الامواج التى ترفعها الريح عن سطح البحر ، فتظهر قبل كل شىء صخرة المجد العظيم الأشد خطرا من صخرة سيرين فى عهد الى برياسة الكهنوت يكون قد أوثق يدى الى الوراء ودفعنى حيا الى تلك الصخرة لتفترسنى الوحوش . وما هى هذه الوحوش ؟ هى : غيظ ، ضعف ، حسد ، شتم ، اتهام ، شهادة زور ، رياء ، حيلة ، غضب نحو من لم يحزننا ، محبة المديح ، محبة الشرف ، التعليم لاظهار السلطة ، التمليق ، اللطافة بمقاصد ، احتقار المساكين ، خدمة الأغنياء ، المجد المضر ، الخوف الذى هو من خصائص الجبناء ، عدم الجسارة ، التظاهر بالتواضع ، عدم توبيخ الأغنياء ، وبالاحرى توبيخ الفقراء ، والاعراض عن الغنى السائد خوفا منه )) .

 

      ثم تطرق الى ذكر ذنوب الكاهن فقال (( انه ( أى الكاهن ) لا يقدر أن يخفى ما يرتكبه من الاثام ولو كانت طفيفة ، لانها تصير معلومة لدى الجميع حالا . وأما الذنوب التى يرتكبها العامة فتحدث كما فى ظلمة وتهلك مقترفيها وحدهم ، بخلاف خطايا الرجل الشهير المعروف لدى الجميع فانها تجلب مضرة عمومية ، ولذلك يجب أن ينتخب للكهنوت من كان شبيها بالفتية القديسين الذين طرحوا فى الأتون البابلى . ويجب أن ينظر فى المنتخب الى أعماله الداخلية والخارجية وتقواه لا الى أعماله الظاهرة ... اننى أعرف كثيرين ممن كانوا يرضون الله في خدماتهم بالتقشف والزهد ولكنهم لما دخلوا بين العالم واخذوا فى تهذيبه فبعضهم لم يقدروا على هذا العمل وانسحبوا عنه . والفريق الآخر أجبروا على البقاء ولكنهم تركوا خطتهم السابقة فأضروا كثيرا بأنفسهم ولم ينفعوا الغير . وأنا لا أعد من قضى عمره فى وظيفة دنيئة أهلا للارتقاء الى وظيفة عالية ... فعلى من أراد أن يشرطن أحدا أن يمتحن المشرطن وعلى هذا المشرطن أن يمتحن نفسه قبل الدخول فى الكهنوت ... وعلى الكاهن أن يكون متعلما وضليعا فى الكتاب المقدس وثابتا فى عقائد الإيمان القويم ليتمكن من أن يجادل ويعظ ... بسبب عدم خبرة كاهن واحد يقاد كثيرون الى الهلاك . وعلى الخصوص يجب أن يهتم الكهنة بانماء موهبة الكرازة وخصوصا المتعلمين منهم فان غير المتعلم اذا لم يعظ لا يندد عليه الشعب ، وأما المتعلم فيقرع من الجميع . فعليه اذن بالتمرين لئلا يفقد موهبة الوعظ والانذار بسبب عدم التمرين عليها )) ( كتابه فى الكهنوت ) .

 

      وقد وضع القديس ايرونيموس فى سنة 293 كتابا دعاه (( حياة الاكليروس )) قاوم به ما اشتهر به بعض كهنة الغربيين من النقائص وقدم لخدام الكنيسة النصائح الثمينة التى تتعلق بخدمتهم . ننقل هنا بعض فقرات منه . قال : يجب قبل كل شىء على من كرس نفسه لخدمة كنيسة المسيح أن يفهم معنى اسمه ، ومتى فهمها عليه أن يجرى بموجبها . لأن كلمة اكليروس هى يونانية ومعناها ميراث أو نصيبى ، وقد سمى الاكليروس هكذا لأنهم ميراث الرب أو لأن الرب ميراثهم ونصيبهم . فعليهم اذن أن يسيروا بحسب ما يطلبه اسمهم أى كأناس استحقوا الرب هاتفين مع النبى (( الله هو نصيبى )) وعليهم أن لا يميلوا الا الى الله لا الى الربح العالمى الخميس ، ليكون الله معهم والا فيقال عنهم ، رفضت ميراثى ... صار لى ميراثى كأسد فى الوعر نطق على بصوته من أجل ذلك أبغضته ... رعاة كثيرون افسدوا كرمى . داسوا نصيبى جعلوا نصيبى المشتهى برية خربة . جعلوه خرابا ينوح على وهو خرب ( ار12: 7-13) ثم قال هذا القديس : (( أهرب من الكاهن الذى كان فقيرا ثم أثرى بواسطة معطاة الأعمال التجارية كهربك من الأفعى والنار ، فان مثل هذا الكاهن الذى يهتم بأسباب المعيشة العالمية يحصل لنفسه اسما رديئا ... )) ثم يوجه القديس الكلام الى الكاهن موصيا اياه الا يطمع فى مال الغير والا يقبل أى شىء كان حتى ولو على سبيل الهدية بقوله ، من يقدم لك شيئا وتقبله منه يقل احترامه لك ، وبالعكس يزداد احتراما لك اذا اعرضت عن هديته . لا تجتمع بالسهرات والولائم مع العلمانيين ، واحرص من أن تشتم منك رائحة الخمر اذا كانت حرارة الشباب متقدة فى بدون أن أشرب خمرا فعلى بالابتعاد عنه لانه لا يخلو من جزء يسير من السم .. ضع نفسك من الاصوام بمقدار ما تقوى على احتماله . ولكن يجب أن تكون أصوامك نقية بلا لوم وبدون تظاهر وباعتدال ، لأنه ما هى الفائدة من الامتناع عن المآكل المطبوخة بالسمن اذا كنا نعد لانفسنا مائدة تجمع الاطعمة اللذيذة المتعددة . وهل ياترى يكون صومنا صوما اذا كنا غارقين فى الملذات ، فالصوم الحقيقى هو المقتصر على الخبز والماء ... ابعد ايها الكاهن عن الملابس الفاخرة وعن الدنيئة أيضا، لان فى الاولى تظهر الفخفخة ، وفى الثانية يستتر حب المجد . فاذا كنت لا تلبس الثياب الناعمة يعد لك ذلك خدمة كبيرة وانما يكون لك الاحترام الزائد اذا لم يكن عندك دراهم كافية لابتياع الثياب ، والمضحك المشين هو أن يكون جيبك مملوءا من الاصفر الرنان وتظهر نفسك للعالم خاليا من منديل . طالع الكتاب المقدس بقدر طاقتك ، والاجدر ان لا تدعه من يدك ، وما يلزم ان تعلمه للغير تعلمه انت أولا . احتفظ لئلا تناقض اقوالك بأفعالك فتحمل سامعيك أن يقولوا لك لماذا أنت لا تفعل مثل ما تعلم . وعندما تعلم فى الكنيسة لا تجتهد أن يمدحك سامعوك بل اجتهد أن يتنهدوا من عمق النفس . ولتكن دموع سامعيك دون سواها مديحا لك . رصع عظاتك بدرر الكتاب ولا تظهر الحدة فى الانذار وتنادى بأعلى صوتك دون أن تدرى ما تفعل )) .

 

      وقال القديس غريغوريوس النزينزى (( يجب أن نكون أطهارا لكى نطهر غيرنا ، وان نتعلم لكى نعلم ، وان نكون انوارا لننير ، وأن نقترب من الله لنحمل غيرنا على الاقتراب منه ، وان نقدس انفسنا لنقدسهم )) .

 

      والخلاصة أن هذه الوظيفة هى وظيفة تكريس الذات لله وللناس . وتقتضى ان تكون حياة الراعى ضحية دائمة للجميع ، يفرح مع الفرحين ، ويتألم مع المتألمين . ويجب أن يكون فيه روح الرسول بولس القائل (( من يضعف وأنا لا أضعف . من يعثر وأنا لا التهب )) ( 2كو 11: 29) (( صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء . صرت للكل كل شىء لأخلص على كل حال قوما . وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكا فيه )) ( 1كو9: 22و23) .

 

 

 
 
 

Almuharraqseminar.com  © 2008. All Rights Reserved    |    By : Peter Malak