تمهيد 

ماذا يعنى بكلمة (( سر)) فى الكتاب المقدس

لكلمة (( سر)) فى الكتاب معناها الاعتيادى المعروفة به كما فى قوله (( وعمل بنو اسرائيل سرا )) وقوله : (( لا تبح بسر غيرك )) ( أم 25: 9 )

غير أن لها معنيين آخرين . فيراد بها أولا كل شىء مقدس وغير منظور كما فى الآيات الآتية :

(( سر الرب لخائفيه ))                          ( مز 25: 14 )       

(( لدانيال كشف السر ))                       ( دا 2: 19 )  

(( يعلن سره لعبيده الأنبياء ))                 ( عا 3 : 7 )

(( لتعرفوا أسرار ملكوت السموات ))          ( مت 13: 11 ، لو8: 10 )

 

 

 

(( بالروح يتكلم بأسرار ))                  ( 1 كو14: 2 )               (( وأعلم جميع الأسرار ))                            ( 1 كو13: 2)    

(( لست أريد أن تجهلوا هذا السر ))    ( رو11: 25 )                 (( السر الذى كان مكتوما ))                         ( رو16: 25 )

(( نتكلم بحكمة الله فى سر ))          ( 1 كو2: 7 )                  (( هوذا سر أقوله لكم ))                             ( 1 كو15: 51 )

(( اذ عرفناه بسر مشيئته ))             ( اف 1 : 9 )                  (( هذا السر عظيم ))                                ( اف 5: 32 )     

(( لاعلم جهارا بسر الانجيل ))           ( اف 6: 19 )                 (( ولهم سر الايمان ))                                ( 1 تى3: 9 )

(( عظيم هو سر التقوى ))                ( 1 تى3: 16 )

 

وتأتى كلمة (( سر)) فى الكتاب أيضا بمعنى (( رمز أو اشارة أو علامة )) فقول دانيال فى ص2بعد وصف التمثال الذى رآه نبوخذ نصر (( ان هذا سر )) يعنى به علامة لأمور خفية . اذ يشير الى تعاقب أربع ممالك يظهر بعدها ملك المسيح . وكما جاء فى قول صاحب الرؤيا (( سر السبعة كواكب التى رأيت على يمينى والسبع المنابر الذهبية . السبعة الكواكب هى ملائكة السبع الكنائس والمنابر السبع التى رأيتها هى السبع الكنائس )) (رؤ1 : 20)

كذلك جاء فى سفر الرؤيا (ص17: 1-7 ) من وصف الزانية الجالسة على المياه قوله (( وعلى جبهتها اسم مكتوب سر )) وقال الملاك (( أنا أقول لك سر المرأة )) أى أفسر لك رمزها . وقال بولس الرسول (( لأن سر الاثم الآن يعمل )) (2تس 2: 7) مشيرا بذلك الى الاضطهادات التى ستقاسيها الكنيسة من الملوك الاثمة . وتلك الاضطهادات رمز لاضطهادات المسيح الدجال

2- تعريف السر الكنسى :

أما أسرار الكنيسة فقد جاءت فى الكتاب بمعنى مواهب ولها علامات تشير الى أمور مقدسة خفية . مثال ذلك قول الرسول عن الزواج (( هذا السر عظيم ولكننى أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة )) (اف 5: 31 ) ومعنى ذلك أن الاتحاد المحسوس بين الرجل وزوجته علامة أو رمز الى أمر روحى مكنون هو وحدة القلب والروح التى تشبه اتحاد المسيح والكنيسة .

فالسر الكنسى اذن معناه نعمة غير منظورة نحصل عليها بممارسة طقس ظاهر ذى علاقة بها على يد كاهن شرعى .

ويشترط فى علامة السر أن تكون أولا شيئا محسوسا وثانيا أن تؤدى الى معرفة شىء آخر . لأن العلامة لا توضع للدلالة على نفسها . بل لابد لها من شىء تشير اليه .

وفى هذا المعنى يقول بولس الرسول عن المعمودية (( أم تجهلون اننا كل من اعتمد ليسوع المسيح ، اعتمدنا لموته )) ( رو6 : 3 ) كأنه يقول ان طقس المعمودية يشير الى موت المسيح ودفنه وقيامته . وكذلك الحال فى سر الافخارستيا اذ يقول : (( فانكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب الى أن يجىء )) (1كو 11: 26 ) .

3- مناسبة الاسرار للطبيعة البشرية :

وهذا الترتيب الذى وضعه الله فى كنيسته موافق ومناسب لطبيعتنا التى مراعاة لجزئها الحسى تميل الى العلامات الحسية فى العلاقات الدينية . ولهذا رتب الله لموسى علامات كثيرة لاجل بنيان شعب اسرائيل فى التقوى . كالختان ، والكهنوت ، والكفارة ، والحمل الفصحى ، وخبز التقدمة . وكلها علامات حسية تشير الى البر الذى كان عتيدا ان نناله بذبيحة المسيح .

وبناء عليه يكون السر فى اصطلاح الكنيسة عملا مقدسا به ننال نعمة غير منظورة تحت مادة او علامات منظورة . وهو مرتب من ربنا يسوع المسيح الذى به ننال النعم الالهية .  

4- التشابة بين الاسرار وبين ما تشير اليه :

فأسرار الكنيسة اذن فى مظاهرها الطقسية اعمال تشير الى تطهير النفس وتجديدها بالنعمة . وهى مطابقة للقصد الالهى الذى وضعت من أجله ، اذ يوجد تشابه كلى بينها وبين ماتشير اليه . خذ مثلا الغسل بالماء فى المعمودية ، فانه يشير بأسلوب مناسب الى غسل النفس من أدران المعصية ، كذلك الزيت فى سر الميرون وسر مسحة المرضى ، فانه أنسب مادة للدلالة على قوة السر لتسكين أوجاع الجسد وتقويته ، وقس على ذلك بقية الاسرار .

وقد قال بعضهم : كما أنه يوجد فى الطب الجسدى ثلاثة انواع من الادوية : نوع يحسم الداء بعد وروده . ونوع يسبق الداء ويقى منه . ونوع يقوى البدن بالاكثار من الجواهر الحيوية التى تمنع ضعفه ، كذلك الاسرار السبعة المقدسة التى أعطانا اياها طبيبنا الروحى ومخلصنا . فانها تقوم بهذه الوظائف الثلاث عينها .

فمنها المعمودية والتوبة ومسحة المرضى ، تعتبر أدوية روحية للشفاء من الخطية الاصلية والخطايا الفعلية . وهى أدوية يحتاج اليها كل الناس ومنها الزيجة والميرون ، وهما دواءان للانتصار ، أحدهما للنصرة على الشهوات . والثانى لاضعاف القوى الغضبية . وفى ذلك وقاية وتحصن من الخطايا . أما الكهنوت وسر القربان ، فانهما ينميان فينا العافية الروحية المكتسبة من الاسرار الاخرى . على ان من هذه الاسرار ما يرسم على قابليه سمة روحية لا تمحى ولذلك لا يعاد ، وهى المعمودية والميرون والكهنوت . فبالمعمودية نوسم كأبناء الله ، وبالميرون نوسم كجنود لملكهم الاعظم ، وبالكهنوت نوسم كخدام لحبرهم الاعظم .

 

5- جوهر الاسرار وفعلها :

وحسب التعريفات المتقدمة تكون الاسرار فى جوهرها هبات وبممارسات مقدسة تمنح النعمة الالهية فعلا للمتقدمين اليها . ويتم بواسطتها عمل هذه النعمة فينا . وهذه هى أوصاف جوهرها بناء على ماتقدم :

      1- انها مؤسسة من الله .

      2- انها ذات هيئة أو صورة .

      3- انها واسطة لانالة نفوس المؤمنين فيض النعمة

      فليست الاسرار اذن رسوما وعلامات للمواعيد الالهية يقصد بها انهاض الايمان بيسوع المسيح .

ولا هى اشارات للنعمة يتوطد بها المنتخب ويتثبت فى الايمان وفى المواعيد الالهية التى نالها ، أو بالحرى هو يوطد الكنيسة بايمانه أكثر مما يوطد نفسه . ولا هى مجرد طقوس خارجية يتميز بها المسيحى عن غيره.

هذه الآراء الثلاثة ( حسب زعم لوثيروس و كلفينوس ) ترفضها كنيستنا الارثوذكسية لانها مخالفة للكتاب . ولاجل اثبات بطلانها نأتى بالآيات التى تؤيد فاعلية الاسرار ، وتثبت أن هذه الاسرار فى جوهرها هبات وبأعمال مقدسة تمنح المؤمنين نعم الله غير المنظورة تحت علامات منظورة . واليك هى :

أولا : ان الكتب المقدسة تقررهذا الرأى فقد قيل عن المعمودية (( ان كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله . الحق الحق أقول لك أن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله )) ( يو3: 3و5 ) ، (( المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح )) ( يو3: 6 ) ، وقول الرسول (( كما أحب المسيح أيضا الكنيسة وأسلم نفسه لاجلنا ، لكى يقدسها مطهرا اياها بغسل الماء بالكلمة . لكى يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة ، لا دنس فيها ولا غضن ، أو شىء من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب )) ( أف5: 25-28 ) وقوله (( لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح الهنا )) ( 1كو6 : 11 ) .

وفى سر الشكر يقول ((  الحق الحق أقول لكم ان لم تأكلوا جسد ابن الانسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم . من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الاخير . لان جسدى مأكل حق ودمى مشرب حق . من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فى وأنا فية )) ( يو6: 53- 56 ) .

وفى سر الكهنوت يقول الرسول ((  لا تهمل الموهبة التى فيك المعطاة لك بالبنوة مع وضع أيدى القسوسية )) ( 1تى4: 14 ) وقوله (( أذكرك أن تضرم أيضا موهبة الله التى فيك بوضع يدى )) ( 2تى 1: 6 ) .

وعن سر الميرون جاء فى سفر الاعمال : (( ولما سمع الرسل الذين فى أورشليم أن السامرة قد قبلت كلمة الله ، أرسلوا اليهم بطرس ويوحنا اللذين لما نزلا صليا لاجلهم لكى يقبلوا الروح القدس ، لانه لم يكن قد حل بعد على أحد منهم غير أنهم كانوا معتمدين باسم الرب يسوع . حينئذ وضعا الايادى عليهم فقبلوا الروح القدس )) ( أع8 : 14- 17 ) .

وعن سر مسحة المرضى قال يعقوب الرسول (( أمريض أحد بينكم فليدع قسوس الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب . وصلاة الايمان تشفى المريض والرب يقيمه . وان كان قد فعل خطية تغفر له )) . (يع5: 14و15)

     وعن سر التوبة قال الرب بصريح اللفظ (( من غفرتم خطاياه تغفر له . ومن أمسكتم خطاياه أمسكت )) (يو2: 23 ) .

     وعن سر الزواج قال الرسول (( هذا السر عظيم )) وشبهه باتحاد المسيح بالكنيسة ( اف5: 32 ) .

فمن هذه الآيات البينات يتبين أن الاسرار المقدسة هى هبات الروح القدس الذى يفيض النعم المبررة فى نفوسنا . فالاسرار تفعل فعلا حقيقيا فى المؤمن المشترك بها . فان الماء والروح فى سر المعمودية يلده ثانية ويقدسه وينقيه . ومسحة الميرون تمنحه ثباتا وتهبه حلول الروح القدس . وبتناوله سر الشكر يوهب عدم الموت والثبات فى المسيح . وبوضع اليد فى الكهنوت تمنح للمرتسمين نعمة خاصة لتكريسهم لخدمة الاسرار المقدسة بحسب طبيعته وجوهره يفعل فعلا غير منظور ويمنح النعمة لكل من يتقدم اليه .

اولا : نقول ان للاسرار فى ذاتها وطبعها قوة لفعل النعمة ، لو لم تكن الآت من الله لفعل هذه النعم . فهى اذن بركات فعالة لاصدار النعمة ، وان كانت ليست عللا اصلية الا انها قوة فى يد الروح القدس .

ثانيا : يظهر ذلك من تعليم الانجيل عن الفرق بين معمودية يوحنا ومعمودية المسيح فان معمودية يوحنا لم تكن سوى معمودية للتوبة والاعداد حسب قوله (( انا اعمدكم بماء للتوبة ولكن الذى يأتى بعدى ( أى المسيح ) سيعمدكم بالروح القدس ونار )) .

     ( مت3: 11 راجع أيضا مر1: 7و8 ، لو3: 16 ، يو1: 33 )

 فمعمودية يوحنا كانت استعدادا لمغفرة الخطايا ، ولم تكن لها قوة على محو الخطيئة . أما معمودية المسيح فلها قوة غفران الخطايا لانها تمنح بالماء والروح القدس ، ولما كانت مفاعيل الروح القدس الخاصة هى محو الخطايا وتقديس النفوس ، فالفرق اذن واضح بين المعموديتين ، ومن هنا يتضح أن أسرار العهد الجديد لها قوة وفاعلية بالروح القدس .

ثالثا : من تعليم الكتاب أن اسرار العهد الجديد تمنح النعم الالهية بخلاف أسرار العهد القديم ، التى لم تكن الا رمزا وظلا للخيرات العتيدة حسب قول الرسول (( لان الناموس اذ له ظل الخيرا العتيدة لانفس صورة الاشياء لايقدر أبدا بنفس الذبائح كل سنة التى يقدمونها على الدوام أن يكمل الذين يتقدمون )) (عب10:1) (( وأنها رمز للوقت الحاضر لا يمكن أن تكمل ، (عب9: 9- 14) (( وأن الناموس كان مؤدبنا الى المسيح )) ( غل3: 24) (( اذ الناموس لم يكمل شيئاولكن يصير ادخال رجاء أفضل به نقترب الى الله ))( عب 7: 19) ولكن

 

 
 
 

Almuharraqseminar.com  © 2008. All Rights Reserved    |    By : Peter Malak